كل مصرى هو كل المصريين!- دفاعا عن حقوق المصريين البهائيين


نشر هذا المقال فى المصرى اليوم 4- 10-2013 م  للاستاذ الكاتب الكبير عبد المعطى حجازى  – مقال محترم اشكرك عليه  استاذ نا الكبير

لا أعرف سبباً واحداً من الأسباب التى تفرض علينا، ونحن نتحدث عن عقائد المصريين وطوائفهم الدينية، وعن القوانين التى تنظم حياة كل طائفة وتحدد علاقتها بغيرها وعلاقتها بالدولة ومؤسساتها لا أعرف سبباً من الأسباب التى تفرض علينا أن نتجاهل وجود البهائيين المصريين، وأن نلزم الصمت إزاءهم كأنهم شعب آخر لا تربطنا به صلة، كما فعلنا أو بعبارة أدق كما فعل الإخوان وحلفاؤهم فى الدستور الفاشى الذى أصدروه فى العام الماضى وتحدثوا فى مادته الثالثة عن غير المسلمين وحقهم فى الرجوع إلى شرائعهم وتنظيم أحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية على أساسها، فذكروا المسيحين واليهود، ولم يشيروا بكلمة واحدة لغيرهم مع علمهم بأن فى مصر طائفة أخرى على الأقل كانت قضيتها فى السنوات الأخيرة معروضة فى المحاكم وكانت حقوقها المهضومة موضوعاً للمهتمين بحقوق الإنسان والمواطنين والمتحدثين فيها وهى الطائفة البهائية.

وقد أثيرت هذه المسألة من جديد هذه الأيام ولاتزال مثارة داخل لجنة الدستور التى اقترح بعض أعضائها ولهم كل الحق تعديل المادة التى تتحدث عن حق المسيحيين واليهود فى الرجوع إلى شرائعهم ليصبح هذا الحق لغير المسلمين عامة سواء أكانوا مسيحيين ويهود أو كانوا غير هؤلاء وهؤلاء. لكن أعضاء آخرين فى اللجنة يمثلون بعض الأحزاب والمؤسسات الدينية رفضوا التعديل المقترح، لأنهم يرون أن هذا الحق يجب أن يكون قاصراً على أتباع الديانات السماوية دون غيرهم، وهذا ما لم أستطع فهمه ولم أجد له ما يبرره، لأن الدساتير لا تكتب لتفاضل بين العقائد الدينية أو لتعبر عن رأى طائفة فى بقية الطوائف أو لتعلى بعضها على بعض، وإنما تكتب الدساتير لتعترف بما هو موجود بالفعل فى هذا المجتمع أو غيره ولتعطى كل ذى حق حقه. فإذا كانت لدينا طوائف دينية مختلفة فمن حقها جميعاً أن تمارس شعائرها بحرية طالما التزمت فى ذلك ما يلتزمه الجميع فى أدائهم لشعائرهم الدينية سواء فى ذلك المنتمون لدين الأغلبية أو لديانات الأقلية.

هذا مبدأ مقرر فى كل دساتير العالم وفى دساتيرنا نحن أيضاً، ليس فى مادة واحدة، بل فى مواد متعددة.

دستور ١٩٢٣ ينص فى مادته الثالثة على أن «المصريين أمام القانون سواء ولا تمييز بينهم بسبب الأصل أو اللغة أو الدين»، ويعود فى مادته الثانية عشرة فيقول «حرية الاعتقاد مطلقة» ويواصل فى المادة الثالثة عشرة فيؤكد التزام الدولة بحماية هذه الحرية قائلاً «تحمى الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافى الآداب»، وقد تكررت هذه المواد بنصوصها فى دستور ١٩٣٠ الذى أصدره إسماعيل صدقى، وفى دستور ١٩٥٤، وفى دستور ١٩٥٦، ودستور ١٩٥٨، وفى دستور ١٩٦٤، وحتى فى دستور ١٩٧١ وما أدخل عليه من تعديلات لم تغير شيئاً فى النص على حرية الاعتقاد وعدم التمييز بين الطوائف الدينية.

وأنا أعلم، ونحن جميعاً نعلم، أن هذه النصوص الدستورية الواضحة لم تكن دائماً محترمة، وإنها كانت تنتهك فى أحيان كثيرة، ليس فقط من جانب المتعصبين والمتطرفين والغوغاء، بل أيضاً من جانب السلطات التى كانت تغض الطرف عما يفعله هؤلاء وكانت تستخدمهم أحياناً وتشجعهم وكانت تميز هى نفسها بين المسلم وغير المسلم بصور كثيرة يعرفها الجميع فلست مضطراً لضرب الأمثلة لأنها ماثلة مخزية. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الخروج على نص دستورى ينفى التمييز ويحترم حرية الاعتقاد وبين تغيير هذا النص علناً وأمام الجميع وتحويل التمييز إلى مبدأ معمول به ووضع حدود لحرية الاعتقاد وشروط تنفيها وتحصر المسموح به فى ديانات بالذات لا يحق لمصرى أن يتجاوزها أو ينتمى لغيرها!

نص غير أخلاقى من ناحية، لأنه يتعارض مع حقوق الإنسان الطبيعية وفى مقدمتها الحرية، وغير عملى من ناحية أخرى، لأن العقائد الدينية كلها وما يدخلها ويضاف إليها من تفسيرات واجتهادات ومذاهب تراث إنسانى متاح للجميع، يخاطب قلوبهم وعواطفهم وميولهم وأحلامهم أكثر مما يخاطب فيهم أى طاقة أو ملكة أخرى.

الدين يخاطب أفئدتنا أكثر مما يخاطب عقولنا لأننا فى الدين نطلب الإيمان أكثر مما نطلب الاقتناع، ونبحث عن إجابات لأسئلة تتعلق بما لا نراه ولا نعلمه. فإن اطمأنت قلوبنا لهذه الإجابات لأنها لمست فينا بمعانيها ولغتها ما نحبه ونحتاج إليه استسلمنا لها وآمنا وحولناها إلى واقع نعيشه وحياة نحياها، فلا يستطيع نص دستورى أو قانونى أن يعترض طريقنا أو يغير وجهتنا. وهذا هو الفرق بين العقيدة التى يختارها كل فرد بكامل حرية والقانون الذى نلتزمه جميعاً ونمتثل له.

القانون لا يخاطب قلوبنا، بل يخاطب حواسنا وحاجاتنا العملية، ويخيرنا بين الصواب والخطأ وبين النافع والضار، وبين المكافأة والعقوبة، ولهذا نستطيع أن نضع فى الدستور حداً نلتزمه بين النظام والفوضى وبين ما يحفظ الأمن وما يهدده. لكننا لا نستطيع أن نضع حداً فاصلاً يلتزمه الجميع بين ما يطمئنون إليه فى العقيدة الدينية وما لا يطمئنون إليه. وقد جرب البشر فى العصور الماضية أن ينحازوا لدين أو مذهب بالذات ويتعصبوا له ضد بقية الأديان والمذاهب وأن يدخلوا فى ذلك حروباً لم يثبت فيها أن ديناً أفضل من دين آخر حتى دين المنتصرين لأن القوة لا تستطيع أن تفصل فى هذه القضية، فالقوة ليست دائماً على حق والحق ربما كان أعزل مجرداً من السلاح.

وقد جاء الإسلام ليعترف للبشر بحقهم المطلق فى اختيار عقائدهم بكامل حريتهم «من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر». والذين لا يعترفون فى الدستور إلا بأصحاب الديانات السماوية ويزعمون أنهم بموقفهم هذا يعبرون عن الإسلام ويدافعون عنه يكذبون على الإسلام وينسبون له ما ليس فيه، فالقرآن يتحدث بكثير من التسامح عن ديانات غير سماوية ويعترف لأصحابها بكل ما لأصحاب الديانات السماوية الثلاث من حقوق، بل هو يعترف بهذه الحقوق حتى للمشركين ويجعل الفصل بينهم وبين غيرهم لله وحده يوم القيامة وليس فى هذه الدنيا كما نرى فى قوله تعالى فى سورة «الحج»: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا. إن الله يفصل بينهم يوم القيامة. إن الله على كل شىء شهيد». والقرآن يضع الصابئين ضمن المؤمنين بالله واليوم الآخر، وذلك فى سورة «البقرة» فى قوله تعالى «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عندربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

الإسلام متسامح، والذين يحتكرون الحديث باسمه متعصبون غير متسامحين، فإذا صدقنا هؤلاء أو تركناهم يكتبون الدستور كما يشاؤون فكيف نتعامل مع البهائيين فى مصر؟ وكيف يتعامل الإيرانيون مع المجوس فى إيران؟ وكيف يتعامل السوريون واللبنانيون مع العلويين والدروز فى سوريا ولبنان؟ وإذا كانت الوحدة العربية مطلباً من مطالبنا كما جاء فى الدستور كيف نعيش مع أصحاب هذه الديانات والمذاهب فى كيان سياسى واحد؟ ألاّ يكون الدستور بهذه المواد المختلفة مليئاً بالتناقضات؟

وما الذى نعرفه عن البهائيين، أو بلأحرى ما الذى نأخذه عليهم؟

لقد نظرت فى بعض الموسوعات العربية فوجدت أن البهائية مذهب دينى أسسه رجل يسمى بهاء الله متأثراً بالشيعة- والصوفية وبمذاهب أخرى، وفيه أن الله يعرف نفسه للإنسان بواسطة الأنبياء الذين يظهرون على مر العصور والأجيال، إبراهيم، وموسى، وداوود، وعيسى، ومحمد، والباب، وبهاء الله، والبهائيون يعتقدون إذن بوحدة الأديان وبتربية تقوى فى الإنسان ما هو مشترك بين البشر، وبالسلام فى الأرض، وبالمساواة بين الرجل والمرأة، وبضرورة العمل من أجل الوصول للغة عالمية ويؤكدون على بساطة العيش وتقديم العون للمعذبين. بأى منطق إذن نتجاهل أصحاب هذه العقيدة ونتعصب ضدهم ونحرمهم من حقوقهم الطبيعية وحقوقهم الدستورية؟ التى كانوا يتمتعون بها قبل أن يصبح الدين تجارة؟

والكثيرون لا يعرفون أن البهائية دخلت مصر فى أواسط القرن التاسع عشر، وأنها كانت حتى ستينيات القرن الماضى عقيدة معترفاً بها، وأن البهائيين لهم معبد فى القاهرة يمارسون فيه شعائرهم، وأن الدولة كانت ترسل إليهم من يشاركهم الاحتفال بأعيادهم الدينية لكن المتاجرين بالدين قرروا أن يخرجوا البهائية من قائمة الديانات المسموح باعتناقها فى مصر.

إن الذى يحرم البهائى من حقه يحرم كل المصريين من حقوقهم لأن كل مصرى هو كل المصريين!

الأوسمة: , , , ,

رد واحد to “كل مصرى هو كل المصريين!- دفاعا عن حقوق المصريين البهائيين”

  1. مؤيد Says:

    مبروك لمصر شاعرها وأديبها ومفكرها احمد عبدالممعطي حجازي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: