وزارة الشؤون الدينية ودورها في تحقيق المساواة ونشر السماحة


كتب المقالمحمد بوسريرة من تونس . نشرت الرسالة بجريدة “الصريح” التونسية بتاريخ أول مايو 2015

لا شك أنّ وزارة الشؤون الدينية تدرك جيّدا أنّ الدستور والمواطنة يكفلان المساواة بين كلّ أفراد الشعب، ولأنّ الأفراد يعتنقون ديانات مختلفة، وأيضا أفكارا لا دينيّة، فإنّ معتقداتهم وأفكارهم يكون لها نفس حق مواطنة الأفراد سواء أكانوا أغلبيّة أم أقليّة مهما كان عددهم.

صحيح أنّ الأغلبيّة لها وزن يبرّر حجم استحقاقها في الاهتمام بشؤونها، ولكن هذا لا يجب أن يحجب نظر الوزارة والجهات المعنيّة عن حقوق وشؤون الأقليّات، وعن دور وزارة الشؤون الدينيّة خاصّة في تحقيق المساواة ونشر السماحة والقبول بالاختلاف لتحقيق التعايش المشترك الآمن.

أن تهتمّ الوزارة بشؤون وحقوق المسلمين كأغلبيّة، في حجّهم وصيامهم وأعيادهم وتعلن عن مواعيدها في وسائل الإعلام المختلفة، وتعتني ببيوت العبادة إحداثا وترميما وتأثيثا وتدفع أجور القائمين عليها وتسدّد فواتير الماء والكهرباء، كلّ ذلك من المال العام المتأتي من الأداءات التي يدفعها الجميع، وتحدث المقابر وتعتني بها، فهذا كله واجب مشكورة على القيام به.

وحتى لا يكون في واجبها نقصان أو تقصير، عليها أن تهتم وبنفس الروح والريحان بحقوق وشؤون الديانات السماوية الأخرى مثل اليهودية والنصرانيّة والبهائيّة وغيرها إن وجدت بصرف النظر عن عدد أتباعها، فحقوق الإنسان الطبيعيّة والدستوريّة لا ترتهن بالعدد، بل بوجود مواطن صاحب حق فردا كان أم جماعة، فالأقليّات الدينيّة  من اصل تونسي تحتاج مثل الأغلبيّة من مواطنيهم إلى التعريف بنفسها عن طريق الإعلام وأن يعلن من الجهات الرسميّة عن أعيادها ومناسباتها الدينيّة، كما تحتاج إلى دور عبادة في أماكن تواجد أفرادها إذا رغبوا في ذلك، وكذلك وأساسا إلى مقابر لدفن الموتى وفق طقوس ديانتهم، قد تكون وزارة الشؤون الدينية لا تعلم أنّ البهائيين في تونس ليست لهم مقابر كغيرهم من الديانات السماوية كما أنّ معابد ومقابر الأقليّات لا تلقى عناية من السلط والبلديّات، والأمر يحتاج إلى تدخل منها، لأنّ حرمة الأموات والمقدسات سماحة أخلاقية ودينية وحضارية.

ومن منطلق إيماني بكلّ الأديان السماويّة، واحترامي التام لمقدّساتها وحرية المعتقد والفكر، ألفت نظر السلط المعنية ومنها وزارة الشؤون الدينيّة إلى أنّ معبدا لليهود التونسيين أب عن جدّ يقع وسط مدينة تطاوين، تركه اليهود منذ رحيلهم عن المنطقة في فترة التعاضد بسبب خوفهم على تجارتهم ومستوى عيشهم، أصبح منذ ذلك الحين يعاني من الإهمال المهين، وباعتباره محلا كان يذكر فيه اسم الله على شريعة سيدنا موسى عليه السلام، يكون من واجب الجميع حفظ قداسته وكيانه من الخارج والداخل، وأتمنّى على بلدية تطاوين أن تبادر من تلقاء نفسها بصيانة هذا المعبد من الخارج وطلب الإذن من الحبر الأكبر في تونس بصيانته من الداخل، وطلائه وتجديد بابه، وأن تضع عليه لافتة رخاميّة تعرّف به كبيت صلاة لليهود مع ذكر سنة إحداثه ويكون ذلك بلغات العالم الأكثر انتشارا حتى يتعرّف السيّاح الأجانب عليه ولا شكّ أنّ ذلك سيحدث في نفوسهم انطباعا جيّدا على روح السماحة والتعايش الديني في تونس، وكذلك أن تعرّف بمقبرتي اليهود والنصارى كلّ واحدة منهما بلافتة خاصّة بها، ولما لا يشرك أبناء المدارس في حملات تنظيف المقابر مهما كانت ديانة ساكنيها، علّنا نساعدهم ومحيطهم على تطهير أنفسهم من الكراهية والتعصّب تجاه الغير، وبهذا السلوك الإنساني المتحضّر نعطي صغارنا وأجيال المستقبل و العالم المثل في السماحة والتمسّك بكمالات القيم الأخلاقية التي جاءت بها رسل ربّنا عليهم صلاة الله وسلامه.

إنّ القيام بهذا ليس من باب الواجب والحق فحسب بل وأيضا لغاية نشر ثقافة السماحة الدينيّة وتحقيق التعايش في ظلّ وحدة تحترم الاختلاف والتنوّع، فتعوّد المواطن على السماع بوجود ديانات أخرى غير الإسلام المحمّدي من طرف وزارة الشؤون الدينيّة كجهة رسميّة سيجعله يقبل بالتدريج بالاختلاف والتعايش المشترك.

ولأنّ الدين لله ولا يحتاج إلى طلب رخصة من السلطة أو من الأغلبيّة لذلك لا يليق لأيّ جهة أن ترفض وجود أو تلبية طلب حق في إحداث مقبرة أو معبد أو الإعلان عن الديانة والتعريف بها عبر وسائل الإعلام بأنواعها في مساواة تامّة مع الأغلبيّة.

واقتراحي لتحقيق ذلك أن تحدث وزارة الشؤون الدينيّة داخلها مصلحة للعلاقة مع الأديان تتولى دعوة ممثلي الديانات التي تعلن عن وجودها في تونس لعقد جلسات دوريّة يتمّ التشاور فيها معهم بخصوص احتياجاتهم الدينية وفق خصوصياتهم، والتعرّف على مشاغلهم وما لديهم للمساهمة في خدمة الصالح العام من منظور ثقافة شرائعهم، ويتمّ إعلان ذلك عبر وسائل الإعلام.

الأمل أن تعمل وزارة الشؤون الدينيّة بما يؤكّد أنها وزارة لكلّ الأديان وليست كما هي الآن خاصّة بالأغلبيّة، وأن توجّه عنايتها للجميع بالتساوي المطلوب دستوريا وحضاريا، وبذلك تنشر السماحة بين الأديان وأتباعها في أرجاء البلاد، وتحقق تميّز تونس وشعبها بما يجلب لهما الاحترام والتقدير من الجميع.

محمد بوسريرة

26/04/2015

Advertisements

الأوسمة: , , ,

2 تعليقان to “وزارة الشؤون الدينية ودورها في تحقيق المساواة ونشر السماحة”

  1. روشن محمد مصطفى Says:

    يا ليت للأزهر الشريف يلتفت إلى مثل هذا الفكر المنفتح الصدر لكل من خلقه الله في مصر العزيزة.

  2. فوزى مرعى Says:

    أعجبتنى المقاله والتى تدعو لنحقيق

    المساواه ونشر السماحه – ونأمل ذلك فى كل دول العالم – وشكرا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: