«بيكار».. رسام على نوتة موسيقية (بروفايل)


نشر فى المصرى اليوم 4 ابريل 2013  هذا المقال للصحفى اسلام عبد الوهاب

bikar

كان يظن أنه حر، وأن العقيدة جزء من هذه الحرية، ولم يختبئ، وكان صادقا، لكن هذه ليست إحدى لوحاته يرسم فيها ما يشاء، ويصفق له المجتمع الذي يلفظ من لا يسير على هواه، حتى وإن كان هذا الشخص هو حسين أمين إبراهيم بيكار.القلم الرصاص في يد أمه، وهي من أصل تركي، ورسمة الوردة البسيطة التي سرعان ما تحولها إلى مفرش، كان حلم «بيكار» الذي ولد في 2 يناير عام 1913 بالإسكندرية، وأما العود القابع في البيت دون صاحب فكان ساقي هذا الحلم.

«بيكار» يعزف على العود دون معلم، الجميع يستمع، السن 8 سنوات، جارة قريبة تطلب منه أن يعلمها مقابل ريال في الشهر، أول علبة ألوان زيت اشتراها كانت من أول ريال من دروس العود.
طريقان يسير فيهما «بيكار» دون خوف أو جلل، يتخرج في مدرسة الفنون الجميلة العليا، ويكون مع زملائه فرقة موسيقية، يتعرف على أحمد صبري ويتعلم منه البورتريه، وأغانيه تذاع على الردايو، يعمل معيداً في «الفنون الجميلة»، ويقف على المسرح بجوار الشيخ زكريا أحمد وصالح عبدالحي.

رحلات طويلة خارج مصر قضاها «بيكار»، ترافقه الفرشة، كل ما يخطف عينيه هو لوحة زيتية، كل شخص يلتقيه له قصة يتسلل داخله يصبح «بورتريه»، كل حدث غريب هو عنوان جديد، كل شيء في الحياة يمكن تلخيصه في لوحة ملونة.

التقطه الأخوان علي ومصطفى أمين للعمل في «أخبار اليوم» رساماً صحفياً، وبدأ الرحلة في الأربعينيات، وبزغ في هذا المجال الجديد، مما دفع طه حسين لأن يطلب منه أن يرسم غلاف كتابه «الأيام»، وبهذا الغلاف يصبح «بيكار» أول رسام للأغلفة في مصر، بل إن شاعرا سوريا طلب منه أن يرسم غلافه ديوانه الأول، وافق بيكار، وكان الشاعر نزار قباني. أكمل بيكار رسم الأغلفة التى وصلت خلال حياته الـ89 عاما إلى ألف غلاف.

«الكتاب العجيب» انطلاقة «بيكار» نحو أدب الأطفال كتابة ورسما، ومن ثم إلى مجلة السندباد، التى كان يرسم غلافها، وشخصيتها الرئيسية «السندباد» وكان العام 1952، لذا لا عجب أن يرسم بيكار بعدها كتب القراءة الجديدة للصفوف الأربعة الأولى بالمرحلة الابتدائية.
«العجيبة الثامنة» التي رسمها في الستينيات هي الوثيقة الأهم لحفظ تراث معبد رمسيس الثاني، الذي تم نقله أثناء بناء السد العالي إلى أبوسمبل. صور المخرج الكندي «جون فيني» مراحل نقل المعبد إلى أعلى الجبل بارتفاع 40 متراً كفيلم تسجيلي، لكن نقصه مرحلة ما قبل النقل، وهنا تفرغ لمدة عامين، ليكمل الفيلم بـ80 لوحة يروى لنا فيها بداية بناء المعبد في مصر القديمة وحتى نقله.

الروح التي تسبح في فضاء الفن لا تكتفى بالرسم أحيانا ولا بالموسيقى أحيانا أخرى، كان ينقصها شيء، ووجد هذا الشيء حين كتب الشعر، وكان الشخص الذي دفعه إلى ذلك هو محمد حسنين هيكل.

حصل «بيكار» على وسام الاعتزاز من الحكومة المغربية عام ١٩٤١، إلى فن التصوير الزيتي في بينالي الإسكندرية عام ١٩٥٧، ثم وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ١٩٦٧، و«الدولة التقديرية» في الفنون، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام ١٩٨٠، وحتى إهماله لمدة 20 عاما قبل أن يُمنح جائزتا مبارك للفنون، وسوزان مبارك لأدب الطفل، وأخيرا تكريم مكتبة الإسكندرية عام ٢٠٠١. كان بيكار يسعد أكثر بتقدير الناس فى الشارع.

فى عام 1985 اعتنق «بيكار» البهائية، ظن أنه حر، وزُجّ به فى السجن. هذه حياته الشخصية، وهذا هو مجتمعنا، ولم يتراجع، أُفرج عنه، لكن ظل حتى وفاته عام 2002، بداخله جرح لم يشف أبداً.

الأوسمة: , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: