رسالة مصر الى الجندى المجهول


د.نبيل مصطفى ود .سمية رمضان
 مقال بالاهرام  ديسمبر 2014
فى يوليو 2013 دعتنى الرابطة البريطانية للأدب المقارن BCLA لحضور دورتها الثالثة عشرة التى أقيمت تحت عنوان «هجرة». وكان من الطبيعى أن تحتل الترجمة بمعانيها الأوسع، المساحة الأكبر فى فاعليات ذلك المؤتمر الذى ضم أسماء أكادميين على قدر كبير من التأثير – من أمثال (روزى برادوتى) و(مايكل كرونون) ضمن آخرين لا يقلون تأثيرا – لما للترجمة من قفزات تنظيرية فى الحقبة الأخيرة تدعو إلى إعادة النظر فى دورها كسفير فوق العادة بين اللغات و ما تحمله من أفكار و رؤى لمستقبل كوكبنا الأزرق. كان أثر ذلك الجمع الرهيب من حراس ما أطلق عليه صاحب نوبل الأيرلندى الشمالى «حراس جمهوية الضمير» أثرا عظيما فى نفسى، فقد عدت و قد تغير تماما شعورى تجاه تلك الكلمة التى كان قد اصبح لها أصداء أليمة فى مصريتى المعاصرة. فهى لا تجىء إلا و قد تلاها مصطلح «غير الشرعية» مذيلا بقصة فى خبر عن قوارب للموت. أما على مستوى الأدب و الشعر فطالما جاءتنى محملة بأوجاع البعاد و جراح الطيور المهاجرة من صقيع افتقاد الجدوى وأسوار كارانتينا الكلمات . تحولت تلك الكلمة خلال أقل من اسبوع على نحو ساحر خلال محاضرات ألقاها أناس وهبوا عقولهم للخدمة على عتب

مضى العام و حلت سنة جديدة بعث لى الكون قرب نهايتها عبر أثيره عجيب التوقيت برسالتين فى آن. الأولى كانت خطابا بالانجليزية موجها للجندى المجهول فى الحرب العالمية الأولى فى ذكراه المئوية. كانت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC ) قد دعت الجمهور للمشاركة فى إحياء الذكرى على نحو مختلف هذا العام. فإلى جانب المعتاد فى تلك المناسبة من وضع اكاليل الزهور تحت النصب التذكارية وشراء ورود الخشخاش الحمراء الصناعية التى يذهب ريعها لجمعية المحاربين القدامى دعت البى بى سى جمهورها للتوقف لحظة وتأمل تمثال للجندى المجهول فى محطة «بادينجتون»و كتابة خطاب لهذا الشاب فى ذكراه المئوية. التمثال من النحاس لشاب يقرأ خطابا وهو فى الميدان بكامل عدته القتالية. و بالفعل تجاوب الجمهور ووصل المحطة أكثر من 21 ألفا و 400 خطاب، اختير منها الخطاب الذى كتبه الجراح المصرى زميل الكلية الملكية للجراحين فى لندن: الدكتور نبيل مصطفى. فى ذات الوقت وصلتنى دعوة بيت الشعر للاحتفال باليوم العالمى للمترجم. وجدتنى على نحو تلقائى أتذكر ذلك الأسبوع العجيب من صيف 2013 و كيف رحلت عن انجلترا وقتها و قد تأكد إيمانى بسحر وقوة الكلمة و انها غالية عزيزة لا تبذل إلا كما تبذل الروح من أجل الخير و الحق والوئام حتى وإن ادعت أنها مترجمة لأن الخير خير فى كل اللغات. و انها عندما تثمن هكذا يكون فى مقدورها ما لا تستطيعه التماثيل فى شموخها ولا الورود فى جمالها ولا زيارة المقابر فى صمتها. فالكلمة فى حيويتها قادرة على إعادة خلق الواقع حتى لو كانت عن الماضى و حتى لو كان ذلك الماضى مريرا. كتب الدكتور نبيل مصطفى بالانجليزية بحكم طبيعة الأمور ذلك الخطاب الذى اختير للنشر فى كتاب خاص بالذكرى المئوية للحرب الأولى من بين آلالاف من الخطابات.

عندما وصلتنى دعوة بيت الشعر لاحتفالية اليوم العالمى للمترجم وجدتنى أراجع نص الحياة اليومية فى مصرالذى لا يخلو من كلمات صار لها وقع جرح لا يلتئم: الشهيد، القصاص، الدم فى متتالية موجعة لا تعد إلا بالثأر والمزيد من الثأر. وضعت هذا النص أراجعه على النص الذى كتبه الدكتور نبيل مصطفى أتلمس ماهية اختلاف اللغات فى تعاملها مع ذكرى من ماتوا قتلى فى حالات استثنائية؛ لأضع يدى على كيفية وإمكانية و قدرة الكلمة على تطييب الجوارح ودرء الجراح. وعندما شرعت فى الترجمة التى كنت أعدها لألقيها فى اليوم العالمى للمترجم فى بيت الشعر، وجدتنى عفويا وتلقائيا فى المسودة الأولى أتوجه بالحديث لا للجندى المجهول فى محطة«بادينجتون» فى لندن ولكن لكل الجنود، مجهولون كانوا أو غير مجهولين و لكل«الشهداء» أيا كان من قتلهم، لأن الشهيد هو وحده الشاهد على من قتله ووحده الشاهد على حسن نواياه.

هاجر نص الدكتور نبيل من العام 2014 إلى سنة 1914 وعاد لعامنا هذا ومن الانجليزية للعربية عبر مؤتمر عن «هجرة النصوص» ووصل بيت الشعر فى القاهرة وسط ظروف أشبه بالحرب فماذا عساى أقول على لسان الدكتور نبيل مصطفى لو أننى أكتب من المستقبل الذى نصنعه الآن بالكلمات فى مصر، من مصر:

بنى،

إعلم أنك لم تمت هدرا. و إنك فى واقع الأمر دفعت دمك ضريبة من أجل بشرية أكثر نضجا ووعيا. ضحيت ببيتك الدافىء و حضن أمك و حنو أبيك وعطفه. ضحيت بكل أحلام شبابك وأخيرا ضحيت بحياتك ذاتها لكن إعلم أن كل هذا لم يضع هباء و أن معناه ينمو كل يوم. فقد قررت الدول المتحاربة بعد موتك مباشرة ضرورة ضمان عدم تكرار تلك المأساة البشعة فكان أن أقامت صرحا أطلق عليه «عصبة الأمم». وعلى الرغم من أن هذا «الصرح» سريعا ما تهاوى و من ثم انتشر حس بعدم الجدوى بين الناس و ساد أغلبهم القنوط إلا أنه ظل من رفض الاستسلام و اليأس من رحمة الله حتى بعد أن قامت حربا ثانية كانت أكثر ضراوة و أشد قسوة و أبشع وطأة بكل المقاييس راح ضحيتها شباب بالالاف فى عمر الزهور تشهد على أعمارهم الصغيرة شواهد قبورهم فى العلمين. لكن أنظر! ما ان انتهت هذه الحرب حتى عادت دول العالم تتأمل ما اقترفت فقررت بناء تجمع قام على أسس أكثر فاعلية اسمه «الأمم المتحدة». وعلى الرغم من أن ذلك الكيان ما زال يعانى من مفاهيم عقيمة و بيروقراطية ثقيلة و لم يزل غير قادر على درء الحروب ورد المعتدين إلا أنه قام وظل وأصبح فكرة متأصلة فى وجدان الانسانية و يشارك فيه اليوم أناس كثيرون يسعون بدأب فى ترسيخ المبادئ التى دعت لوجوده من الأصل ويجهادون من أجل توعية البشر بضرورة نبذ التعصبات المقيتة ووضح حد لتوريث الكراهية للأجيال.

كانت مصر (بلادى) من أوائل الدول التى ساهمت فى هذا البناء الطموح وكان عبدالرحمن عزام أول سفير لها فى الأمم المتحدة و هى تسعى اليوم للفوز بعضوية مجلس الأمن علها تجمع شمل الشعوب المحبة للسلام فيزدادوا قوة وإصرارا على مواجهة عوامل الفرقة و التفريق. مازال العالم فى حرب أيها الشاب الذى مات قبل أن يحقق أحلامه الخاصة الصغيرة. لكن لو انك قد لمحت لحظة مقتلك ما ترتب عليه موتك لفهمت فى الحال أن موتك لم يكن أبدا مجانيا وأن دماءك لم تسفك هدرا، إنما بذلت فى سبيل سعى الإنسانية بأسرها نحو التحرر من تسلط قانون الغاب، من أجل التحرر من كل كبرياء زائف و كراهية مورثة و من أسر أفكار تعزز الفرقة و تشكك فى قدرتنا كبشر على بناء عالم أكثر تعاونا و أكثر إيمانا بضرورة أن يحب المرء لأخته و أخيه ما يحب لنفسه حتى يأمن و يسعد ويتسع أفقه و يتعمق إيمانه بقدراته المذهلة.

إعلم! أيا كان اسمك أو عرقك أو دينك أو حتى جنسيتك، أنك ضحيت التضحية العظمى حتى يتأمل الناس ما يفعلون بأغلى من فيهم: الشباب الفتى الواعد. واعلم أن الوعى مشوار وعر لا ينبثق مرة واحدة فجأة فى تاريخ و ساعة بعينهما و أنه وياللأسف مازال يتطلب من هم فى عمرك. من قدموا حيواتهم قربانا حتى يرى الناس فى مرآة وجهك البرىء وأنت تقرأ هذا الخطاب صورتهم البشعة حتى وهم يتشدقون بأفضل الشعارات. أنت تعلمنا فى كل ذكرى لمقتلك أن الطريق طويل و شاق لكنك أيضا تجعلنا أكثر وعيا وتصميما على تحقيق أملنا فى عالم أنضج وأعقل و أكثر حكمة وانك بموتك هذا فى الجسد قد مهدت وعبدت لنا جزءا لا يستهان به من ذلك الطريق الوعر الطويل.

هذا خطاب لك عبر السنين و اللغات، و البلاد والظروف من شخصين لا يعرفانك من بلد ربما لم تعرفه اسمه «مصر» لكنهما يعرفاك لأنهما عرفا شبابا فى عمرك علموا لحظة موتهم أنهم لا يموتون هباء إنما ليذكروا البشر أن اتفاقهم جوهرى و أصيل وأعمق من كل خلاف ظاهرى قشرى.كلنا نولد و كلنا نتألم وكلنا نموت وتبقى الذكرى كى لا نرتكب أخطاء من سبقونا ويتأكد من ضحوا بحيواتهم قربانا للمستقبل أنهم لم يموتوا هباء.

 

 

 

 

الأوسمة: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: