عشان شايلانة نفس الأرض


نشرت جرديدة المصرى اليوم فى عددها 3198 صفحة 17 بتاريخ 17-32013 فى صفحة الرأى

مقالة للدكتورة سمية رمضان تشرح فيه فكرة “الوحدة فى التنوع والتعدد”
 
 
 
 دعونا نتأمل واحدة من أروع الأغانى التى انتشرت فى الآونة الأخيرة الحافلة بالاختلاف، ونستشف منها ما يؤازرنا وسط كل ما يبدو أنه تداخل من صخب لا يشى بفرصة تضمن لنا فهم معانى الوحدة فى التعدد. تقول كلمات نصرالدين فرحات فى أغنية عُرضت، ويا للمفارقة، مصاحبة لإعلان تليفزيونى، ثم ما لبثت أن أكدت جمالها المتفرد لما حملت من حس بالحقيقة.. تقول الكلمات: «عشان لازم نكون مع بعض، عشان شايلانا نفس الأرض.. عشان بكره اللى مستنى ومش عايز يفرق حد».

عندما سمعتها وشاهدت الفيديو المصاحب لها أول مرة شعرت كأننى أتعرف على بلادى من أول وجديد. اعتدت أن أسمع وطنى «يسرد»، لكن أحداً لم يهتم «بتبيانه» من قبل. فمصر بلد متعدد الثقافات واللهجات والأعراق، لكنه فى السرد ينضوى تحت هيمنة صوت واحد لا يتفاعل مع غيره فلا ينتج «البوليفينية»، التى تنتجها الأوطان متعددة الثقافات الثرية فى اختلاف عاداتها وتقاليدها من واقع اختلاف بيئاتها الطبيعية، وبالتالى الحياتية التى كان كتاب الدراسات الاجتماعية ولايزال يقول إنها «مختلفة ومتباينة ومتكاملة» من خلال رؤية تحمل أجندة واضحة تشكك فى جمال الاختلاف، لأنها لا تعتمد «الإنصاف» والتمثيل الحقيقى، وبالتالى لا ترى فى التعددية سوى خطر مبين مهدد.

ولذا كبرنا نحاول الإمساك بذلك الشىء الذى نسمية «مصريتنا»، وضاع منا ذلك الخيط الذى نعلم أنه يجمعنا على اختلافاتنا، لكننا لا نرى له بينة فانقسمنا وتشرذمنا، حتى إن شاعراً وصف حالنا يوماً بأن هناك «حرباً أهلية تتمشى فى عقولنا».

وكان من الطبيعى أن يدعو ذلك لرد فعل تعميمى مخل بالواقع كنوع من درء خطر التفكك الذى كنا نعيشه دون وعى، وأصبحنا نحياه اليوم فى حراك ومحاورات مازلنا نتعلم أصول الاختلاف فى فضاءاتها. كنا قد اعتدنا أن نصف أنفسنا كشعب هكذا وبرمتنا تحت وطأة اليأس، بأننا «شعب طيب» أو «متدين» أو «خانع» أو «لم يكف عن الثورة يوماً». فتجهمنا لأن ظرف الحياة لا يأبه بالطمأنينة، ولا يعنيه سوى الحراك والأخذ والرد، فيصبح علينا نحن البشر التعايش مع تلك المتغيرات للوصول إلى شاطئ الاطمئنان المأمول الذى لا يكون إلا لو توصلنا إلى قوانين عامة لا يختلف عليها اثنان مهما كانت مرجعياتهما جوهرها لو نجحنا هو: الإنصاف.

ما علاقة كل هذا بالأغنية التى بدأنا بها حديثنا؟ بسيطة: الأغنية، وفى أقل من ثلاث دقائق، تملأ فراغ الجهل بالوطن على نحو مذهل. فى البداية يجلس شاب يحمل جيتاراً على صندوق من الخشب، ووراءه النيل. ملابسه تكاد تكون رثة، تضفى عليه هالة من عدم الاكتراث بالمظهر، وعدم التقليد الأعمى والاستقلال، وبالتالى فهو مثير للفضول والاحترام. ومن بعده تظهر فتاة يخلو وجهها من المساحيق فى فستان بسيط وشعرها كستنائى طويل لا يشغلها لحظة عن النبات الذى ترويه بعناية، وننتقل مع المخرج والمغنين لنتعرف على النوبة فى لغتها التى تكتب أسفل الشاشة حتى نستطيع جميعاً قراءة ما يغنى بين البيوت النوبية المتآزرة، من هناك ننتقل لفرح فى الدلتا، ومن ثم لراوٍ للسيرة ومنشد من الصعيد، ومنها للصحراء ونسمع الزهو البدوى بالعشيرة فى نغمة بدوية محببة لا تخطئها أذن، ثم إلى حى شعبى فى المدينة والشباب ينشدون «لما عم الحج يعدى كله يبطل لعب يهدى»، ونذهب بعدها للقناة ونسمع السمسمية تصاحب شخصاً «فات واخد شبكة وجاب سمكة وسلم وراح». هكذا فى بساطة ودون افتعال لخصت أغنية ما يجب أن يكون عليه درس الدراسات الاجتماعية فى مدارس مصر، وهو درس موجود فى الكتب ولكن عن طريق السرد لا التبيان، وكأن تبيان التعدد يتسبب فى الفرقة، وكأننا لا يمكن أن نطمئن سوى فى حالة أن نشبه بعضنا البعض فى الملبس وأسلوب الحياة والانتظام فى تقليد ما نظن أنه يوحدنا دون اعتبار أن ما يوحدنا هو أننا «شايلانا نفس الأرض»، وأن محاولات الهيمنة هى بالتحديد ما يفرقنا. وعليه فوتّكم بعافية وإلى اللقاء والسلام عليكم ونهاركم قشطة وصباحكم فل وليلتكم ياسمين وسلام يا ماو، ولأننا نتداول كل تلك التحيات دونما ارتباك ولا قلق نقول: عمار يا مصر، لأن العمار كثرة وثراء وليس نمطاً مكبلاً لإبداع الحياة وصناعتها كل لحظة.

somayaramadan@yahoo.coا

الأوسمة: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: