من أجل حماية جميع الأديان


مقال  لدكتورة ليلى تكلا  بجريدة المصري اليوم – 28 سبتمبر 2012

جاءت الأديان جميعاً تدعو إلى الخير والتكافل والخلق النبيل والسلوك القويم، وإخراج أفضل ما فى الإنسان.. لكن أسوأ ما به جعلها سبباً فى الصدام. تضافرت عوامل عدة لجعل الاختلاف سبباً للخلاف منها المادية والأنانية والغرور وحب السلطة والتسلط، ومنها البعد عن التدين والفهم الصحيح للأديان ومنها مقولات صراع الأديان التى اخترقت العقول، وأصبحنا نفسر كل حدث على أساس دينى، ونقحم البعد الدينى فى إصدار الأحكام وتعميم الاتهامات. عندما ارتكب بعض المتطرفين من المسلمين جرائم إرهابية بشعة انسحبت الإدانة لتشمل جميع المسلمين، وعندما اتخذ بعض القادة المسيحيين قرارات ظالمة، انسحب الاتهام ليشمل جميع المسيحيين، ومن بين هذه الأسباب بل أهمها الخلط بين الدين والسياسة، الذى يسىء إلى كليهما ويعرض الأديان لما يصاحب السياسة من نقاش واعتراض ومعارضة ومهاترات العمل السياسى وأطماعه، ويحرم السياسة من الأسس التى يجب أن تقوم عليها من مشاركة فى القرار والنقد والمحاسبة، وسحب السلطة من الحاكم إذا اقتضى الأمر ذلك.

وفى أنانية شديدة تصور كل فريق أنه وحده يملك الصواب وكل من غيره على خطأ، فلم يكتف بالتمسك بعقيدته أو الدعوة إليها إنما تخطى كل الخطوط الحمراء ليتعدى على كرامة ومكانة العقائد الأخرى، ذلك الانحراف الذى لا تبرره الأديان تزايدت حدته فى الحقبة الأخيرة، وأصبح يعرف بجريمةDefamation of Religion أى «التشهير» أو الإهانة واسم الشهرة «الازدراء».

أخذت الاتهامات تتوالى ضد جميع الأديان، فأصاب الإسلام ما أصابه وأصاب المسيحية ما أصابها، حتى اليهودية أصبحت محل اتهامات كثيرة، بسبب الخلط بين العقيدة الدينية والصهيونية التى هى الجناح السياسى لها، وتعرضت ديانات آسيا للإهانة عندما قام المتطرفون بتحطيم رموزها، والتماثيل التى تعبر عنها، وهى جزء من تراث الفكر الإنسانى.

ذلك الوضع المتردى أصبح يقتضى – إلى جانب تصحيح المفاهيم الدينية، ونشر ثقافة احترام الاختلاف والتعايش – تجريم هذه الأفعال للحد منها فى إطار قانونى، وذلك فى مجالين، أحدهما محلى أى تشريعات وطنية تصكها الدول، والآخر قرارات ومواثيق دولية تصدرها المنظمات الدولية.

بالنسبة للقوانين المحلية نقدم مثلين: أحدهما إيجابى مطلوب والآخر سلبى مرفوض، الإيجابى قانون العقوبات المصرى الذى ينص فى مواد «٩٨، ١٦٠، ١٦١» على منع إهانة الأديان، وكذلك حرق أو إتلاف أو تدنيس دور العبادة.. أو رموز العقائد.. أو تقليد احتفال دينى بقصد السخرية، أو التعدى على أحد الأديان التى تؤدى شعائرها علناً…إلخ.

هذه النصوص لها ما لها وعليها ما عليها، تحتاج لتعديل فى الصياغة وتطبيق عادل، لكنها موجودة ولا مجال لما يتردد من المطالبة بصدور قانون أو تفعيل حالة طوارئ.

المثل السيئ صدر من الكونجرس الأمريكى سنة ٢٠٠٤ بعنوان: «Global Anti Semitic Ael». ينصب على الحد من معاداة السامية، ويخلط بين اليهودية كعقيدة وبين إسرائيل كدولة، ويعطى نفسه صلاحيات خارج حدوده ليعاقب أى شخص يرتكب ما يراه معاداة للسامية من أفلام وصور أو اضطهاد وتمييز أو إهانة لليهودية.

وأذكر أنه فى أحد مؤتمرات الكونجرس الأمريكى أشرت – دون تواضع – إلى نصوص القانون المصرى ودعوت الأعضاء إلى الاستفادة من الخبرة المصرية وإصدار قانون لا يقتصر على حماية عقيدة واحدة دون سواها، بينما قانونهم يشكل تقنيناً للتعصب.

فى الساحة الدولية لم تكن خطورة هذه الجريمة على السلام وحقوق الإنسان خافية على الأمم المتحدة ومنظماتها، ولها دولياً مسيرة طويلة علينا التعرف عليها قبل أن نطالب رسمياً وشعبياً برفع الأمر للأمم المتحدة.

بدأت أهم مراحل هذه المسيرة سنة ١٩٩٩ واستمرت إلى يوليو ٢٠١١، عقدت حولها عشرات الاجتماعات ونوقشت فى جنيف ونيويورك ودربان، وصدر بصددها عدد كبير من الوثائق «حوالى ٢٠» بين قرار وبيان وتقرير لا يتسع المجال لسردها، ونكتفى بالإشارة السريعة إلى بعضها. فى ١٩٩٩ صدر قرار من مفوضية حقوق الإنسان بعقوبة التشهير بالأديان، وكان أول تأكيد دولى لأهمية هذه المسألة صدر دون تصويت، وكان الهدف منه أساساً حماية الإسلام ثم أصدرت المفوضية عدداً من القرارات ما بين ٢٠٠١ – ٢٠٠٤ عن مكافحة التشهير بالأديان حصلت على أغلبية الأصوات. سنة ٢٠٠٥ صدر من الجمعية العامة «الدورة ٦٠» قرار مكافحة التشهير بالأديان حصل بدوره على أغلبية ١٠٦ أصوات وفى ٢٠٠٦ قدمت مفوضية حقوق الإنسان للجمعية العامة اقتراحاً بإصدار قرار، وصدر بأغلبية ١١١ صوتاً «بما فى ذلك اثنان من أعضاء مجلس الأمن»، وفى ٢٠٠٧ صدر قرار مماثل بأغلبية ١٠٨ دول وتضمن مطالبة الأمم المتحدة بتقديم تقرير حول القضية. فى مارس ٢٠٠٨ أصدر مجلس حقوق الإنسان قراراً بأكثر قوة يطالب الدول أن تمنع العاملين بها من ممارسة هذا الازدراء، وينص على منع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، أن تبث بيانات تدعو إلى الكراهية والعنف، وعدم السماحة، ضد الإسلام، أو أى عقيدة أخرى، وطالب القرار رئيس المجلس بتقديم تقرير عن مدى الالتزام بهذا القرار، وفى نوفمبر من العام نفسه أصدرت اللجنة الثالثة قراراً تدعو فيه الأمين العام لتقديم تقرير عن مدى الالتزام بالقرارات التى صدرت.

كانت سنة ٢٠٠٩ حافلة بالنشاط حول هذه القضية، فقد أقرت الجمعية العامة قراراً برفض التشهير بالأديان بموافقة ٨٠ دولة ورفض ٦١ وامتناع ٤٢، لكن فى المقابل وفى السنة نفسها تقدمت حوالى ٢٠٠ جمعية أهلية من ٤٦ دولة شرقية وغربية إسلامية ومسيحية ويهودية وبوذية وغيرها، تطالب الأمم المتحدة بعدم إصدار مثل هذه القرارات التى سوف تستخدم لقمع الحريات وقهر الأقليات، والحد من حرية التعبير، وهو تخوف له ما يبرره – سنعود لتناوله.

نصل إلى ٢٠١٠ حيث اعترض كثير من الدول على صدور مثل هذا القرار، لكن مجلس حقوق الإنسان تمكن فى ٢٥ مارس من إصدار قرار بأغلبية ٢٠ عضواً، ثم فى ٢٠١١ صدر من اللجنة الثالثة بيانها المشهور حول حرية التعبير، ومنع إهانة الأديان، وبه بعض الضوابط والشروط الواجب تطبيقها.. ومازال النقاش دائراً والملف مفتوحاً.

هذا السرد السريع القصد منه تأكيد أن المطلوب ليس «طرح القضية على الأمم المتحدة» فهى مطروحة ومحل بحث، إنما المطلوب دراسة هذه المسيرة وتجميع الوثائق الصادرة فى قرار يكون ملزماً، أى يكون فى صورة معاهدة أو عهد توقع عليه الدول، ومتى صدقت عليه يصبح جزءاً من قانونها، إلى جانب دعوة الدول لإصدار قوانين داخلية تجرم إهانة الأديان أو التشهير بها، مع تحديد ما يعتبر كذلك، وتعيين مقرر يتابع ذلك القرار أسوة بما تتبعه الأمم المتحدة فى الموضوعات التى توليها أهمية خاصة.. الوثيقة المطلوبة مسؤولية وفدى مصر فى نيويورك وجنيف، وقد أثبت كلا الوفدين قدرة وكفاءة تؤهلهما لتلك المهمة.

هذه القرارات تفاوتت شدتها ولهجتها، الحماس حولها كان يرتفع ثم يعود ليهبط حسب المتغيرات الدولية، مما يتطلب تحليل مضمون بعض القرارات، وموقف الدول منها والمناقشات حولها، مع توضيح بعض المفاهيم، والاعتبارات التى تحيط بالقضية، حتى تأتى الجهود والتصريحات الرسمية والشعبية على أساس رشيد.. ولذلك حديث قادم.

الأوسمة: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: