التمييز بين البشر آفتنا المعاصرة


مقال رائع عن التمييز بين البشر للمحترم د منير مجاهد على مجلة وصلة العدد الرابع يناير 2013

  لقد خلقنا الله أحرارا ومتساويين وقد ظل هذا حالنا كبشر منذ وجدنا على هذه الأرض والتي يقدرها العلماء بفترة تتراوح ما بين عدة مئات الآلاف من السنين وبضع ملايين السنين قبل تاريخنا المكتوب الذي لا يعود لأكثر من عشرة آلاف عام على أقصى تقدير، ولكن مع تطور أدوات الإنتاج وتمكن الإنسان الأول من صناعة فؤوس حجرية بسيطة ورماح من الحجر أصبح في إمكان الفرد أن ينتج أكثر من احتياجاته البسيطة، وأصبح في إمكان الأقوى أن يسيطر على الأضعف ويستعبده وكان هذا أول ظهور للتمييز بين البشر، التمييز بين الأحرار والعبيد وظهور الفكر التمييزي الذي يبرر هذا الاستغلال.

مع تطور البشرية وتزايد التنافس بين البشر على الموارد المحدودة تعددت مجالات التمييز التي وإن ارتدت أردية أيديولوجية، أو دينية أو غيرها، فهدفها الأساسي هو إخراج بعض المنافسين من حلبة المنافسة أو على الأقل تقليل فرصهم.
ويمكن تعريف التمييز بأنه المعاملة المتحيزة أو التفضيلية لشخص على أساس عضويته الحقيقية أو المتخيلة في مجموعة أو فئة بشرية (أحرار/عبيد، نبلاء/فلاحين، رجال/نساء، … الخ.)، إلا أن تطور إدراك البشرية لوجود حقوق للإنسان من حيث هو إنسان أدى لربط مفهوم التمييز بمفهوم حقوق الإنسان ليصبح التمييز هو أي استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أي معايير تحكمية مثل الدين، أو العرق، أو اللون، أو النسب، أو الأصل القومي أو الاثني … الخ.، ويؤدي إلى الحرمان الكلي أو الجزئي لفئة أو أكثر من المواطنين من بعض الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وفي البلدان المتقدمة يحظر التمييز بين المواطنين على أساس العديد من الأسباب ومنها على سبيل المثال الأسباب الموضحة أدناه بالترتيب الأبجدي:
  • الإرضاع الطبيعي: كأن تحرم متقدمة للعمل من الحصول على وظيفة رغم كفاءتها لأنها ترضع طفلها.
  • الإعاقة/العجز: ويقصد به الفقد الكلي أو الجزئي لأحد أجزاء الجسد أو لأحد وظائفه، أو وجود فيروسات مثل الإيدز أو فيروس سي الكبدي والتي يمكن أن تسبب المرض أو إضعاف أو تشويه للجسد، أو الاضطراب البدني أو النفسي، أو وجود ظروف تؤدي لأن يكون تعلم الفرد أكثر بطؤا. وذلك لأنه رغم أن الأشخاص ذوي الإعاقة قد يتمتعون بمدى واسع من المهارات والمؤهلات إلا أن نسبة البطالة بينهم أكبر بشكل واضح من متوسط البطالة بين السكان.
  • الانتماء المهني: ويقصد بهذا التمييز ضد الأشخاص بسبب عضويتهم (أو عدم عضويتهم) في منظمة مهنية (نقابة / رابطة / اتحاد … الخ).
  • الجنس: تحدث التفرقة أو التمييز بين الجنسين حينما يعامل شخص بشكل غير عادل بسبب جنسه مما يؤدي لتعرضه لأضرار وحرمان بسبب هذا، ويمكن أن يقع هذا على سبيل المثال إذا ما كان صاحب عمل أو مدير يعتنق أفكار عن نوع العمل الذي يستطيع أن يؤديه الرجل أو المرأه.
  • حالة الرعاية: ويقصد بها الشخص الذي لديه مسئوليات كاملة أو ضخمة لرعاية شخص آخر قد يكون طفلا أو أحد الوالدين أو زوج أو صديق.
  • الحالة الزوجية: ويقصد بها التمييز بسبب كون الشخص أو ليس كونه أعزب أو متزوج أو مطلق أو أرمل أو منفصل.
  • الحمل: ويقصد به التمييز ضد المرأة بسبب أنها حامل، أو تصور أنها حامل، أو يمكن أن تحمل في المستقبل، ويتضمن التمييز بسبب الحمل التعليقات المهينة ممن يجرون المقابلات الشخصية، أو الزملاء أو المديرين بالإضافة إلى السياسات والممارسات والمتطلبات غير المعقولة في مكان العمل التي لا يمكن لامرأة حامل أن تحققها.
  • العمر: ويقصد به التفرقة في الفرص بين “الكبار” و”الشباب” في العمل، كأن لا يتم مقابلة متقدم لوظيفة على أساس أنهم أكبر أو أصغر من اللازم للاندماج مع بقية العاملين، أو عدم توفير فرص تدريب للعمالة كبيرة السن على أساس أن الأمر لا يستحق، أو عدم توظيف الشباب على افتراض بأنهم لن يستمروا في العمل طويلا وسيذهبون إلى وظيفة أخرى.
  • العنصر/العرق: ويتضمن اللون، والسلالة، والقومية، وسلسلة النسب أو الأسلاف، والخلفية الإثنية أو أي خواص ترتبط بعنصر أو عرق محدد، وتحظر قوانين الدول المتقدمة ذم أو الحط من قدر فرد أو مجموعة من الناس بسبب انتمائهم لعنصر أو عرق معين، ويقصد بالذم المحظور قانونا السلوك الذي يحرض أو يشجع على الاحتقار أو الاشمئزاز أو السخرية من شخص آخر أو مجموعة من الناس بسبب انتمائهم لعنصر أو عرق معين.
  • المسئوليات العائلية: ويقصد بها التمييز بين العاملين عندما يحاولون الموازنة بين ترتيبات العمل ومسئولياتهم تجاه أسرهم، وعلى أصحاب العمل أن يعملوا على ملاءمة متطلبات العمل مع المسئوليات الأسرية كلما كان هذا ممكنا.
  • المطالبة بحقوق العمال: ويقصد بها المعاملة غير العادلة للعاملين الذين يتقدمون بمطالب معقولة أو يرفعون أو يطالبون بمستحقاتهم الوظيفية.
  • المعتقد الديني أو الممارسة الدينية: ويقصد بالمعتقد الديني الإيمان أو عدم الإيمان بعقيدة أو رؤية دينية ليست ضد القانون، ويقصد بالممارسة الدينية المشاركة أو عدم المشاركة أو رفض المشاركة في نشاط ديني ليس مجرم قانونا.
  • المعتقد أو النشاط السياسي: ويقصد بهذا التمييز ضد الأشخاص بسبب معتقداتهم وأنشطتهم السياسية سواء كانت حقيقية أو مفترضة، ويشير المعتقد أو النشاط السياسي إلى اعتناق الفرد أو عدم اعتناقه معتقد سياسي مشروع قانونا، أو إلى ما إذا كان يشارك أو يرفض أن يشارك في نشاط سياسي مشروع.
  • الملامح الجسمانية: ويقصد بها التمييز ضد الأشخاص بسبب مظهرهم بما في ذلك الطول والوزن وشكل الجسم والتشوهات وحالة الجلد والندوب والوحمات.
  • الهوية الجنسية: كأن تساء معاملة شخص أو يمنع من التوظف أو الترقي بسبب تحوله من ذكر لأنثى أو العكس.
تبين القائمة السابقة أمثلة للخواص البشرية التي يمكن أن يتعرض بسببها شخص أو مجموعة من الناس إلى الحرمان الكلي أو الجزئي من بعض الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والتي تسعى الإنسانية في رحلتها لحماية الإنسان من أي انتقاص لحقوقه بسببها، وقد لا تسعفنا المساحة المتاحة لهذا الملف أن نتناول بالتفصيل كل هذه الأنماط من التمييز – رغم أهميتها – لذا سنركز على أنواع التمييز التي قد تكون أكثر إلحاحا وهي:
  • الإعاقة/العجز: ففي مؤتمر عقد في إبريل 2009 بالتعاون بين الهيئة البريطانية لإنقاذ الطفولة ووزارة التضامن الاجتماعى، تحت عنوان “واقع استفادة الأطفال ذوى الإعاقة من الخدمات المتاحة”، أشار مدير الهيئة إلى أن 60% من الأطفال المعاقين لا يتمتعون بالقراءة والكتابة، وأن الذين يتمتعون بالتأمين الصحى 35 ألفاً فقط، مؤكداً على أن المؤشرات أكدت أن نسبة الإعاقة فى مصر تبلغ من 10 إلى 13% من تعداد السكان.
  • الجنس: فرغم أن مصر قد صدقت على اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” عام 1981، ورغم تحقق بعض التقدم في مجال تحقيق أهداف الاتفاقية المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة، إلا انه مازال هناك بعض أشكال التمييز لم يتم القضاء عليها بعد ومنها، التمييز ضد المرأة فيما يتعلق بجنسية أطفالها وقد بدأت خطوات لإنهاء ذلك، وانخفاض عدد النساء في كثير من مجالات اتخاذ القرار ومنها البرلمان، واستمرار ارتفاع نسبة الأمية بين النساء والفتيات، وعدم توافر معلومات عن اشتراك المرأة في أسواق العمل وشروط عملها، وتفاوت الأجور بين الرجل والمرأة في كثير من الأعمال.
  • العرق/العنصر: رغم أن التفرقة العنصرية بشكلها الذي كان معروفا في جنوب إفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية غير معروف في مصر، إلا أن الأقليات العرقية/الإثنية تشكو من تعرضها للتمييز، فبدو سيناء على سبيل المثال يشكون من أنه لا يسمح لهم بالالتحاق بالجيش أو الدراسة في الكليات العسكرية أو الشرطة، أو تملك أراضي في سيناء، وأنه يجري تأجيج الصور النمطية السلبية عن البدو وتعاونهم مع إسرائيل بعد احتلال سيناء عام 1967، ويشكو النوبيون من عدم تمليكهم الأراضي المستصلحة حول بحيرة السد العالي والتي تقام بها حاليا قرى جديدة، وكذلك في مناطق الظهير الصحراوي في أسوان بزعم التخوف من انفصال النوبة عن مصر، كما أنهم يعانون من التمييز الثقافي حيث لا تدرس اللغة النوبية في المدارس النوبية، ولا يدرس التاريخ النوبي في المؤسسات التعليمية بمصر
  • المعتقد الديني: يعاني غير المسلمين السنة من مظاهر مختلفة من التمييز بسبب معتقداتهم الدينية، يمكن تلخيصها في تمييز دستوري وقانوني، وتمييز في التعليم، وتمييز في التوظف، وتمييز في الإعلام.
  • المعتقد أو الانتماء السياسي: رغم التحسن الكبير الذي حدث في هذا المجال بعد ثورة 25 يناير إلا أنه لا زالت هناك قيود على تشكيل الأحزاب والمنظمات غير الحكومية، وسيادة خطاب تكفير المخالفين السياسيين وشيطنتهم واتهامهم بالعمالة للغرب.
يضاف إلى كل ما سبق عدم وجود أي قانون لتكافؤ الفرص ومكافحة التمييز مما يشجع على السياسات التي تنتقص من حقوق بعض المواطنين المصريين، وهو ما يجب أن ننتبه له ونحن نبني مصر الجديدة مستفيدين بتجارب من سبقونا كي لا نبدأ من الصفر.
 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: