تقرير المجلس القومى لحقوق الانسان فى احداث ماسبيرو


نص التقرير الصادر عن المجلس القومى لحقوق الانسان  عن احداث ماسبيرو 2011 التاسع من اكتوبر

مقدمة

تعد أحداث ماسبيرو يوم الأحد الموافق التاسع من أكتوبر 2011،  والتي فقدت فيها مصر 28 شهيدا منهم 26 من المواطنين المسيحيين و 1 من العسكريين، و1 من المواطنين المسلمين ، بالإضافة لأكثر من  321 مصاب من المدنيين والعسكريين، وفقا لبيانات وزارة الصحة والسكان، تعد نقطة تحول فارقة هددت أحد أهم مقومات المجتمع المصري وأسباب تفرده.  وكان للمخزون الحضاري للشعب المصري والذي رفضت جموعه محاولات التحريض والاستعداء ضد المواطنين المسيحيين، دورا حاسما في حماية الوطن ووحدة شعبه من كارثة قومية محققة. فقد شهد هذا اليوم عددا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تشكل جرائم ارتكبت في حق المتظاهرين السلميين، شملت جرائم قتل عمد، وقتل عشوائي، والاعتداءات البدنية وما تخلف عنها من إصابات جسيمة أسفر بعضها عن إعاقة تامة أو جزئية وإصابات أخرى متفرقة.

كما وقعت جرائم إتلاف لمركبات ومهمات عسكرية وممتلكات عامة وخاصة.

ويوجز هذا التقرير نتائج لجنة تقصي الحقائق التي شكلها المجلس القومي لحقوق الإنسان من بين أعضائه، بموجب قرار صدر فى جلسته الطارئة بتاريخ 10 أكتوبر 2011،  برئاسة الأستاذة “منى ذو الفقار” وعضوية السيدات والسادة د.”أسامة الغزالي حرب”، ود. “اسكندر غطاس” ،و”إنعام محمد على” ، و “جورج اسحق” ،     و”حافظ أبو سعدة”، ود.”درية شرف الدين”، ود. “سمير مرقس”، “عمرو الشوبكى”، ود. “عمرو حمزاوى”، ود.”فؤاد رياض، و”محسن عوض”، “و”ناصر أمين”،  و”يوسف القعيد”، أعضاء المجلس.

وساعد فى إعداد التقرير عدد من الباحثين المتخصصين من مكتب الشكاوى بالمجلس يضم السيدات والسادة جمال بركات، نبيل شلبى، إسلام شقوير، أحمد عبدالله، كريم شلبى، خالد معروف، أسامة نشأت، أحمد جميل، أسماء شهاب، نشوى بهاء، ومن أمانة المجلس الزملاء أمجد فتحى، مى نجيب، رشا علوى، أسماء الشهاوى، هانى الحسينى، أسماء فوزى، معتز فادى، محمد ماهر، رامى علام، عمرو يسرى، خالد معتصم، رامى ميخائيل .

واستندت اللجنة في مصادرها على الآتي :

1- الشهادات الميدانية التى تم تجميعها من مواقع الأحداث، حيث قام عدد من الباحثين بالمجلس بتغطية مواقع الأحداث من بداية المسيرة حتى منطقة ماسبيرو .

2- تقارير بعض المنظمات المصرية غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان.

3- المصادر الإعلامية المرئية والمكتوبة والمسموعة .

4- جلسات استماع لعدد كبير من الشهود من الأفراد والمصابين وأهالي الضحايا والمجموعات التي شاركت في المظاهرات، وكذا الإدارات المتخصصة في المستشفيات التي استقبلت جثامين القتلى والمصابين، وان رفض بعضهم التعاون مع اللجنة.

5- خاطبت اللجنة وزارات الإعلام، والداخلية، والصحة والسكان، والدفاع لإفادتنا بما لديهم من بيانات ومعلومات حول الأحداث. وتلقينا ردودا من وزارات الإعلام والصحة والسكان والداخلية.

وينقسم التقرير إلى ستة أقسام رئيسية :

القسم الأول: موجز لتطورات الأحداث

القسم الثاني: دور التليفزيون المصري الرسمي

القسم الثالث: البيانات المتاحة من وزارة الصحة عن الضحايا والمصابين

القسم  الرابع: الخلفية الممهدة لأحداث ماسبيرو

القسم  الخامس: المرجعية القانونية والانتهاكات التى ارتكبت خلال الأحداث

القسم السادس : الخلاصة والتوصيات بشأن مساءلة الجهات والأفراد المسئولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت خلال هذه الأحداث المؤسفة من خلال ما تجمع لدي لجنة تقصى الحقائق من دلائل، بالإضافة إلى التشريعات والسياسات المطلوب إصدارها وتطبيقها على المدى القصير والمتوسط للتصدي للأسباب الحقيقية لأحداث الأزمة الطائفية ومعالجة  جذورها.

ويتناول الملحق (1) تفاصيل المعايير الدولية والوطنية التي استندت اليها اللجنة كمرجعية قانونية للتقرير

أولا – موجز تطور الأحداث:

1- بداية المظاهرة ومسارها:

– خرجت المظاهرة بأعداد متزايدة، تتجاوز خمسين ألف متظاهر، من شارع شبرا ما بين الساعة الرابعة والرابعة والنصف متجهة إلى ماسبيرو، وقطعت المسافة البالغة حوالي 5, 6 كيلومتر فى ساعتين تقريبا. وكانت المظاهرة سلمية بإجماع الشهود. و ضمت، إلى جانب المواطنات والمواطنين والأطفال المسيحيين، العديد من المواطنات والمواطنين المسلمين.  ولم يحمل المتظاهرون سوى الصلبان الخشبية أو البلاستيكية والأعلام المصرية واللافتات التى تندد بهدم الكنائس وتطالب بقانون موحد لبناء دور العبادة، مؤكدين أن المسيحيين مصريون وليسوا كافرين. كانت  الهتافات تؤكد ذات المطالب (شعارنا واحد غيره مفيش إحنا نموت كنايسنا تعيش – يا طنطاوى ليه مش سامع الكنيسة زى الجامع – أى ملة وأى دين مصر لكل المصريين – من أسوان لاسكندرية الأقباط دايما ضحية – مصريين مسيحيين مصر بلدنا ليوم الدين). كما كانت تندد بالحكم العسكرى وتطالب بسقوطه وتندد أيضا بالعنف الذى تمارسه الشرطة العسكرية،  بالإضافة لهتافات ذات طابع سياسى تطالب بالدولة المدنية وترد على بعض التيارات السلفية المتطرفة   (قالوا علينا الكفار احنا المصريين الأحرار – مصر دولة مدنية مش إمارة إسلامية – ياللا يا مصرى انزل من دارك لسه فيه مليون مبارك )، والهتافات التى تتوجه إلى الله  تعالى بالدعاء (يارب – كيرياليسون أي يارب ارحم باللغة القبطية القديمة)، كما كان عدد قليل من المتظاهرين يضع شارات كتب عليها (شهيد تحت الطلب).

– والجدير بالذكر أن الدعوة إلى المظاهرة والإعلان عنها وإخطار الجهات المختصة، كان قد تم من قيادات ائتلافات واتحاد شباب ماسبيرو وغيرهم من التجمعات قبل قيامها بثلاثة أيام على  الأقل، وذلك اثر أحداث مساء الثلاثاء الموافق 4 أكتوبر 2011 في ماسبيرو، حيث استخدمت قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزي القوة المفرطة لفض المظاهرة ومحاولة الاعتصام بجوار ماسبيرو  من 700 إلى 800 متظاهر سلمى، وذلك بالضرب  ثم باستخدام المركبات المدرعة ، وفقا للشهادات الموثقة المقدمة للجنة. ويشمل ذلك على وجه الخصوص حالة الشاب رائف الذي تعرض لضرب مبرح وسحل من جنود الشرطة العسكرية، والذي تم بث مشاهد الاعتداء عليه على الفضائيات والانترنت. وكان ذلك من الأسباب الدافعة لمظاهرة الأحد 9 أكتوبر 2011.

– وتعرضت المظاهرة عند نفق شبرا للقذف بالحجارة والزجاج من أعلى نفق شبرا من قبل بعض المدنيين المجهولين القادمين من منطقة السبتية مرددين هتاف (إسلامية إسلامية)، بالإضافة لإطلاق الأعيرة النارية من مصدر مجهول على المتظاهرين. واستطاعت المظاهرة  استئناف مسيرتها بعد أن نجح الشباب المشارك فى المظاهرة ( لجنة النظام بالمظاهرة ) من الصعود الى أعلى النفق ومطاردة هؤلاء الأشخاص المعتدين،    وقد اصيب بعض المشاركين فى المظاهرة نتيجة إلقاء الطوب والحجارة عليهم،  وفقاً لبعض الشهادات  المؤكدة على صحة ذلك .

– وعند كوبرى 26 يوليو أثناء عبور المظاهرة أسفل الكوبري، تعرض المتظاهرون  إلى القذف بالطوب والحجارة والزجاجات الفارغة من مجاميع من المدنيين المجهولين فى منطقة بولاق ابو العلا،  وتم إطلاق أعيرة نارية عليهم دون أن تحدث إصابات للمشاركين في المظاهرة. واستأنفت المظاهرة خط سيرها ، ثم توقفت  أمام مبنى الأهرام منددة بالإعلام الفاسد فى إشارة إلى أن مؤسسة الأهرام أحد رموز فساد منظومة الإعلام. وجرت بعض المناوشات بين أمن المبنى وبعض المتظاهرين، ولكن تم احتواء الموقف من قبل بعض المتظاهرين واستمروا فى مسيرتهم  إلى منطقة ماسبيرو، وكانت الهتافات تعلو مؤكدة سلمية المظاهرة عند تعرضها للاعتداءات (سلمية سلمية – احنا مسيرة سلمية احنا مش بلطجية).

– ولكن في حوالي الساعة السادسة والربع، بعد وصول مقدمة المظاهرة السلمية إلى كورنيش النيل من ناحية فندق رمسيس هيلتون في طريقها لتلتقي بالوقفة الاحتجاجية  السلمية الموجودة أصلا منذ الساعة الخامسة بمنطقة ماسبيرو، تحركت قوات الشرطة العسكرية لتوقف تقدم المظاهرة،  وألقى بعض الأفراد الحجارة وزجاجات المياه البلاستيكية على قوات الشرطة العسكرية المتقدمة صوبها، وقامت قوات الشرطة العسكرية بتفريق المتظاهرين باستخدام الدروع و الضرب بالعصي الخشبية. كما أطلقت الرصاص الفشنك لتفريق المتظاهرين، مما أثار الرعب  لديهم، فتسبب ذلك فى تراجعهم  للوراء بعيدا عن مبنى الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) بسرعة للهروب من هجمة قوات الشرطة العسكرية.  ومع الازدحام والأعداد الكبيرة واستمرار اعتداء  قوات الشرطة العسكرية، تساقط الكثيرون من المتظاهرين بعضهم فوق بعض وأصيبوا بإصابات مختلفة. وحاول بعض المتظاهرين اثر ذلك  ملاحقة بعض أفراد الشرطة العسكرية فى أماكن تمركزهم مستخدمين العصي والحجارة .

2-  إطلاق النار على المتظاهرين والشرطة العسكرية من مدنيين مجهولين:

– وفى نفس وقت إطلاق الشرطة العسكرية لطلقات الصوت (الفشنك) فى الهواء لتفريق المتظاهرين، تم إطلاق أعيرة نارية حية على المتظاهرين من مصادر لم يمكن تحديدها بدقة، وسقط عدد 7 من القتلى والعديد من المصابين  من المتظاهرين ، وكذلك سقط  أحد  القتلى  وعدد من المصابين من أفراد القوات المسلحة (الشرطة العسكرية). وأفاد العديد في شهاداتهم أن الذخيرة الحية كان مصدرها  الشرطة العسكرية، باستخدام البنادق الآلية ضد المتظاهرين ، وقد نفت القوات المسلحة إطلاق النيران على المواطنين، ويؤيد ذلك العديد من الشهادات التي أكدت استخدام الشرطة العسكرية لطلقات الفشنك ولم تستخدم الذخيرة الحية.

– وأكد عدد من الشهود أن بداية إطلاق النار كانت من خلال عدد من المدنيين المجهولين اندسوا على المتظاهرين واختلطوا بالمظاهرة  بدراجات بخارية (موتوسيكلات) فى الاتجاه المعاكس لماسبيرو، وقاموا بإطلاق النار على المتظاهرين وعلى قوات الشرطة العسكرية. ويؤيد ذلك  شهادة أخرى  أكدت رؤية  قناص مسلح على مطلع كوبري أكتوبر المواجه للمبنى المجاور لفندق رمسيس هيلتون يطلق الرصاص على المتظاهرين والشرطة العسكرية وحوله مجموعة تساعده، والعديد من الشهادات التي أكدت تعرض المظاهرة لإطلاق الرصاص الحي مرتين أتناء مسيرتها من شبرا إلى ماسبيرو، عند نفق شبرا وكوبري 26 يوليو.

– وقد أكد العديد من الشهود في شهاداتهم وقوع المصابين والقتلى نتيجة إطلاق الأعيرة النارية الحية، ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد القائم بإطلاقها.  ووفقا  لروايات البعض، كان من أول ضحايا إطلاق النار الشهيد مينا دانيال أحد شباب ثورة 25 يناير والبالغ من العمر 19 عاما،  كما أشارت شهادة أخرى إلى أن أول القتلى نتيجة إطلاق الأعيرة النارية الحية كان احد أفراد الشرطة العسكرية، وهو ما يؤيد أن المدنيين المجهولين أطلقوا النار على المتظاهرين والشرطة العسكرية.

– ومن الشهادات الأخرى المتعلقة بإطلاق النار قيام أحد المدنيين بالاستيلاء على  بندقية آلية  بها طلقات فشنك وهروبه، إلا أنه وفقا لبيان وزارة الداخلية فان أحد الضباط تمكن من استردادها والتحفظ عليها، بالإضافة لبندقية آلية أخرى وخزان طلقات فشنك تم تسليمها لقسم بولاق، وهو ما يؤكد استخدام الشرطة العسكرية لطلقات الفشنك. وفى شهادة أخرى أكد صاحبها على إصابته برصاص مطاطي من قبل قوات الأمن المركزي فى محاولة لتفريق المتظاهرين المتواجدين أسفل كوبري أكتوبر، ولكن تظل تلك الشهادات فردية لم   تؤيدها شهادات أخرى.

– وفى ظل عدم توفر المعلومات وعدم إعلان تقارير الطب الشرعي التفصيلية حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، وعدم إمكان التوصل إلى أدلة حاسمة على مصدر إطلاق الرصاص الحي، تقع مسؤولية تحديد هوية المدنيين المجهولين ومحرضيهم من مرتكبي هذه الانتهاكات التى تشكل جرائم قتل عمد على عاتق جهات التحقيق المختصة، خاصة وأن لديها حالتين من المصابين من المتظاهرين بطلق ناري غير نافذ وتم حصولهم على الطلقات بما قد يمكنهم من تحديد مصدرها.

3- دهس المتظاهرين:

على الجانب المواجه لمبنى ماسبيرو  وبمحاذاة  النيل فى اتجاه التحرير، كانت هناك أربع عربات جيب وخلفها ثلاث مركبات مدرعة فهد ومركبتين مدرعتين من حاملات الجنود يقفون جميعا ملاصقين للرصيف فى نفس الاتجاه  .

– بدأت المركبات المدرعة فى التحرك بعد دقائق قليلة من بداية استخدام الشرطة العسكرية للقوة لتفريق المتظاهرين ومنعهم من التقدم للمنطقة المحيطة بمبنى ماسبيرو، وهو نفس المنهج المستخدم لفض تظاهرة مساء الثلاثاء 4 أكتوبر. فتحركت  ثلاث مركبات مدرعة، الواحدة تلو الأخرى، بشكل متلاحق وسريع فى شارع كورنيش النيل فى اتجاه كوبري أكتوبر، ثم تبع ذلك تحرك مركبتين مدرعتين فى نفس الاتجاه لكوبري أكتوبر.   وكانت حركة المدرعتين الأولى والثانية بين المتظاهرين بالغة السرعة  ودائرية، فغيرت خط سيرها من الاتجاه صوب كوبري أكتوبر إلى الاتجاه المعاكس  صوب ماسبيرو. ونتيجة للسرعة الشديدة  التى كانت تسير بها المدرعتان الأولى والثانية، قامتا بدهس عدد من المتظاهرين، ليسقط  12 من القتلى، بالإضافة إلى  حوالي خمسة من الجرحى بإصابات بالغة، وفقا للبيانات المتوفرة حتى تاريخ التقرير، وكل ذلك ثابت بموجب شهادات موثقة وتسجيلات حية لوقائع الدهس.

– وقد حصلت لجنة تقصى الحقائق على شهادة حية من احد المصابين الذي فقد أخيه نتيجة الدهس من إحدى المركبات المدرعة. وقد أنقذت العناية الإلهية الشاهد من الموت، إلا أن  نفس المركبة المدرعة دهست قدمه اليمنى كما ألحقت به إصابات بالغة.  وروى  فى شهادته انه بعد إصابته  فى تلك الأحداث تم إلقاءه فى مدخل إحدى العمارات المجاورة لمبنى ماسبيرو فوق ما يقرب من أربع إلى خمس جثامين، حيث اعتقد من قام بنقله انه قد فارق للحياة.

وقد ورد للجنة العديد من الشهادات التى تؤكد أن هذه الجثامين لعدد من ضحايا الدهس وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. وكان قد تم نقلهم إلى مدخل العمارة التى يقع بها مقر قناة 25يناير.

– وكان المتظاهرون قد قاموا بنقل الجثامين التي تم دهسها إلى مداخل البنايات المقابلة للكورنيش فى ظل حالة من الذهول الشديد اثر بشاعة المشهد،  في حين تأخرت سيارات الإسعاف فى إخلاء الجثامين والمصابين نتيجة الدهس من مكان الأحداث، حسب ما ورد فى أقوال الشهود، بينما أفادت وزارة الصحة فى بيانها أنها دفعت بست سيارات إسعاف لتأمين المظاهرة، ثم أضافت 18 إلى أن وصل عدد سيارات الإسعاف إلى 30، ورغم ذلك لم يكن عدد السيارات كافيا بالنظر للأعداد الغفيرة للمتظاهرين والمصابين.

4 – ردود أ فعال بعض المتظاهرين والمدنيين المجهولين:

إثر الاعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون بالدهس من المركبات المدرعة و إطلاق النار والضرب بالعصى، تمثلت ردود الأفعال  في الآتي:

– رشق بعض المتظاهرين بعض أفراد الشرطة العسكرية بالحجارة و استخدموا العصى  ضدهم.  وذكرت بعض الشهادات أن  بعض المتظاهرين  كانوا يحملون أسلحة بيضاء (السيوف والمطاوى والسكاكين ) تم استخدامها ضد أفراد الشرطة العسكرية. وفى شهادات أخرى، أكد بعض الشهود أن المجموعات التي تستخدم السيوف والأسلحة البيضاء كانت من المدنيين المجهولين والبلطجية المأجورين من المناطق المجاورة لماسبيرو.

– قام بعض المتظاهرين بالقفز على إحدى المركبات المدرعة، كما قام آخرون بإضرام النار فى المركبة المدرعة  التى علقت نتيجة اصطدامها بحائط خرسانى، وقد حاول سائقها الهروب منها إلا أن المتظاهرين امسكوا به وتم ضربه بعنف، فتدخل احد القساوسة  لحمايته وتم إنقاذه حتى تم تسليمه إلى الشرطة العسكرية .

– قام أحد المدنيين باستقلال ناقلة للجنود و حاول قيادتها ثم قفز خارجا منها، مما أدى لاصطدامها بعربتين جيب من مركبات الشرطة العسكرية والتي كادت أن تدهس بعض المتظاهرين .

– تم إشعال النيران في أحد الأتوبيسات التابعة للشرطة العسكرية وأيضاً بعض السيارات الخاصة بموقع الحدث من قبل بعض المدنيين، وذلك وفقا لبعض الشهادات.

– قام أحد المدنيين بالصعود إلى أحدى ناقلات الجنود التي شاركت في الدهس وقذف الجندي الموجود بها بحجر ضخم.

5- الاعتداء على المتظاهرين ودور الإعلام والشائعات:

– وبعد الإعلان في التليفزيون المصري أن الأقباط يعتدون على الجيش، ظهر عدد من المواطنين المدنيين يحملون العصيان الخشبية والحديدية والأسلحة البيضاء (مطاوى – سكاكين – سيوف) وانضموا  لقوات الشرطة العسكرية فى منطقة جراج ماسبيرو وفى المناطق المحيطة بفندق رمسيس هيلتون ، وقاموا  بضرب المتظاهرين وسبهم باستخدام عبارات مضمونها  (الجيش والشعب ايد واحدة ضد النصارى) . ووفقا  لروايات الشهود فان هؤلاء الأشخاص كانوا من المدنيين المجهولين والبلطجية القادمين من المناطق  المجاورة لماسبيرو.

– كما تم ترويج شائعة مفادها أن المتظاهرين المسيحيين يقومون بقتل أفراد الجيش،  مما دفع مجموعات من المدنيين المجهولين من المناطق المجاورة لماسبيرو، للخروج إلى موقع الأحداث والاعتداء بالضرب المبرح والأسلحة البيضاء (السيوف والمطاوى والسكاكين )على  المتظاهرين من المواطنين المسيحيين.  ومن الشائعات الخطيرة أيضاً التى تم ترويجها  قيام المواطنين المسيحيين بحرق المصاحف وتمزيقها، مما ترتب عليه نزول عدد من المدنيين المجهولين والبلطجية إلى منطقة ماسبيرو والاعتداء بالأسلحة البيضاء على أى متظاهر لمجرد أنه مسيحى.

– كما تم الاعتداء على المتظاهرين أيضاً فى المنطقة بين كوبري أكتوبر وعبد المنعم رياض، حيث تم رشقهم بالحجارة من مدنيين مجهولين، وذلك على مرآي من قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزى،  وذلك وفقاً لرواية الشهود.

– ووقع اعتداء آخر أمام المستشفى القبطى فقام عدد من المدنيين المجهولين والبلطجية بالتجمهر حول المستشفى وقاموا بقذف الحجارة وإطلاق الأعيرة النارية  تجاه أهالي المصابين الموجودين أمام المستشفى. ولم تقع إصابات نظرا لإسراع اهالى المصابين بالدخول الى مبنى المستشفى طلبا للحماية. وكانت تلك المجموعات  تردد عبارات (النصارى فين المسلمين اهم والشعب والجيش ايد واحدة )  وبعد ذلك قاموا بإشعال النيران فى احد الأتوبيسات وسيارة ملاكى مملوكة لأحد المواطنين.

– ومن الشهادات الموثقة والملفتة للنظر رواية أحد الشهود حول تعرضه للاعتداء من بعض البلطجية، حيث شاهد عدد من البلطجية يقومون بالاعتداء على متظاهرين حاملين لافته (قانون دور العبادة الموحد) وبتدخله لمناقشة الأمر والاستفسار عن سبب الغضب العارم تجاه اللافتة، سألوه عن ديانته فأخبرهم أنه مسيحي،  فقاموا بالاعتداء عليه وضربه ضربا مبرحا  وقال له أحدهم (مش إنتوا الى جايين تقتلوا الجيش إحنا الى هنقتلكم) وقام بطعنه فى الرقبة مستخدما (مطواة) وألقاه على الأرض، وبعد ذلك تم وضعه فى سيارة قمامة من قبل أمين شرطة لحمايته من البلطجية و تم نقله إلى مستشفى معهد ناصر حيث تم إنقاذه .

6 –  نهاية الأحداث وتفريق المظاهرة :

– فى ما بين الساعة الثامنة و الثامنة والنصف مساء تفرق المتظاهرون متجهين الى منطقة فندق رمسيس هيلتون والى ميدان عبد المنعم رياض وميدان التحرير. وحدثت مواجهات بين المتظاهرين من جانب  و بين الشرطة العسكرية  وقوات الأمن المركزى من جانب أخر،  حيث أطلقت  قوات الأمن المركزى القنابل المسيلة للدموع من أعلى كوبرى أكتوبر، وقامت بإلقاء الطوب والحجارة على  المتظاهرين،  وذلك بمشاركة بعض المدنيين المجهولين الذين خرجوا لمساندة الجيش،  بعد إعلان بعض وسائل الإعلام أن الأقباط يهاجمون الجيش ويعتدون عليه. كما قامت قوات الشرطة العسكرية وقوات الأمن المركزي بمطاردة المتظاهرين وضربهم أسفل الكوبري، وقد تبادل كل من المدنيين المجهولين  الذين خرجوا لمساندة الجيش والمتظاهرين التراشق بالحجارة، وذلك فى المنطقة المحيطة بميدان عبد المنعم رياض حيث احتل المتظاهرون الجانب المؤدى إلى ميدان التحرير، واحتل الجانب المساند  للجيش الجانب المؤدى إلى فندق رمسيس هيلتون . ونتيجة دعوة احد المدنيين المجهولين من المتدخلين لمساندة  الجيش الى نبذ الخلافات والاتجاه الى ماسبيرو مرة أخرى،  اتحد المتظاهرون من المجموعتين اللتين كانتا تتبادلان إلقاء الحجارة على بعضهم البعض فى مشهد مثير للدهشة مرددين عبارات (مسلم مسيحى ايد واحدة) .

– وتوجه المتظاهرون المتواجدون في ميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض و رمسيس هيلتون فى مسيرة مشتركة  إلى ماسبيرو، إلا أنهم فوجئوا بعد دخولهم إلى شارع كورنيش النيل بهجوم قوات الشرطة العسكرية على المسيرة بمشاركة المدنيين المجهولين المساندين للجيش اللذين انضموا إليهم خلال المسيرة مرددين عبارات (الجيش والشعب ايد واحدة – النصارى فين المسلمين اهم )، فيما يبدو أنها خدعة  استخدمت  لدفع المتظاهرين للتخلي عن أماكنهم،  وإخلاء ميدان عبد المنعم رياض وميدان التحرير والتوجه إلى أماكن وجود الشرطة العسكرية فى منطقة ماسبيرو.

– وفى ذات الوقت انتشرت قوات الشرطة العسكرية فى ميدان التحرير والمناطق المحيطة به،  مما أدى إلى تفرق المتظاهرين فى اتجاه شارع رمسيس لعدم قدرتهم على العودة إلى الميدان مرة أخرى، ومن ثم تم فرض حظر التجوال اعتبارا من الساعة الثانية صباحا الى الساعة السابعة صباحا .

ثانيا – دور التليفزيون المصري 

1. وقعت أحداث ماسبيرو أمام مبنى التليفزيون وكان التليفزيون المصرى الرسمى هو المصدر الأساسي والأول للمعلومات لكافة المشاهدين ، وعنه نقلت شاشات أخرى عربية و أجنبية ومصرية خاصة، وهو ما يضاعف من مسئوليته فى عرض الحقائق كاملة بحياد تام وموضوعية وفقا للمعايير المهنية.

2. وللأسف الشديد كانت تغطية التليفزيون المصرى لأحداث ماسبيرو خلال الفترة الزمنية ما بين الساعة السادسة مساءً و نشرة أخبار الساعة التاسعة، وهى أكثر الأوقات حسماً وأهمية وخطورة فيما يتعلق بهذه الأحداث، كانت مضللة ومحرضة ضد المتظاهرين من المواطنين المسيحيين،   حيث عرضت أنباء تتهم المتظاهرين، محددة هويتهم بالأقباط، بإطلاق الرصاص على قوات الجيش و الشرطة ووقوع ثلاثة من القتلى وعدد من المصابين من بينهم. وأغفلت عمداً حوادث القتل والدهس والاعتداء على المتظاهرين، ولم تشر إلى وجود مصابين و شهداء بين المواطنين المسيحيين، مما أدى لاستعداء المشاهدين على المواطنين المسيحيين،  ونزول البعض منهم  بغرض مساندة الجيش ، حيث تم الاعتداء  على المواطنين المسيحيين لمجرد أنهم مسيحيين، كما ورد فى القسم الأول من التقرير.   لقد ظهر أداء التليفزيون الرسمى فقيرا مهنياً و تقنياً، يفتقد المصداقية، وكاد بأخطائه  أن يوقع البلاد في أزمة طائفية حقيقية، لولا لطف الله والمخزون  الحضاري للشعب المصري الذي رفضت جموعه محاولات التحريض والاستعداء ضد المواطنين المسيحيين، فحمت  الوطن ووحدة شعبه من كارثة قومية محققة.

3. ونوجز فيما يلى عرضا لواقع أداء التليفزيون المصرى الرسمى للأحداث خلال الفترة الزمنية ما بين الساعة السادسة مساءً و نشرة أخبار الساعة التاسعة:

– عندما بدأت الأحداث فى التصاعد و أثناءها لم يتغير شريط الأخبار ليدل على حدث جلل و خطير يتعرض له الوطن.  وظل على حاله يحمل أخباراً عالمية و عربية و محلية، وكأن شيئاً لا يحدث على بعد أمتار فقط من مبنى التليفزيون، مما مثل مظهراً مهنياً مختلاً وغائباً عن الإدراك الواعي للأمور. ثم ظهرت كلمة ( عاجل ) و جاء التحديد الأول لهوية المتظاهرين تحت عنوان ( أقباط يرشقون الجنود بالحجارة و مولوتوف من أعلى كوبرى أكتوبر ويحرقون السيارات ) ، ثم توالت الأخبار عن ( ثلاثة شهداء وعشرين مصاباً كلهم من جنود قوات الجيش ) كنتاج أول  للمعركة الدائرة .

– والملاحظ أن كلمة “أقباط” وحدها ظلت تتردد فى شريط الأخبار الثانى تحت عنوان (عاجل) حتى نشرة أنباء التاسعة، دون أية إشارة إلى وجود شهداء ومصابين بين الأقباط، رغم ظهور مشاهد دهس المركبات العسكرية لهم.  ثم احتوى شريط الأخبار مرات عديدة على أنباء إطلاق المتظاهرين الأقباط المحتشدين أمام مبنى التليفزيون النار على قوات الجيش و الشرطة .

– وردت فى نفس الفترة عدة أخبار متلاحقة قرأتها مذيعة الفترة عن مظاهرات للأقباط فى مناطق أخرى من مصر كالإسكندرية و توجههم إلى قيادة المنطقة المركزية الشمالية، ومن أسوان أمام المحافظة ، ومن قنا أمام المطرانية، مما أظهر الأمر وكأن ثورة قبطية بدأت تجتاح البلاد على غير الحقيقة.

– وجاء تقديم السيدة / رشا مجدى مذيعة الفترة الإخبارية للأحداث متوافقاً مع ما ورد أمامها فى شريط الأخبار تحت عنوان (عاجل )، أى ما يتعلق بهجوم الأقباط على أفراد القوات المسلحة و إيقاع قتلى و مصابين بينهم ، وجاء تعليقها عليه بكلمات حماسية غاضبة و عنيفة تتضمن تعليقات شخصية لاتتفق مع واجب الاتزان و الحياد فى أداء المذيع ، فقد ذكرت على سبيل المثال أن الشهداء و المصابين من جنود الجيش سقطوا ليس بأيدى الإسرائيليين أو العدو ولكن بأيدى فئة من أبناء الوطن ، وأن هذا الجيش الذى يُضرب الآن هو الذى حمى الثورة ، وأن هذا الجيش هو الذى يُطلق الرصاص عليه اليوم ، وصرخت كثيراً : لمصلحة من يحدث هذا فى مصر؟ ولماذا يُنقض على الوطن كله ، ودعت الكنيسة لتهدئة المتظاهرين. وهذه أمور كلها لاتتفق مع الأداء الواعى للمذيع المدرك للمصلحة العامة و المدرك لحدود وظيفته ولتأثير أداءه على جموع المشاهدين .

– والجدير بالذكر أن العبارة الشهيرة التى انتشرت بين الناس على أساس ورودها على لسان السيدة رشا مجدى و الخاصة “بدعوتها للمواطنين الشرفاء لإنقاذ أفراد القوات المسلحة من عدوان الأقباط  والحضور إلى منطقة ماسبيرو للمساعدة، لم ترد فى التسجيل الوارد إلينا من وزارة الإعلام، ولم ترد على ال YOUTUBE، مما يعنى أنها لم تدل بها صراحة، الا أن كلماتها النارية فى سياق الأخبار المضللة المذاعة، كانت تستعدى المواطنين ضد الأقباط وتدعو المشاهدين ضمنا للمبادرة بالنزول بغرض مساندة أفراد الجيش.

– ارتكب رئيس تحرير هذه الفترة الإخبارية  خطأً جسيما، بل هو الخطأ الأول و الأساسى الذى ترتبت عليه أخطاء متتالية، إذ أن رئيس التحرير هو المسئول عن الأمر بكتابة الأخبار العاجلة وكذلك الشريط الإخبارى المتحرك على الشاشة و الذى احتوى على الأخبار التى رددتها السيدة المذيعة، حيث أن هذا الشريــط الإخباري كــان يمثــل لها المصدر الوحيد لمعرفة ما يجرى بالخارج.  وكان على رئيس التحرير تقدير مدى خطورة توجيه أصابع الاتهام مسبقاً إلى الأقباط عن طريق التليفزيون، وليس عن طريق جهات التحقيق، خاصة إذا كان الأمر يتعلـق بإمكانيـة حـدوث مواجهـة طائفية دينية خطيرة العواقب فى أنحاء البلاد. وكان عليه أيضاً التثبت من وقوع قتلى و إصابات فى جانب الأقباط بواسطة المراسلين للتليفزيون الموجودين خارج المبنى – و كانوا قله – لتضمينها فى الشريط الإخبارى، وهو ما يتفق مع التزامه بعرض الحقيقة كاملة  بدون اجتزاء أو انحياز،  ويلزم  لمصداقية الجهاز الذى يمثله .

– كما كان على رئيس قطاع الأخبار أن يتابع مجريات هذا الحدث الخطير بنفسه أثناء حدوثه و إصدار توجيهاته و تعليماته لتصحيح مسار إذاعته أولاً بأول، بدلاً من التمادى فى أخطاء متلاحقة حدثت و تكررت على مدى زمنى طويل دون أن يتدخل لإيقافها و تغييرها .

– جاءت التغطية الإخبارية لقناة النيل للأخبار متوافقة مع تغطية قطاع الأخبار لنفس الحدث و إن تميز مذيعو الفترة ببعض الهدوء. وكانت التغطية فى نفس الاتجاه  وبنفس نوعية الأخبار و المضمون والصياغة، ولكن بدون تعليق شخصى للمذيعين، مما يشير إلى أن المصدر الخبرى كان واحداً لقنوات التليفزيون الرسمية. ولم يتحدد ان كان المصدر وكالة أنباء الشرق الأوسط أو رئيس قطاع الأخبار أو مراسلى التليفزيون خارج المبنى أو مصدر آخر غير معلوم أو معلن حتى الآن .

-وتعد من أخطر الفقرات الإخبارية التى وردت فى التليفزيون المصرى فيما يتعلق بهذه التغطية، ما عرض من خلال عيادة الرعاية الطبية التابعة لإتحاد الإذاعة والتليفزيون و الموجودة فى مبناه فى ماسبيرو، ومن لجأ إليها من مصابين وجرحى من أفراد الشرطة العسكرية و الأمن المركزى، مما أوغر صدر المشاهدين تجاه المعتدين، اللذين اعتبروهم أقباطا،  خاصة و أنه لم يكن قد أشير بعد إلى  أى أنباء عن قتلى أو جرحى  من جانب المواطنين المسيحيين أو عرض أى تقارير عن دهس وقتل المتظاهرين.

– بالإضافة لما سبق، أصبحت بعض القنوات الفضائية الدينية المتطرفة والمنتشرة على قمر النايل سات للأسف ملجأًّ للكثير من المصريين فيما يتعلق بأمورهم الدينية. وقد كان أداء تلك القنوات  مُحرضاً تحريضاً صريحاً على نسف التعايش بين المواطنين المسلمين و المسيحيين  فى مصر، أثناء و عقب أحداث ماسبيرو،  وهو ما يهدد   بتقويض أحد أهم مقومات الدولة المصرية الحديثة، نتيجة لحالة الاستعداء و التحريض التى تمارسها هذه الفضائيات تجاه المواطنين المسيحيين  فى مصر، مما يبرز أهمية التصدي لهذه الممارسات  بحسم وسرعة سواء فيما يتعلق بالقنوات الإسلامية أو المسيحية المتطرفة والتى تستعدى أصحاب الأديان كل منهم على الآخر .

ثالثا- البيانات المتاحة من وزارة الصحة عن الضحايا والمصابين

بناء على الطلب المقدم من لجنة تقصى الحقائق التى شكلها المجلس القومى لحقوق الإنسان الى وزارة الصحة والسكان للإفادة عن أعداد المتوفين والمصابين فى أحداث ماسبيرو موضحا فيه أسباب الوفيات التى وقعت خلال الحادث ونوع الإصابات وطبيعتها قامت الوزارة بإرسال تقريرا طبيا مشتملا على الآتى:

(أ‌) بيان مؤرخ فى  13/10/ 2011 بأعداد المتوفين اللذين استقبلتهم المستشفيات السالف ذكرها فى  تاريخ وقوع الأحداث واللذين توفوا نتيجة الأحداث أو فارقوا الحياة بعد إحالتهم إلى المستشفيات، وقد بلغت حالات الوفاة الناتجة عن الأحداث والتى استقبلتها المستشفيات المختلفة 17 حالة وفاة  فى المستشفى القبطى، وحالة واحدة فى مستشفى المنيرة، و حالتين فى مستشفى معهد ناصر، وحالة فى مستشفى كوبرى القبة العسكرى، و4 حالات فى مستشفى شبرا العام. وبلغ العدد الاجمالى للمتوفيين فى المستشفيات السالف ذكرها 25 متوفى، وفقا لبيان وزارة الصحة.

(ب‌) حدد البيان الصادر من وزارة الصحة أعداد المتوفين وأسمائهم، ولكنه لم يحدد سبب الوفاة مشيرا إلى أن حالات الوفيات تحت تصرف النيابة العامة.

والجدير بالذكر أن اللجنة حصلت من أسر الضحايا على صور من شهادات الوفاة أو التبليغ عن الوفاة أو تصاريح الدفن، مدرجا عليها سبب الوفاة المحدد بمعرفة الطبيب الشرعى. وتبين من هذه المستندات ما يلى:

• أن العدد الإجمالى للضحايا المتوفين 28 بزيادة 3 حالات عن البيان الوارد من وزارة الصحة، منهم حالتين بالمستشفى القبطى بعد تاريخ البيان وحالة أخرى  بمستشفى السلام بالمهندسين.

• أن عدد الضحايا المتوفين فى المستشفى القبطى 19 شهيدا، منهم 11  توفوا نتيجة إصابات رضية هرسية بسبب الدهس، و7 بطلق ناري فى الصدر أو الرأس، ولم نتمكن من الحصول على المستندات المبينة لسبب وفاة الشهيد الباقي. كما توفى أحد الضحايا بمستشفى السلام بالمهندسين فى 16/10/ 2011   بإصابة رضية بالرأس أيضا بسبب الدهس. وتوفى مواطن مسيحى نتيجة كسر قطعى يفروة الرأس وعظام الوجه وتهتك بالمخ. وكان قد حضر متوفيا لمستشفى معهد ناصر.  كما جاء فى بيان مستشفى المنيرة العام الوارد من وزارة الصحة أن أحد ضحايا ماسبيرو حضر متوفيا مع وجود نزيف من الأنف وكدمة.  وبذلك يصبح عدد الضحايا المتوفين من المواطنين المسيحيين نتيجة الدهس 12 شهيدا، و نتيجة الإصابة بطلق ناري فى الصدر أو الرأس 7 شهداء، و2 نتيجة إصابات أخرى، وفقا لما توفر لدينا من مستندات، ولم يستدل على مستندات تبين سبب الوفاة للضحايا السبعة الباقين حتى تاريخ هذا التقرير.

(ت‌) بيان مؤرخ فى 13/10/ 2011 بأعداد المصابين بالمستشفيات التى تم إحالتهم ليها يوم الأحد الموافق 9/10/ 2011 موضحا فيه أسماء المستشفيات التى تم إحالة المصابين إليها وهى المستشفى القبطى، وأحيل إليها 69 مصاب، ومستشفى المنيرة وأحيل إليها 9 مصابين، ومستشفى معهد ناصر وأحيل إليها 68 مصاب، والمستشفى الايطالي وأحيل إليها 10 مصابين، ومستشفى الهلال وأحيل إليها 42 مصاب، ومستشفى القصر العينى وأحيل إليها 11مصاب، ومستشفى بولاق العام وأحيل إليها 14 مصاب، ومستشفى الإصلاح الاسلامى وأحيل إليها 4 مصابين، ومستشفى القصر العينى الفرنساوى وأحيل إليها مصاب، ومستشفى كوبري القبة العسكري وأحيل إليها 33 مصاب، ومستشفى المعادى العسكري وأحيل إليها 4 مصابين، ومستشفى الحلمية العسكرى وأحيل إليها 37 مصاب،ومستشفى شبرا العام و لم يحل إليها مصابين وان تم إحالة عدد 4 من الوفيات، ومستشفى الساحل التعليمي وأحيل إليها 6 مصابين، ومستشفى التحرير المركزي وأحيل إليها 3 مصابين، ومستشفى المحبة وأحيل إليها 8 مصابين، ومستشفى صيدناوى وأحيل إليها مصابين، ومستشفى فلسطين وأحيل اليها مصاب واحد. وبلغ العدد الاجمالى للمصابين اللذين تم إحالتهم إلى المستشفيات فى تاريخ وقوع الأحداث 321 مصاب خرج منهم 229  مصاب لتحسن حالته، بينما بقى 92 مصاب منهم تحت الإشراف والرعاية الطبية بالإضافة إلى 19 مصاب أسعف وترك موقع البلاغ.

والجدير بالذكر أن بيان وزارة الصحة لم يشر إلى تقييم حالة المصابين فى مستشفيات كوبري القبة العسكري، والمعادى العسكري، والحلمية العسكرى، مضيفا عبارة “تعذر الحصول على بيانات” واقتصر البيان على الإشارة لحالة وفاة واحدة وقعت فى مستشفى القبة العسكرى.

(ث‌) حدد البيان الصادر من وزارة الصحة أعداد المصابين وأسمائهم وطبيعة الإصابة والإجراء الطبى المتخذ حيالهم فى كل من مستشفيات (المنيرة العام ومعهد ناصر للبحوث والعلاج و القصر العينى الفرنساوى والهلال والاصلاح الاسلامى ) وذلك وفقا لتاريخ وقوع الأحداث، فى حين لم تتضمن الكشوف الخاصة بباقى حالات الإصابة والتى استقبلتها المستشفيات الأخرى تلك البيانات.

(ج‌) من خلال البيانات التى تم تحليلها للتقرير المقدم من وزارة الصحة عن  المستشفيات الخمس (المنيرة العام ومعهد ناصر للبحوث والعلاج و القصر العينى الفرنساوى والاصلاح الاسلامى )  التى ورد منها معلومات  عن أعداد المصابين وطبيعة إصابتهم وتحديد صفاتهم تم التوصل إلى الآتى :

• بلغ عدد المصابين اللذين استقبلتهم المستشفيات الخمس 146 مصاب منهم  71 مواطن مدني و46 عسكري و29 من أفراد الشرطة.

• كانت طبيعة الإصابات التى وقعت بين صفوف المدنيين والعسكريين وقوات الأمن المركزي كالآتي :

– المدنيين :أسفر تحليل البيانات الواردة فى التقرير عن وقوع 5 إصابات نتيجة طلق  نارى و4 اشتباه بالإصابة بطلق نارى لم يتأكد فى تاريخ البيان. وكانت طبيعة الإصابات الأخرى وفقا لمعدل وقوعها تتمثل فى 20 إصابة بجروح قطعية فى أماكن متفرقة، و تلاها الكدمات وتمثلت فى 19 إصابة، تلاها الكسور وتمثلت فى 7 إصابات، تلاها ضيق التنفس والاختناق 6 إصابات، تلاها إصابات فى أماكن متفرقة فى الجسد تمثلت فى 7 إصابات، وأخيرا  الحروق  وتمثلت فى إصابة واحدة .

– أفراد الجيش :أسفر تحليل البيانات الواردة فى التقرير عن وقوع 3 إصابات نتيجة طلق نارى. وكانت طبيعة الإصابات الأخرى وفقا لمعدل وقوعها تتمثل فى 27 إصابة فى أماكن متفرقة،  والكدمات وتمثلت فى 9 إصابات، والجروح وتمثلت فى 8 إصابات. ولم يشر التقرير لوقوع اى إصابات بكسور او حروق او اختناقات.

– أفراد الأمن المركزى : لم ترد فى بيانات وزارة الصحة إشارة إلى  اى إصابة  بأعيرة نارية وذلك فيما يتعلق بالمعلومات التى وردت عن الخمس مستشفيات  المذكورين آنفا (المنيرة العام ومعهد ناصر للبحوث والعلاج و القصر العينى الفرنساوى والهلال والإصلاح الاسلامى). وكانت طبيعة الإصابات الأخرى وفقا لمعدل وقوعها تتمثل فى 17 إصابة فى أماكن متفرقة، و6 إصابات بجروح قطعية بأماكن متفرقة،  وإصابتين بكسور، وإصابتين بكدمات، وإصابة مجند بحالة نفسية من جراء الأحداث، ولم يشر البيان لأى إصابات باختناقات أو حروق . والجدير بالذكر أن وزارة الداخلية أكدت فى ردها عدم وقوع أى وفيات بين قواتها وإصابة 66 (5 ضباط و3 أفراد و58 مجند) دون تحديد لطبيعة الإصابات.

رابعا – خلفية أحداث ماسبيرو

1- أحداث الاعتداء على الكنائس وتراجع سيادة القانون

 تشهد مصر منذ 1970 عددا من العمليات من قبل جماعات العنف المسلح لبعض التيارات الإسلامية المتطرفة التي استهدفت المواطنين المسيحيين والكنائس. وكان من أبرز الأحداث حادثة كنيسة الخانكة بمحافظة القليوبية والتي صدر بمناسبتها تقريرا فى نوفمبر 1972 من لجنة لتقصى الحقائق برئاسة د. جمال العطيفى، تضمن توصيات من أهمها إخضاع تراخيص بناء أو ترميم الكنائس للقواعد العامة للبناء التى تسرى على بناء المساجد، وضرورة احترام حق المواطنين المسيحيين الدستوري فى ممارسة شعائرهم الدينية دون تمييز، بالإضافة لإتاحة تدريس الدين المسيحي للتلاميذ المسيحيين فى المدارس، على أن تتسم دروس الدين، سواء للمسلمين أو المسيحيين، بالبعد عن التعصب، وضرورة إخضاع المساجد الأهلية  لإشراف وزارة الأوقاف.  وتمثل بعض هذه التوصيات أهم المطالب التى لم يتم الاستجابة لها حتى تاريخ هذا التقرير، وهو ما يوضح سبب تكرار أحداث العنف ضد الكنائس والمواطنين المسيحيين، مادامت الحكومة المصرية لا تملك شجاعة  مواجهة الأسباب الحقيقية للعنف الطائفي واتخاذ ما يلزم من إجراءات وسياسات وإصدار التشريعات لمعالجتها.

