نبذ التعصبات ووحدة العالم الانسانى


مقال د باسمة موسى فى جريدة اضاءة الالكترونية الجمعة 14 يوليو 2012

                                                

لقد ابتلى عالم البشر بمرض التعصب. وهو للاسف مرض مزمن و سبب هلاك البشر فى العديد من مناطق العالم. إذ إن جميع الاختلافات والحروب والمنازعات وسفك الدماء سببها هذا التعصب المقيت. وكل حرب تقع تكون ناتجة إما من التعصب الديني وإما من التعصب العنصري، أو من التّعصب العرقى أو الجنسى او السياسي، وطالما أن هذه التعصبات  قائمة فلن يقر للعالم الإنساني قرار  .

                   فالتعصب يعنى تمسك عاطفى قوى بفكرة او رأى معين بغض النظر عن مطابقته للعقل والمنطق. ان التعصب بشكله  المعروف يبرز للوجود عندما ينتمى فرد الى جماعة يعتقد بانها مميزة عن غيرها. فياخذ هذا الفرد بالتالى موقفا سلبيا تجاه الذين يخالفونه فى الرأى دون الاعتبار لما هم عليه من قدرات فردية, فالتعصبات قد تكون عرقية او اقتصادية واجتماعية ولغوية او ما الى ذلك. فجميعها يؤدى الى الصراع والنزاع لانه يولَد الفرقة بين مجموعات من الناس. اما الكراهية التى نشأت نتيجة ذلك, فغالبا ما ادت الى اضطراب اجتماعى وحروب بل الى عمليات ابادة جماعية. وقد امر الله سبحانه وتعالى  ببذل اقصى الجهد للتخلص من جميع انواع التعصبات والخرافات الراجعة الى الطبيعة البشرية التى تؤدى الى الحقد والكراهية. وعلينا ان نتذكر ان الله خلقنا من تراب واحد لئلا يفتخر احد على احد.

لذا فإن مبدأ وحدة العالم الإنساني يرمي بكل معانيه إلى محو التعصبات كافة سواء أكانت جنسية أو عرقية أو وطنية أو طبقية أو لونيه أو لغوية لأنها جميعا هادمة لبنيان العالم الإنساني وكيانه وجالبة لشقائه وبلائه، وكانت تلك التعصبات البغيضة سببا في اشتداد روح العداء والبغضاء بين الأمم والشعوب على مر الأزمنة والعصور وكانت هي العامل الرئيسي في الحروب والمنازعات، وعليه فإن نبذ التعصبات بأنواعها هو الطريق الوحيد الذي يجب على الإنسان أن يسلكه ويعمل به إذا أراد أن يحيى حياة سعيدة مزدهرة حيث جاء الوقت لأن يندمج التعصب الوطني أو السياسي والمحدود في أهدافه وآماله ضمن الوطنية العمومية الكبرى التي يكون    فيها الوطن عبارة عن العالم  اجمع .

انظروا إلى أصحاب الأديان. فلو كان هؤلاء مؤمنين بالله حقًا، ومطيعين للتعاليم الإلهية لما تعصبوا لأن التّعاليم الإلهية تأمر بألا يكون هناك تعصب قط. وهي تنص صراحة على وجوب معاملة البشر بعضهم البعض بالمحبة، وعلى أن الإنسان يجب أن يرى القصور في نفسه لا في غيره، وأنه لا ينبغي له أن يفضل نفسه على غيره. ذلك لأن حسن الخاتمة مجهول ولا يمكنه الوقوف عليها. ولهذا ينبغي ألا يكون بين البشر أي تعصب فلا يقول أحد أنا مؤمن وفلان كافر ولا يقول أنا مقرب إلى الله وذاك مردود.

اما التعصب العنصرى فوهم محض. ذلك لان الله خلقنا جميعاً بشراً، ونحن جميعاً جنساً واحداً، ولا اختلافَ بيننا من حيث الخِلْقَة وليس بيننا اى تمايز قومى فكلنا بشر,  وجميعنا من سلالة آدم . فكيف نختلف مع وجود وحدة البشر هذه, فنقول هذا المانى وذالك انجليزى او فرنسى او تركى او عربى , الا  ان هذا وهم محض. افمن اجل وهم من الاوهام يجوز النزاع والجدال؟ وهل يمكن ان نجعل هذه التفرقة التى لم يضعها الله,  اساسا للعقيدة ؟ ان جميع الاجناس  بكل الوانهم وجميع الملل والطوائف والقبائل عند الله سواء , ولا امتياز لاحد منهم على احد , الا الذين يعملون بكل محبة بالتعاليم الالهية والذين هم صادقون رحماء محبون للعالم وكل البشر , هؤلاء هم المقربون عند الله وهم مصابيح عالم البشر المضيئة. ولهذا فالامتياز بين البشر قائم على اساس الاخلاق والفضائل والمحبة والمعرفة وروح الخدمة وليس على اساس نسبته الى اى دين او عرق او لون او نسبته الى الشرق والغرب.

الحقيقة انه قد آن الآوان ان يتم نبذ جميع انواع التعصبات بالكلية وخاصة التعصب الدينى فالتعصبات نار تحرق العالم ولا سبيل لاطفائها الا باحترام كل المعتقدات الدينية لكل البشر, . فبذرة عدم التعصب يجب ان تنشأ من البيت والثقافة المجتمعية  ثم من المدرسة والثلاثة عليهم دور كبير فى ارساء دعائم التسامح وعدم التعصب فى بنية الاطفال الثقافية والعملية . وعلى عاتق الام  دور كبير فى تنشئة اولادها على حب الخير وعدم تصنيف البشر على اى اساس عرقى او دينى او جنسى او لونى لان الام هى  المربية الاولى للبشرية فاذا احسنت خيرا باطفالها وعلمتهم التسامح من الصغر  فسوف يتخلص العالم من داء التعصبات.

ادعوا الكتاب والفنانون فى الوطن العربى ليسجلوا بابداعاتهم الفنية  وبحرفية شديدة وحساسية الفنان  جميع الآراء والحقائق والدعاية التي تصاحب قضايا التمييز عالميا، والتعصب ضد جنس من الأشخاص غير المرتبطين على الإطلاق بشرور الإرهاب مثلما فعل من قبل بعض الفنانين واتذكر منهم الفيلم الهندى الامريكى ” اسمى خان ”  الذى نقل بحساسية شديدة فى السيناريو ونقلات الكاميرا والتمثيل الرائع لابطال الفيلم ,  ليهدى خان  للعالم الرسالة الصغيرة الايجابية التى علمته اياها امه الطيبة “باننا يجب ان نعامل الناس من منطلق اعمالهم الصالحة او الغير صالحة وليس من اى منظور اخر” والتى جعلت من الفيلم تحفة انسانية تمس المشاهدين فى اى بقعة بالعالم.

اقترح ايضا ان تتبنى الامم المتحدة يوما ” لنبذ التعصبات ” يتعهد فيه ملوك وحكام الارض وقادة الاديان فى العالم على ابعاد شبح التعصب وعلى ابراز المشترك بين الاديان  والسعى الى ازدهار ووحدة الجنس البشرى.

اتمنى من اعماق  قلبى ان تٌطوى هذه التعصبات وتصبح مجرد ذكرى أليمة فى تاريخ العالم. وآمل فى أن تضيء العالم نورانية المحبة، وأن يحيط بالكون فيض ملكوت الله، وأن تشمل الجميع رحمة الرحيم المنان، وأن يظفر العالم الإنساني بالانطلاق والتحرر من هذه القيود الأرضية. فالله خلق جميع البشر، وهو رؤوف بهم جميعًا، يشملهم برعايته وعنايته. فتضرعوا وابتهلوا وتوجهوا اليه كي تتجلّى انوار التسامح والوحدة والسلام بين جميع البشر. ولن يتثنى للسلام العالمى فرصة للنمو الا بهدم كل انواع التعصبات ولكنه آت لا محالة فالسلام العالمى وعد حق.

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “نبذ التعصبات ووحدة العالم الانسانى”

  1. فوزى مرعى Says:

    بارك الله فيك ياأستاذه مقالك المؤثرحرك الوجدان الانسانى والمشاعر النقيه ومضمونه محبة الجميع -فالجميع فعلا خلق الله وعباد الرحمن كما ان التعصبات الوهميه فعلا واجبة الزوال -وشكرا لكم

  2. Smile Rose Says:

    اشكرك استاذ فوزى جزيلا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: