التعاليم البهائية الجديدة  


من كتاب البرهان اللامع لجناب ميرزا ابو الفضائل من حوارى حضرة بهاء الله مؤسس الدين البهائى  وله العديد من المؤلفات  والكتب 

التعاليم البهائية الجديدة : 

باختصار، دعونا نعود إلى المسألة الأصلية التى ترجع الى سؤال بيتر ز إيستون: “ما الذى جاء به بهاءالله و لا يوجد في الدين المسيحي؟” على الرغم من أن الوظيفة الكبيرة لرسالة حضرة بهاءالله هى في حل تعقيدات الكتب السماوية، و تيسير إزالة الخلافات بين الأمم و إنشاء الوحدة والإنسجام بين أجزاء العالم البشري لهو دليل كاف على عظمة و سعة الدين البهائي، ومع ذلك سننظر الآن الفروض و الأوامر لهذا الدين وشرح فضائلها الخاصة وفوائدها و نتائجها الجيدة.

 

أولاً- الإمتناع عن الإعتماد على النقل الشفهي (الأحاديث):

إن الأمر الذى هو سمة يتفرد بها الدين البهائي ولا يوجد في دين آخر هو “الإمتناع عن الإعتماد على النقل الشفهي” . وكما هو معروف لأهل المعرفة أن الحديث الشفهى كان هو الذى قسّم اليهود إلى طائفتين كبيرتين. و أن مثل هذه الأسانيد النقلية كانت أساس كتاب التلمود الذى تسبب في تقسيم هذه الأمة الواحدة. واحدة من هذين الشقين  يطلق عليها طائفة الحاخاميين  Rabbinim و هى تنظر الى تعاليم التلمود بأنه هوالقانون (الشريعة) الذي يحتاج إلى أن يُتبع وتعتبره أعظم الوسائل لحفظ وبقاء الشعب الاسرائيلى. ولكن الطائفة الأخرى، القرائيين Gharraim، تنظر الى التلمود كبدعة مطلقة تؤدي إلى الهلاك. وبالتالي لا يمكن لهاتين الطائفتين ربما أن تكونا فى وفاق أو التوقف عن المعارضة المتبادلة**.

وبالمثل في الدين المسيحي كان السبب الرئيسي للشقاق والفرقة هذه الأحاديث الشفهية التي أعتبرت بأنها “رسمية” موثوقة كأمر ملزم. و كل واحدة من الكنائس المسيحية مثل الكاثوليكية، الأرثوذكسية، اليعقوبية، والنسطورية و الآخرين ترى أنه من الواجب و الفرض إتباع هذه الأحاديث الموروثة والصادرة عن آباء الكنيسة مثلها مثل ما جاء في نصوص الكتاب المقدس.

و هكذا عندما تكون مسألة توحيد الشعب المسيحي في أي من المجالس الكبيرة هى محل نظر، فإنهم كانوا يرهنون أنفسهم لهذه الأحاديث الموروثة و التي كانت ضد الإتحاد والإنسجام. وبالمثل في دين الإسلام، و بدعوى هذه الأحاديث الشفهية التي كانت تنسب الى مؤسس ذلك الدين، مباشرة  بعد وفاته، كانت هى السبب في الإنقسام وإنفصال مختلف الطوائف الرئيسية مثل السنة، والشيعة، والخوارج، أو في المدارس الثانوية من الحنفية، المالكية، الشافعية، و الحنبلية، الخ.

فتمسك كل منهم بمجموعة من الأحاديث و أعتبروها النصوص الأصيلة الموثوق بها لطائفتهم.

إلا أن حضرة بهاءالله أغلق أمام شعوب العالم هذا الباب الذي هو أكبر مورد للفتنة، فقد أعلن بجلاء أن “في دين الله كل الأمور المدونة مرجعها إلى الكتاب و أن جميع الأمور غير المدونة تعتمد على قرار بيت العدل الأعظم”. و بذلك  فإن جميع الروايات و الحكايات و الأحاديث الشفهية فقدت مصداقيتها بين الجماهير البهائية و أن باب الشقاق الذي هو الأعظم من بين أبواب الجحيم، قد أغلق و تم سده.

 

ثانياً- القانون الذي يحظر تفسير كلام الله:

 

إن واحداً من الفروض و الأوامر التي يتميز بها الدين البهائي هو القانون الذي يحظر تفسير كلام الله. لأن تفسير الكلمات و إضفاء الرأي الشخصي كان واحداً من أعظم وسائل الخلاف في الأديان السابقة وسبب ظلمة أفق الإيمان وإخفاء المعنى الحقيقي لكتاب الله.

إنها حقيقة بينة أن أهل العلم يختلفون في آرائهم، و أن المواهب الفطرية من حصافة وذكاء أو عدم وجود الفهم والإستيعاب تختلف في درجاتها فيما بينهم. وبالتالي فإذا ما فُتح باب التفسير وتحريف الكلمات من معناها الظاهرى فإنه سوف تنتج آراء غريبة وتفسيرات متناقضة غريبة الأطوار، و تؤدي لقيام طوائف مختلفة تنشأ من بين شعب واحد ومجتمع دينى واحد.

وبناء على ذلك فإن حضرة بهاءالله قد أمر أتباعه صراحة بالتخلي كليا عن باب التفسير واتباع الكلمات المنزّلة في الألواح وفقا لمعناها الظاهرى، بحيث ينبغي أن الأحداث التي إنتشرت بين الأمم الماضية لا تتكرر بين البهائيين، والأحداث غير المرغوب فيها التي ظهرت بين الطوائف المختلفة بسبب إختلاف في الذهنية ووجهة النظر يجب أن لا تصبح ظاهرة فى هذا اليوم الجديد الميمون، والذي هو يوم الرب المجيد.

وبالتالي واحداً من الأوامر الصريحة فى هذا الظهور العظيم هو الأمر الذى يلغى الخلافات التى تفرق بين الناس. و ذلك لأن واحدة من المناسبات التى يحدث فيها الشقاق هو إختلاف العلماء فيما يتعلق بمقام  مظهر الأمر الإلهى (الرسول). ففي الأديان السابقة كما شهد التاريخ بذلك، كان من الواضح أنه عندما تكون المسألة من هذا النوع ينشأ خلاف بين إثنين من فقهاء الدين، و كان كلا الطرفين صلب في وجهات نظره و يتمسك بعناد بناحيته، بينما العوام وفقا لأعرافهم يلتزم بعضهم جانباً وبعضهم مع الجانب الآخر.  و هكذا يتم إغلاق الأبواب أمام الإتفاق والوحدة لدرجة أنه تم تبديل الأخوة الدينية لعداوة عميقة ومريرة، و الخلاف العلمى ينتهي الى صراع دموي وحرب. ويتضح ذلك من الخلافات التي نشأت بين آريوس الكاهن و الكسندر أسقف القسطنطينية فيما يتعلق بالثالوث في القرن الرابع الميلادي. وأيضا الإختلافات النسطورية التي وقعت في القرن الخامس بين نسطور أسقف القسطنطينية وغيره من الأساقفه الآخرين، وهو ما تسبب فى حروب رهيبة وسفك دم غالى. وقد استمر تأثير هذه الخلافات الحزينة حتى يومنا هذا. هذه هي براهين وأدلة واضحة عن النقطة تحت النقاش.

الوقت لا يسمح لنا لذكر الطوائف و الفصائل العديدة من الغنوصيين وغيرها، والتي أحصاها المؤرخون فى الكنيسة الى أكثر من ثلاثين طائفة وأُدرجت تحت مصطلح “مولود من  الفلسفة”Born of philosophy . و جميع الباحثين طالبى الروايات الكاملة نحيلهم لمراجعة حجية الكتب حول هذا الموضوع من أجل الإدراك بوضوح أن كل هذه الانقسامات والطوائف جاءت من الخلافات بين العلماء فيما يخص منزلة  ومقام حضرة المسيح (ع)، وإصرارهم على آرائهم.

 

ثالثاً- الأمر الذى يلغى إختلاف العلماء فيما يتعلق بمقام مظهر الأمر الإلهى (الرسول):

 

كان موضوع عدم إتفاق الفقهاء بخصوص منزلة مظهر أمر الله واحداً من تلك المسائل العويصة و الصعبة الحل والتي ثبت بأنها فوق قدرة العقول العظيمة و حيّرت مَلِكاً قديراً هو قسطنطين الكبير. وعلى الرغم من مساعدة وتعاون الأساقفة الكبار في الشرق والغرب فإنه لم يتمكن من التوفيق بين مختلف الأطراف فى هذا الجدل الآريانىArian controversy .

كلا، فخلال هذا الوقت الطويل لا قوة المجالس المحلية و لا سيف القوى الأوروبية و لا فتاوى مجالس التحقيق، جميعها فشلت فى إزالة الإنقسامات والإنشقاقات التى نجمت عن المناقشات الميتافيزيقية الغيبية. ولكن تم الإعلان عن إزالة هذه العقدة التي لا تنفك والمرض العضال بأسهل الوسائل في االكتابات البهائية المقدسة لأن حضرة بهاءالله في واحد من ألواحه المقدسة صرح بوضوح ما يلي: “وبما أن الناس يختلفون فيما بينهم فى درجة المعرفة، فإذا ما وُجد شخصين يمتلكان وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بدرجة و منزلة مظهر من مظاهر الله فكلاهما مقبول عند الله، و هذا يتفق مع الآية المباركة: ” لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا …” (البقرة: 286).*** لقد خلق الله البشر مختلفين فى إدراكهم ومتنوعين في أخلاقهم. ولكن إذا ما دخل اولئك الذين لهما  رأيين مختلفين في صراع ونزاع عند إبداء آرائهما فكلاهما مرفوض. لأن معرفة مظهر أمر الله قُصد منه توحيد القلوب وفلاحة النفوس و تبليغ الحقيقة الإلهية، في حين أن الصراع والنزاع بين شخصين ذوى وجهتى نظر مختلفتين تضر بأمر الله. و عاقبة  كل منهما النار.” (ترجمة تقريبية).  و هذا هو مضمون اللوح المبارك باختصار.[i] ووفقا لذلك في هذا الأمر المقدس لا أحد لديه القدرة على خلق عدم الوفاق، وبسبب الخوف من السقوط فى التخاصم لا أحد يجرؤ على التمادي في رأيه على حساب الإنسجام.

 

رابعاً- قانون تحريم الرق:

 

من بين القوانين المميزة المنصوص عليها بشكل واضح في أمر بهاءالله هو قانون “حظر الرق”.[ii]  و لم يرد ذكر لذلك في الأديان الأخرى. كما لم يُحرِّم أي من الكتب السماوية السابقة هذه التجارة، و أن كل الأحاسيس الإنسانية التي دفعت الدول العظمى لإلغائها وتدميرها ما تمكنت أن تمنع عامة الناس من هذه الممارسة البغيضة، و التي كلفت الحكومات و الدول متاعب و نفقات كبيرة. فعلى سبيل المثال، تحرير العبيد يشكل إحدى المسئوليات الهامة للحكومة المصرية وهذا يتطلب إستنزافاً حاداً لخزينة الدولة. وعلاوة على ذلك، فإن محاكمة وإدانة المذنبين فى هذه التجارة الشائنة يجلب البلاء و في كثير من الأحيان الخراب على العديد من الأسر المشهورة.

 

خامسا- القانون الذى يجعل من العمل فرضاً:

 

من بين القوانين الخاصة بهذا الأمر العظيم هو القانون الذى يجعل من العمل فرضاً: “قَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمُ الاشْتِغَالُ بِأَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ مِنَ الصَّنَائِعِ وَالاقْتِرَافِ وَأَمْثَالِهَا. وجعلنا اشتغالكم بها نفس العبادة لله الحقّ.”[iii] و بأخذ المرء صاحب البصيرة بعين الإعتبار لهذا الأمر المتين، فإنه يؤكد على تلك الفائدة الكبيرة التى تسهم فى إتجاه تنظيم شؤون المدنية وإزالة العوائق والمصائب عن المجتمع البشري. لأنه من الواضح كيف يمكن في هذا اليوم عدد لا يحصى من النفوس تسمى الرهبان والسواح، النساك، و النصراء الدينيين، و كبار الشخصيات وغيرها، على الرغم من أنهم سليمى الجسد والأطراف يمتنعون من إمتهان حرفة  أو تجارة، ويمضون الوقت في الكسل والتسيب و يعيشون على عائدات مجهود الناس الآخرين. في الواقع مثل هؤلاء الرجال كالأطراف الضامرة فى جسد البشرية وعبئا ثقيلا على أصحاب الصناعة والزراعة. و عندما بالقانون الدينى أن هذه النفوس التي لا حصر لها تتخلي عن الكسل والإنخراط في مهن مفيدة، يمكن للمرء أن يدرك جيدا الى أى مدى أن هذا سيساهم في الثروة العامة وإزالة الصعوبات التي تواجه الهيئة السياسية.

 

سادسا- القانون الذى جعل التعليم للأطفال من الجنسين أمراً إلزامياً:

 

القانون الذى جعل التعليم للأطفال من الجنسين أمراً إلزاميا.[iv] هذا القانون هو أيضاً واحد من الأوامر المُنزّلة البيّنة بشكل واضح في هذا الأمر البهائى الأعظم، و هى شأن لم يشار إليه في أي من الأديان الأخرى. و ذلك لأن في الأديان الأخرى تُرك تعليم الجماهير معتمداً على قانون الحكومة. فإذا كان في الأزمنة السابقة أن الحكومة كانت سوف تفشل في إصدار مرسوم ينص على التعليم الإلزامي، و أن هذا الفشل سيؤدي الى الإنحطاط في التعليم والمعرفة، فالأمة لن تنشغل بالأمر، ولا الناس سوف يعتبرون أنفسهم والحكومة مسؤولون عن ذلك. لأنه لا يوجد قانون يتعلق بهذا الموضوع قد أُنزل في الكتب السماوية. ولكن عندما يكون القانون منصوص عليه في الكتاب السماوى للأمة فإن كل عضو فرد سوف يعتبر نفسه مُلزما بتنفيذه ولا أحد سوف يقصّر في الإستجابة لهذا القانون، لأنهم لن يعتمدوا على الحكومة فى تنفيذه.

 

سابعاً- الأمر الذى يحظر الشتم و اللعن وجعله فريضة و على الكل الإمتناع عن النطق الذى قد يسئ الانسان:

 

الأمر الذى يحظر الشتم و اللعن وجعله فريضة و على الكل الإمتناع عن النطق الذى قد يسئ الإنسان.[v] لأجل، و كما هو واضح في العلوم الأخلاقية أن الشتم والسب والتحدث بكلمات قاسية وعبارات التهجم هو واحد من أعظم الأسباب التى تعمل على تنفير القلوب وملء العقول بالحقد وخلق الكراهية والعداء بين الناس، وإشعال نار الحرب المفجعة بين البشر. و بالتالى يقول الحكماء: “لا ريب، فالحرب أولها كلام”؛ و الشاعر فردوسى قال: “مجرد كلمة هى سبب الحرب”. و آية أخرى توضح هذه النقطة في هذا السياق هى “الجرح الذى يلحقه اللسان هو أعمق من الذى يسببه حد السيف”. (ترجمة تقريبية) [ورد فى كتاب الإيقان ما يقرب من هذه النقطة: “لأنّ اللّسان نار خامدة وكثرة البيان سمّ قاتل. فالنّار الظّاهرة تحرق الأجساد، ونار اللّسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النّار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النّار يبقى قرنًا من الزّمان” (بهاءالله) – المترجم]

لو للمرء أن يتأمل فى الخلافات والإنشقاقات التى ذكرناها سابقاً والتي نشأت بين الشعوب المسيحية، وخلقت مختلف الطوائف والمدارس، مثل الآريين، النساطرة، الغنوصيين، وآخرين، و أججت نارها ساحات القتال الرهيبة والكوارث العنيفة، فإنه يجد بوضوح من شهادة التاريخ الصحيح أن السبب الرئيسي والأول لمثل هذه الإنقسامات والكوارث كان الإختلاف في الرأي بين إثنين من العلماء الدينيين، و التي من شأنها أن تؤدي إلى حوار و جدل. فمن أجل التغلب على خصمه وإظهار صحة وجهة نظره الخاصة، أو بسبب الاعتقاد أن رأيه هو الصحيح، و هكذا يصر كل على موقفه حيث سيؤدي ذلك في النهاية إلى قسوة أحدهم تجاه الآخر. و هذه القسوة من شأنها أن تؤدي تدريجيا إلى دس التلميحات والبيانات المزعجة و مع الوقت تتفاقم الى سب و لعن و عراك و حتى الى سفك الدماء. الآن فالنتائج الضارة لهذه المعارك الدينية وتأثيرها الشرير على المجتمع البشري لا يحتاج إلى ذكره هنا. لأن المصائب التى نجمت عن هذه الخلافات خلال العصور الماضية مدونة في الكتب التاريخية لكل أمة، و أن المصاعب و التى إستمرت الى زماننا كنتيجة مؤلمة من تلك الخلافات فإنها بينة لأولي الألباب.

ربما يجوز لأحد أن يقدم إعتراضاً قائلا ان الأوامر التي تحظر اللعن و الشجب توجد في الكتب السماوية الأخرى، كما على سبيل المثال فإن وصايا السيد المسيح (ع)، والمعروفة باسم الموعظة على الجبل، حيث يصرح بكل وضوح “وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ.”[vi] و جاء في القرآن: “وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ”.[vii] فالجواب على هذا الإعتراض هو واضح لأولئك من أهل البصيرة، لمثل هذه الأوامر و النواهى تعتبر كأوامر تربوية في تقدير أهل العلم وليست من القوانين والتشريعات الدينية. و بالنظر في هذه الوصية من من خلال موعظة الجبل، حيث يقول: ” إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ”. و مرة أخرى ويقول: “لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ “. ومرة أخرى: “فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ”. و أيضا: “مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”، و “وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا”. ثم ويقول لاحقاً: ” مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.”[viii]

فمن الواضح تماما أن أهل العلم و الفقهاء فى الديانات المسيحية والمحمدية لم يعتبروا هذه الأوامر كأوامر حتمية بصيغة الأمر. فأهل العقل من هم ضليعون في القانون وفقه التشريع لم يعتبروا أولئك الذين عصوا هذه القوانين بأنهم يستحقون العقاب و المحاكمة. كلا، كما سبق ذكره، فقد إعتبروها و بالإجماع قوانين تربوية. وعلاوة على ذلك بعض من تلك القوانين و التى هي من هذا القبيل لم يعتبر الفقهاء أولئك الذين تجاهلوها بالمخالفين أو إغترفوا إثماً أمام الله. على سبيل المثال، ” مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”، “مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ”، و ” وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ”. فالبيان أعلاه يظهر بوضوح لماذا لم تُعتبر هذه الأوامر و الوصايا من قبل قادة الشعوب المسيحية كحتمية و أنها فرض ولماذا لم يتمكنوا من إزالة الشتم واللعن من بين المجتمع.

ولكن في الدين البهائي الأوامر التي تحظر اللعن و السب والشتائم والتجديف هى قوانين أنزلت كفرض وإلزامية. وقد بُينت المسئولية المترتبة على المخالفين لهذه القوانين في ألواح مختلفة. وقد صدرت أوامر مؤكدة فيما يتعلق بنقاء القلم واللسان، و تحريم الكتابة أو الحديث فى مثل تلك التي من شأنها الإساءة إلى البشر. على سبيل المثال، على الرغم من أنه فى ألواح مختلفة مثل “الإشراقات” وغيرها، فالقانون الذي يحظر اللعن و السب نُص عليه صراحة، ومع ذلك حضرة بهاءالله خلال أيامه الأخيرة، في “كتاب عهدى” المبارك دعم و أكد على القانون أعلاه من خلال مخاطبته شعوب العالم بالأمر التالي:

“يَا أَهْلَ الْعَالَمِ أُوصِيكُمْ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى ارْتِفَاعِ مَقَامَاتِكُمْ. تَمَسَّكُوا بِتَقْوَى اللهِ، وَتَشَبَّثُوا بِذَيْلِ الْمَعْرُوفِ. أَلْحَقُّ أَقُولُ إِنَّ اللِّسَانَ قَدْ خُلِقَ لِذِكْرِ الْخَيْرِ فَلاَ تُدَنِّسُوهُ بِالْقَوْلِ السَّيِّئِ. عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ. وَيَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ بَعْدَ الآنِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِمَا يَنْبَغِي، وَأَنْ يَجْتَنِبُوا اللَّعْنَ وَالطَّعْنَ وَمَا يَتَكَدَّرُ بِهِ الإِنْسَانُ فَإِنَّ مَقَامَ الإِنْسَانِ لَعَظِيمٌ وَمُنْذُ مُدَّةٍ ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا مِنْ مَخْزَنِ الْقَلَمِ الأَبْهَى. إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمٌ عَظِيمٌ وَمُبَارَكٌ وَكُلُّ مَا كَانَ مسْتُورَاً فِي الإِنْسَانِ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ وَسَيْظَهَرُ مِنْ بَعْدُ. إِنَّ مَقَامَ الإِنْسَانِ عَظِيمٌ إِذَا تَمَسَّكَ بِالْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَثَبَتَ عَلَى الأَمْرِ وَرَسَخَ.”[ix]

كل نفس لبيبة تتفكر فى هذا الحديث: “الحق، عفا الله عما سلف، و يجب على الجميع بعد الآن ان يتكلموا بما ينبغى “، “و أن يجتنبوا اللعن و الطعن،  و ما يتكدر به الانسان”، سوف ترى بوضوح مدى تأكد الأمر الذى صدر مُصدقاً على حظر و تحريم الشتم و اللعن. لأنه وفقا للقانون السارى بين أهل العلم فإن فحوى هذا الحديث المبارك فهو تحريم صريح بشأن الشتم و اللعن.

فالغاية المقصودة من ذلك هو أنه موقف لا يغتفر من شخص يخالف هذا الأمر العظيم و النهى الحاسم المبارك.

و في هذه الحالة، فإن الأمر جلى لأهل البصيرة، واضح وراسخ بأن المنع فيما يتعلق باللعن و الشتم هو أمر أُختص به و هو واحد من الوصايا المميزة لهذا الظهور العظيم. وهكذا من فضل الله الأعلى، من آثار القلم الأعلى، فهذا العمل غير اللائق و المحن الناجمة عنه ربما تختفي من بين شعوب العالم و أن البشارات التى وردت في الآية الثالثة من السفر الثانى و العشرون من رؤيا يوحنا اللاهوتى المتعلقة بأحداث يوم الظهور وهي: “وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ”،[x] سوف تتحقق.

 

ثامنا- منع حمل السلاح إلا في وقت الضرورة:

 

بالنسبة إلى حمل السلاح إلا في وقت الضرورة. ليس أن هذا الأمر لا يوجد في الأديان الأخرى فحسب، ولكن في الدين البهائي فإنه يعتبر أحد الفروض الحتمية والضرورية. “حرّم عليكم حمل آلات الحرب الاّ حين الضّرورة …”.[xi]  و الفائدة الكبيرة من هذا القانون هى الأكثر وضوحا و جلاء. كم من النفوس التى لا تستطيع السيطرة على غضبها المفرط قد مُنحت فرصة التنفيس عنه باستخدام الأسلحة الجاهزة في متناول اليد؟ إذا لم يكن القاتل مسلحاً، فغالبا  بعد ساعة واحدة من غضبه لكان العنف الصادر منه أن يهدأ ولا أي جريمة تكون قد وقعت. و هذا هو الشر الأقل الناتج من حمل الأسلحة. و هناك شرور أكبر أخرى تتضح باستمرار مع الناس الذين يحملون الأسلحة و التي هي منتجة للثورات العارمة والخسائر المفرطة للحكومة والأمم. التفصيل فى هذا لا يتفق مع الإيجاز و قد يؤدي بنا الى الإطالة، مع ذلك فآلام الأمم ومحن الشعوب جلية لأهل الإدراك.

 

تاسعا- ضرورة إنشاء بيت العدل ومؤسسات المحافل  المركزية والحكومات الدستورية:

 

ضرورة إنشاء بيت العدل ومؤسسات المحافل  المركزية [أى البرلمانات] والحكومات الدستورية.[xii] و هذا الأمر مختص أيضا بهذا الدين البيّن ولم يرد ذكره في غيره. لأجل أنه تحت ظل الديانات الأخرى فمن الممكن إعادة و تأسيس الحكومات الإستبدادية، لأن حب الإستدامة و التوطيد و الإطالة للأوامر الدينية والخوف من الذهاب فى إتجاه معاكس لها متجذر بعمق في النفوس البشرية، فبسبب الخوف من الله فإنها لا تزول في ألف سنة ولن تبطل إلا من خلال تجديد الدين وإصلاح القوانين.

 

[i]  اللوح من حضرة بهاءالله الى جمال البروجردى، انظر كتاب الظهور4، الفصل: 9.

[ii]  انظر الكتاب الأقدس، الفقرة: 72.

[iii]  بهاءالله، مجموعة ألواح حضرة بهاء الله (نُزِّلت بعد الكتاب الأقدس)، البشارات، البشارة: 12.

[iv]  بهاءالله، مجموعة ألواح حضرة بهاءالله (نزلت بعد الكتاب الأقدس)، الإشراقات، الإشراق: 7.

[v]  بهاءالله، مجموعة ألواح حضرة بهاء الله (نُزِّلت بعد الكتاب الأقدس)، البشارات، البشارة: 13.

[vi]  متى، 22:5.

[vii]  القرآن، 6: 108.

[viii]  متى، 5: 22 – 42؛ متى، 6: 19، 34.

[ix]  بهاءالله، مجموعة من ألواح حضرة بهاءالله (نزلت بعد كتاب الأقدس)، كتاب عهدى.

[x]  رؤيا، 22: 3.

[xi]  بهاءالله، الكتاب الأقدس، فقرة: 159.

[xii]  أنظر ألواح حضرة بهاءالله، مذكورة أعلاه.

اليكم ماكتب حضرة عبد البهاء عن هذه الشخصية الفريدة :

“Pure souls, such as Mirza Abu’l-Fadl, upon him be the Glory of God, spend their nights and days in demonstrating the truth of the Revelation, by adducing conclusive and brilliant proofs and expanding the verities of the Faith, by lifting the veils, promoting the religion of God and spreading His fragrances.”
(‘Abdu’l-Baha, from a Tablet to an individual believer; the Compilation of Compilations vol II, p. 409)

الأوسمة: , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: