مقال يستحق القراءة – اسماء سميتموها


مقال محترم للصحفى الشاب محمد خير ونشرت فى موقع جريدة  التحرير  فى 9يناير الماضى

جدار مرتفع أزرق اللون، جاء أحدهم وعلّق عليه لافتة صغيرة تقول «هذا الجدار أحمر».

هل تغيّر اللافتة من حقيقة الجدار؟ من لوّن الجدار؟

الإجابة المباشرة هى «لا»، سيبقى الجدار على لونه بغض النظر عن اللافتة، لكن يبدو أن هذا ليس رأى الجميع.

مثلا، لنتأمل الحالة التالية:

مواطن مسلم، مواطن مسيحى، مواطن بهائى.

يستطيع الأول أن يبنى مسجدًا فى أى مكان، يستطيع الثانى بناء كنيسة، لكن بعد اشتراطات صعبة، أما الثالث فليس من حقه بناء أى دار عبادة، لأنه «ليس ديانة سماوية».

هذه «تفرقة» واضحة، أليس كذلك؟

التفرقة بين المواطنين إذا مارسها الأفراد تسمّى «تمييزا»، إذا مارستها الدولة تسمّى «اضطهادا».

الآن تخيل ذلك الاضطهاد جدارا عاليا، جاء أحدهم وعلّق عليه لافتة مكتوبًا عليها «الشريعة»، هل يغير ذلك من حقيقة الجدار؟

سوف يبقى اضطهادا، وتفرقة دينية، بغض النظر عن الاسم الذى تطلقه عليه: شريعة، أمن قومى، هوية مجتمع، دين الأغلبية، لا يهم العنوان، فالأسماء لا تغير الأشياء، يمكنك أن تطلق على الشجرة اسم سيارة، لكنها ستبقى شجرة، وبالتأكيد لن تأخذك إلى أى مكان.

إن حرمت مواطنا حق العبادة، حق الاعتقاد، حق التعبير، سواء من خلال الدستور أو القوانين، فأنت تمارس الاضطهاد، فإن أصررت على أن الشريعة هى من تفرض عليك ذلك، فذلك لا يغير حقيقة ما تفعل، إنما فقط يصمُ الشريعة نفسها بوصمة الاضطهاد.

لكنك تقول إنها شريعة الرحمة، خير وعدل وحكمة، بل تتوقع أنك لو طبقتها سوف تستطيع يوما ما أن «تستعيد» الأندلس.

تقصد «احتلال» الأندلس؟

لنفترض -على سبيل التسلية لا أكثر- أن ذلك «الحلم» قد تحقق: فما الذى يمكن أن تقدمه إلى الإسبان فى «الفتح» الثانى؟ ليس العلم والتكنولوجيا بالتأكيد، فماذا لديك؟ قوانين الحسبة؟ إلغاء سن الزواج؟ محاكمات «ازدراء الأديان» التى كانت تسمّى فى ماضى العالم السحيق «الزندقة والهرطقة»، قبل أن يطور العالم معنى التسامح الدينى؟

بمناسبة «التسامح»، هل يسامح الإنسان شخصا لم يسئ إليه أصلا؟ أم أنه يسامح المخطئين فى حقه؟

إذن لو كنت تريد سجن أو قتل كل من «يسىء إلى الإسلام»، فأين «التسامح» هنا بالضبط؟

يقول المثل: لا يمكن أن تأكل التفاحة وتحتفظ بها فى الوقت نفسه، فإذا كنت ستشعل الدنيا عند كل إساءة، مطالبا برأس هذا الرسام أو ذلك المخرج، ومحاكما هذا المدوّن أو ذلك المذيع، فعليك أن تتوقف عن الحديث حول «سماحة الإسلام»، أليس هذا بديهيا؟

للأسف لا يبدو أنه كذلك، والسبب يكمن فى مسمى آخر، يقولون إنه «الاستعلاء بالحق»، ذلك الذى يجعلك تنتفض إذا اكتشفت أن شركة تمنع توظيف المحجبات، وتصمت إذا وجدت شركات وسلاسل محلات ومطاعم تمنع توظيف غير المحجبات بل غير المسلمين.

و«الاستعلاء بالحق» هو الإجابة التى تقدّم على سؤال مثل: لماذا ترفضون -أو تقيّدون- حقوق الأقليات فى بلاد المسلمين، مع أن المسلمين يبنون المساجد ويباشرون الدعوة فى خارج العالم الإسلامى؟ ألا تخشون أن يعاملكم الآخرون بالمثل؟

يقول «الاستعلاء»: من حقنا أن نفعل ما نريد -نصلى وندعو إلى الإسلام فى الخارج- لأننا نحن «الحق»، وليس للآخرين هذا الحق فى بلادنا، لأنهم «الباطل».

ألا يبدو هذا المنطق مألوفا، ألا يذكرك بمفهوم شهير، اسمه «الكيل بمكيالين»؟

لكن يقال إن السماح للمسلمين بالدعوة فى الغرب لا علاقة له بكونهم «على حق»، إنما له علاقة بمفهوم حرية الاعتقاد، أحد أهم حقوق الإنسان، أنت تعرف بالطبع ما حقوق الإنسان، إنها المبادئ التى نطالب بها إذا ما ألقونا فى السجون، أو كنا أقليات فى الخارج، أما إذا أصبحنا فى السلطة، اكتشفنا أن حقوق الإنسان منتج غربى يريد نشر «الشذوذ والأفكار الدخيلة» فى مجتمعاتنا الإسلامية، والدليل واضح وتستطيع أن تقرؤه -مثلا- فى المادة الثانية من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان:

«لكل إنسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات الواردة فى هذا الإعلان، دون أى تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأى السياسى أو أى رأى آخر، أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى أو الثروة أو الميلاد أو أى وضع آخر، دون أى تفرقة بين الرجال والنساء».

ها أنت رأيت بنفسك أنها أفكار دخيلة فعلا، فهى تساوى فى الحقوق بين السنى والشيعى، بين المسجد والمعبد، بين رجل مسلم وامرأة بهائية، كما أنها لا تضع أى قيود على الرأى والتعبير بما لا يخالف شرع الله، إنها -تصوّر يا أخى- تساوى حقا بين البشر، بلا اعتبار لأغلبية وأقلية، أو حق وباطل،.. هىّ فوضى؟!

لا شأن لنا بكل هذا، لقد كتبنا دستورنا، ثم وضعنا عليه لافتة تقول «أفضل دستور فى تاريخ البشرية»، لقد سمّيناه كذلك وهذا هو المهم.

الأوسمة: , , , , , , ,

3 تعليقات to “مقال يستحق القراءة – اسماء سميتموها”

  1. روشن مصطفى Says:

    الصحفي محمد خير فيه كل الخير لأنّه وضّح الأمور ببساطة وتعقل. ليس الاسم هو الدليل على المسمى. كما قيل الشخص الذى اسمه جميل ولكن هو ليس بجميل لا يقنع أحد. لست أدري: ألا يقرأ المسئولون هذه الأفكار؟ سبحان الله!

  2. berty Says:

    مقال رائع ,,,,, بس مين يفهم …… واود ان اسالك سؤال اذا سمحت …… اليس من المفروض على الغرب عند موافقتهم على بناء مساجد فى بلادهم او الموافقه على الدعوه فى بلادهم ان يراعوا اشياء كثيره منها اضطهاد الاقليه ، عدم السماح بنشر او التبشير لدين اخر بخلاف ما يومنوا به ، رفض بناء دور عباده ، اعتبار الاخر كافر لسبب واحد وهو انه يخالفه فى الاعتقاد …….. اعتقد ان حقوق الانسان تصبح غير مجديه اذا طبقت او امن بها فريق دون الاخر …… فى انتظار راى سيادتكم .

  3. فوزى مرعى Says:

    المقال رائع المعنى والامثال أعجبتنى وتوضح مفهوم عقلى جميل عن التسميه والحقيقه وتبين مايجب أن نفهمه من سماحة الاديان وحرية الاعتقاد وشكرا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: