Posts Tagged ‘شاعر’

الولاء للوطن‏,‏ والولاء للدين‏!

14-05-2009

كتب الاستاذ عبد المعطى حجازى وهو اديب كبير وشاعر مميز فى مصر  مقالا رائعا فى جريدة الأهرام – 13 مايو 2009

بقلم‏:‏ أحمد عبد المعطي حجازي

لا أستطيع أن افهم منطق الذين يريدون أن ينشئوا تناقضا جوهريا بين الولاء للدين والولاء للوطن‏.‏ لا افهم منطقهم لسبب يبدو لي واضحا غاية الوضوح هو أن ولاء الإنسان للدين لا يعني إلا أن يكون له الحق في أن يعتنق ما يشاء من العقائد والمذاهب وأن يجهر بعقيدته التي اختارها‏,‏ ويدعو لها إذا أراد ويؤدي ما تفرضه عليه من شعائر دون أن يشعر بحرج‏,‏ أو يتعرض لأي اضطهاد‏.‏

فإذا كان هذا هو معني الولاء للدين فهو لا يتعارض أدني تعارض مع الولاء للوطن بالمعني الذي نفهمه اليوم من الوطن والولاء له‏.‏ بل أن الولاء للدين لا يتحقق إلا بالولاء للوطن‏.‏وكيف يصح للإنسان أن يمارس أي نشاط‏,,‏ كيف يمكنه أن يؤمن بفكرة ويعمل بالفكرة التي آمن بها دون أن يكون مواطنا في بلد من البلاد يعيش فيه وينتمي لأهله؟‏!‏

لكن هذه القضية التي أطرحها عليكم اليوم تحتاج لشيء من التوضيح لأن معظمنا لا يحس بهذا التعارض الذي يمكن أن ينشأ بين الولاء للدين والولاء للوطن‏.‏ مصر بلد إسلامي وغالبية المصريين مسلمون‏..‏ والدين بالنسبة للمصريين, ‏‏ أو بالنسبة لمعظمهم يكاد يتطابق مع الوطن‏.‏ فالولاء لمصر ولاء للإسلام‏,‏ والولاء للإسلام ولاء لمصر‏.‏

ولاشك أن في هذا الذي ذكرته شيئا من التبسيط والتعميم‏..‏ فالتطابق ليس كاملا بين الدين والوطن‏.‏ لأن بعض المصريين ليسوا مسلمين‏.‏ ولأن بعض المسلمين المصريين يعتقدون أنهم مسلمون قبل أن يكونوا مصريين‏.‏ وأن وطنهم الحقيقي هو الإسلام‏, ‏ أو هو أي بلد يكون دينه الإسلام وكما يستوي بالنسبة لهؤلاء أن يحملوا الجنسية المصرية أو الباكستانية‏, ‏ يستوي بالنسبة لهم‏,‏ ذلك أن يكون ملكهم أو رئيسهم مصريا أو أفغانيا أو تركيا‏.‏ وهذا ليس مجرد منطق وإنما هو رواية لواقعة حقيقية‏.‏ فقد صرح بعض زعماء الجماعات الدينية بأن جنسية الحاكم لا تهمه مادام مسلما‏.‏

وتقديم الولاء للدين علي الولاء للوطن أو إثارة التناقض بينهما مسئول عن إثارة الفتنة الدينية في مصر هذه الأيام‏.‏

ولاشك في أنه مسئول عن كوارث أخري لم نلتفت إليها كما يجب‏.‏ وفي مقدمتها أن يتخلي المسلمون عن وطنهم وقت الشدة فرارا بدينهم الذي يمكن أن يرغمهم الأعداء علي التخلي عنه إذا انتصروا عليهم وحكموهم‏.‏ وفي اعتقادي أن هذا الهلع الذي ينتمي للعصور الوسطي هو الذي دفع خمسة ملايين مسلم للتخلي عن الأندلس‏,‏ واللجوء إلي بلاد المغرب ومعهم مفاتيح بيوتهم التي تركوها في قرطبة وأشبيلية وغرناطة‏.‏ وهو الذي دفع مئات الآلاف من الفلسطينيين للتخلي عن مدنهم وقراهم أمام العصابات الصهيونية في الوقت الذي لم تكن فيه نسبة اليهود تزيد علي خمسة عشر في المائة من سكان فلسطين‏!‏

هكذا تري أن الوطن لا يعني الكثير لدعاة الدولة الدينية التي تجمع بين أهلها رابطة الدين‏, ‏ وتستمد حكومتها شرعيتها من الله لا من الشعب‏.‏ فالحاكم يتولي منصبه ويمارس سلطته بتفويض إلهي كما يزعم‏!‏ وليس باختيار الناس له كما هي الحال في الدولة الوطنية التي تستمد شرعيتها من انعقاد كلمة الناس عليها‏,‏ واتفاقهم علي أن تمثلهم وتتولي الدفاع عن أمنهم وحريتهم وأرضهم ومصالحهم‏.‏ وهذا هو العقد الاجتماعي كما سماه فلاسفة التنوير الذين قادوا أوربا الغربية في طريق الحرية‏, ‏ وأسقطوا حكم الطغيان‏,‏ وفصلوا بين الدين والدولة فليس يحق لرجال السياسة أن يتدخلوا في الأمور الدينية‏,‏ وليس يحق لرجال الدين أن يتدخلوا في السياسة‏.‏

وأنا أرجو المعذرة لأني ابتعدت عن مسألة التعارض بين الولاءين واستطردت في الحديث عن الفرق بين الدولتين‏.‏

لكن هذا الحديث الذي استطردت فيه كان لابد منه لأقول إن التعارض بين الولاء للدين والولاء للوطن يمكن أن يثور ويصبح مشكلة عنيفة حتى في البلاد التي ينتمي معظم سكانها لعقيدة واحدة‏,‏ طالما كان الوعي السائد يسوي بين الولاءين ولا يميز بينهما‏.‏

الدين علاقة بين الإنسان وربه‏.‏ والولاء للدين إذن ولاء شخصي والتزام فردي فليس يحق لمواطن أن يسأل مواطنا عن عقيدته أو يحاسبه علي أنه اختار مذهبا دون مذهب آخر‏.‏ لكن المواطنة علاقة بين المواطنين بعضهم وبعض‏.‏ والولاء للوطن إذن ليس مجرد عاطفة‏, ‏ ولكنه واجب نلتزم بأدائه لنحصل علي ما يقابله من حقوق‏.‏

عليك أن تؤدي خدمة العلم‏,‏ وأن تدفع الضرائب المقررة‏,‏ وأن تحترم قوانين بلادك ليكون لك الحق في أن تعيش حرا‏,‏ وأن تملك ما كسبته يداك‏,‏ وأن تعتنق ما شئت من عقائد‏,‏ وتعبر عما لديك من أفكار‏,‏ وتشارك في اختيار من ينوبون عنك ويحكمون بلادك وعلي الدولة‏,‏ أن تكفل لك هذه الحقوق‏,‏ وتمكنك من التمتع بها عن طريق القوانين التي تسنها والمؤسسات والأجهزة التي تنشئها‏.‏

الفصل بين الدين والدولة هو الطريق الوحيد لنفي التعارض بين الولاء للوطن والولاء للدين‏.‏ هكذا وضع المصريون يدهم علي الشعار العبقري الذي رفعوه في ثورة‏1919‏ المجيدة الدين لله‏.‏ والوطن للجميع‏!‏

 

تعقيب واجب:

تحياتى لك استاذى الفاضل عبد المعطى حجازى اطال الله فى عمرك لتعطينا من مقالاتك فكرا تنويريا لتفتح به عقول من اغمض عينيه عن الحقيقة النوارنية الالهية التى تقول: كلكم اثمار شجرة واحدة واوراق غصن واحد”

ريشة وألوان – حسين بيكار

16-11-2007

يمر اليوم 16-11-2007 الذكرى الخامسة لرحيل صاحب الالوان والظلال الفنان القدير حسين بيكار واليكم اخر ماخط قلمه قبل الرحيل والذى لم يمهله القدر ان ينشره وهو موال ربيعي”

فتحت شباك الأمل على ارض سمرة معجونة بدم الشهيد
ولمحت شمس الأصيل مسجونة جوه قفص من سلك وحديد
وفجأة بصيت لفوق لقيت أسراب الحمام مليا القريب والبعيد
وفرحانة بالوشوش اللي بتبنيها وكأنه مهرجـــان أو عيد
قلت سبحــــانك يارب قادر تــبدل العتيـــــق بالجديد
وتصبح مصر عروسه زمانها شباب من غير تجاعيد

وقد كتب الاستاذ انيس منصور مقال فى 10 يناير الماضى بجريدة الشرق الاوسط عن الاستاذ بيكار كل  مايفيض به قلبه من ذكريات ومشاعر جميلة وان يديه كانت تفرز حريرا من لوحات واغنيات.وكتب الاستاذ محمد حلمى السلاب فى بريد القراء بجريدة البديل امس الخميس 15-11-2007  ص 10  ان حياة بيكار نموذج رائع لفنان عظيم متعدد المواهب فهو كالبحر المتلاطم الامواج الذى لا ساحل له. فهو برع فى رسم الشخصيات ببراعة منقطعة النظير وناقد تشكيلى رصد حركة الابداع فى مصر سنوات طويلة تحت عنوان” الوان وظلال.  باقة ورد الى روحه الطاهره اضعها اليوم على مثواه.
نشرت صحيفة الشرق الأوسط: جريدة العرب الدولية في 10 يناير 2007 مقالة للأديب والصحفي المصري المعروف أنيس منصور مقالة بعنوان رجل يفرز الحرير: لوحات وأغنيات! يعرض فيها رأيه وذكرياته مع الفنان البهائي المصري المعروف حسين بيكار وفيما يلي نص المقالة

كان ياما كان في سالف العصر والأوان واحد فنان. والفنان اسمه بيكار ـ حسين أمين بيكار. مصري من أصل قبرصي تركي، وكان صديق العمر. فنحن أصدقاء من أربعين عاما. سافرنا معا إلى أوروبا وتصعلكنا في شوارعها واستديوهاتها. ونجحنا كثيرا. فلا احد يستطيع أن يقاوم اللغة الإيطالية والبنات الإيطاليات. فاللغة أغنيات والبنات راقصات والجو اوركسترا لكل المشاعر الجميلة. والمايسترو هو الشباب وكنا شبابا

وإذا تخيلت أن أحدا مصنوع من الحرير الصيني فالفنان بيكار. وإذا تخيلت أحدا مثل دودة القز تفرز الحرير فخطوط لوحاته كذلك. لولا أن دودة القز حشرة كريهة. ولم يكن بيكار إلا رجلا وسيما جميل الشكل والرسم والجسم والنفس. لم يكرهه احد. ولم يكره أحدا. كيف؟ هذه هي المعادلة الصعبة التي افتقدناها من أربع سنوات

وفي يوم كنا في مدينة البندقية ورأينا ـ حسين بيكار وعبد السلام الشريف وصلاح طاهر وكمال الملاخ وحسن فؤاد وجمال كامل وهم كبار فناني مصر ـ فتاة صغيرة أمسكت ورقة وقلما. وبمنتهى الثقة ترسم حصانا يقفز. وقفنا وتولانا الذهول. كيف تستطيع هذه الصغيرة وبخطوط صغيرة أن ترسم حصانا. وقفنا وطلبنا إليها أن ترسم الحصان واقفا ونائما على جانب أو على ظهره أو طائرا. وكيف تفعل ذلك ببراعة فريدة. وطلبنا إليها أن تعطي كل واحد منا لوحة وان توقع عليها بإمضائها. وفعلت ولا نزال نحتفظ بهذه المعجزة الفنية

وقد أسعدني حسين بيكار بأن رسم أغلفة عدد من كتبي.. وكانت هذه الأغلفة تحفة فنية. وقد بدأ حسين بيكار حياته موسيقيا مطربا وملحنا. وأول ألحانه كان للملك فاروق. وأصابعه لم تتوقف عن العزف على العود وعلى الورق أيضا. وإذا كان الفنان صلاح طاهر هو موسيقار الألوان، فإن حسين بيكار هو مطرب الضوء والظلال والحرير

وقد استمعت من حسين بيكار إلى أغنية سيد درويش (أنا هويت وانتهيت) وهي أسعد أغنية في تاريخ الغناء العربي. فقد غناها محمد عبد الوهاب والسنباطي وإسماعيل شبانة وسعاد محمد وفرقة أم كلثوم وحسين بيكار وأنا أيضا غنيتها لحسين بيكار وإسماعيل شبانة وغنيتها لنفسي كثيرا

يرحم الله حسين بيكار بالطريقة التي كان يحلم بها

في رأيي إن أنيس منصور لم يكتب مقالته عن الفنان المصري حسين بيكار فقط لأنه تذكر صديق حميم يفتقده. فأنيس منصور، الصحفي والأديب المحنك الذي يعرف كل ما يدور في مصر وعلى وعي تام بسياسات ومفكرين وقياديات وقضايا مصر، يعرف ما وصلت إليه حال البهائيين المصريين في مصر اليوم، وعلى علم بما تعرض له حسين بيكار من حبس واضطهاد نتيجة اعترافه وإشهاره إيمانه بالبهائية، ورغم ذلك إخثار أنيس منصور أن يكتب عن صديق عمره الراحل وعلاقته بمصر ومصريته التي عاشها من خلال حبة وعطائه للوطن الذي سرى عشقه في دمائه وسال من خلال ريشته ليخلق فنا يخلد نبضات قلب مصر وبعض من أنفاس أبنائها. ومع أن أنيس منصور لم يتطرق لقضية البهائيين بشكل صريح لكنني أعتقد أن عرضه لحياة بيكار وأحلامه ومصريته مناقضا بذلك الادعاءات الباطلة التي نشرها وينشرها المغرضين ضد البهائيين بشكل عام وحسين بيكار بشكل خاص، في نظري لهو شهادة بعطاء وولاء ومصرية البهائيين المصريين أسوة بالفنان البهائي المصري الراحل، حسين بيكار الذي عمل جاهدا على الدفاع عن وحماية مجتمعه البهائي المصري

يبدو أن أعمال الفنان البهائي المصري الكبير وذكراه الطيبة ما زالت تقوم بالدفاع عن البهائيين المصريين! فكما قال أنيس منصور: يرحم الله حسين بيكار بالطريقة التي كان يحلم بها ، وأضيف فليرحم الله مصر ومستقبلها وخيارات قادتها وأحكام محاكمها وشجاعة أبنائها وبناته

بيكار وسط لوحاته

(more…)