– ونذكر منها على سبيل المثال الأحداث الآتية:  كنيسة أخميم (1970) والخانكة (1972) والزاوية الحمراء (1981)، أبو قرقاص (1987)، إمبابة (1990)،  ديروط وصنبو (1992 ) والكشح 1 (1998) والكشح 2 (1999 ) والاعتداء على كنيسة مارجرجس في الإسكندرية فى 2005  وأربع كنائس فى الإسكندرية فى 2006  ، و تلى ذلك حادث كنيسة العياط فى 2007 ودير أبوفانا بالمنيا فى 2008 وحرق كنيسة مارمرقس بالفيوم فى 2009، ثم جاءت مذبحة كنيسة نجع حمادي بعد صلاة قداس عيد الميلاد فى 2010 ، ثم أحداث تفجير كنيسة االقديسين فى الاسكندرية ليلة الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية فى أول يناير 2011.

– ورغم المشهد المذهل للتلاحم بين فئات المجتمع المصرى خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011،  سرعان ما تبددت الصورة المثالية لهذا التلاحم الذى ظهر أثناء الثورة، وتجددت أعمال الاعتداءات على الكنائس وظهر ذلك فى حرق كنيستى ” مارمينا ومارجرجس”  فى قرية “صول” بمركز أطفيح محافظة حلوان فى 4/3/2011، والتي بدأت واستمرت بعدها مظاهرات ماسبيرو اثر حوادث أبو قرقاص فى المنيا فى أبريل 2011،  وكنيستى مارمينا والعذراء بإمبابة فى مايو 2011، وأخيرا حادث هدم كنيسة الماريناب بأسوان الذي فجر المظاهرة وماترتب عليها من أحداث مذبحة ماسبيرو فى 9 أكتوبر2011 .

– ورغم أن معظم الأحداث الطائفية الجسيمة اقترنت بالتشاحن حول بناء أو ترميم الكنائس، إلا أنها عكست العديد من الأبعاد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، إذ تمحورت حول مسائل التحول الدينى والزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين، والعلاقات العاطفية بين الشباب من الديانتين، والخلافات حول المصالح الاقتصادية. وساهمت الفضائيات خاصة الدينية، والإعلام الالكتروني على زيادة التعصب الدينى وانتشار لغة التجريح والتكفير.

– وفى جميع هذه الأحداث التى استهدفت الاعتداء على المواطنين المسيحيين وحرق أو هدم الكنائس خلال  العقود الأربعة الماضية ، تمت معالجة هذا الملفات من جانب السلطات العامة باعتبارها ملفات أمنية، وكانت الجلسات العرفية للصلح تحت إشراف الأمن والمشايخ والكنيسة هى الوسيلة الوحيدة المستخدمة لإطفاء الفتنة، وهو ما أدى إلى إذكاء الفتنة، حيث لم يتم استخدام الأدوات والوسائل التشريعية أو السياسية أو الاجتماعية والثقافية اللازمة لنزع جذورها  والتصدي لأسبابها الحقيقية بحلول تنفذ على المدى القصير والطويل. كما حالت الخشية من تفاقم أحداث الفتنة الطائفية دون تطبيق القانون لمحاسبة وردع مرتكبي هذه الجرائم، أو الإسراع بمحاكمة الجناة خاصة فى جرائم القتل، وتراخى تنفيذ الأحكام القضائية،  فاستمرت وتكررت الحوادث الدامية على نحو متواتر دون مواجهة حقيقية من الحكومة المصرية ، مما كرس لدى المواطنين المسيحيين الشعور بالتمييز ضدهم بسبب الدين، خاصة فى ظل ندرة شغلهم لمناصب قيادية فى مؤسسات الدولة أو عضوية المجالس النيابية وعدم تعيينهم فى بعض المناصب الحساسة مثل المخابرات العامة والرقابة الإدارية، فزاد انتماؤهم للكنيسة على حساب المشاركة السياسية والانتماء للوطن.

2- غياب الأمن وزيادة التعصب الدينى

– نتيجة لغياب الأمن، وزيادة التعصب الدينى، برز خطاب ديني من بعض قيادات الجماعات وقوى الإسلام السياسي،  يتعارض مع مبادئ الدستور الأساسية بل ومبادىء الشريعة الاسلامية، فيما يتعلق بموقف الإسلام من غير المسلمين، كما ارتفع صوت من يطالبون بتطبيق الحدود ووقعت تطبيقات مروعة،حيث قام بعض المتطرفين بإقامة الحد على مواطن تنفيذا لحكم عرفي أدى لإصابته بعاهة مستديمة، دون أى احترام لسيادة القانون.   بالإضافة إلى  ذلك، زادت وتواترت  حوادث الاعتداء على المواطنين المسيحيين وحرق وهدم الكنائس منذ يناير 2011، سواء قبل الثورة أو بعدها، فى ظل غياب أمنى غير مقبول، على نحو يشير إلى وجود أصحاب مصالح فى إشعال الفتنة الطائفية فى مصر. وترتب على كل ذلك، تحرك بعض قطاعات من المواطنين المسيحيين  للدفاع عن وجودهم والمطالبة بحقوقهم كمصريين، انطلاقا من الانتماء الديني.

3- حادثة هدم وحرق كنيسة الماريناب وتجاهل توصيات لجنة العدالة الوطنية

– في ظل غياب الأمن وتراجع دولة المواطنة والقانون، ظهرت على مسرح الأحداث كنيسة المريناب بادفو بأسوان والتي وثق تقرير تقصى الحقائق الصادر من لجنة العدالة الوطنية المشكلة بقرار من رئيس مجلس الوزراء أنه تم حرقها وهدمها، بمعرفة المواطنين المسلمين فى القرية، بالرغم من حصولها على التراخيص وقبول كاهنها هدم الارتفاعات المخالفة وعدم تعليق صلبان أو أجراس لإرضائهم، وهو ما يمثل تمييزا صارخا ضد المواطنين المسيحيين، وقام المعتدون باحتجاز المواطنين المسيحيين لمدة ثلاثة أيام دون مؤن أو غذاء.

– وبالرغم من التحذيرات المبكرة ، من المجلس القومى لحقوق الإنسان، إلا أن الحكومة المصرية اتبعت نفس الأسلوب التقليدي والمسكنات التي تم استخدامها خلال الأربعين عاما السابقة دون احترام لسيادة القانون، وتأخرت في مواجهة تداعيات الحدث، وتراخت فى تنفيذ توصيات لجنتها للعدالة الوطنية، ولم تبادر بمحاسبة من خالفوا القانون، بالإضافة إلى تراخيها فى إصدار القانون الموحد لبناء وترميم دور العبادة . كل ذلك أدى مباشرة إلى مظاهرة ومحاولة اعتصام ماسبيرو فى 4 أكتوبر والتي تم فضها بالقوة المفرطة من الشرطة العسكرية، ثم مظاهرة 9 أكتوبر التي انتهت للأسف الشديد بمذبحة ماسبيرو والتي راح ضحيتها 27 شهيدا من المواطنين المسيحيين وشهيدا من جنود القوات المسلحة وما يتجاوز  321مصاب.

4- التراخي في إصدار القانون الموحد لبناء وترميم دور العبادة وقانون مكافحة التمييز

– عمل المجلس القومي لحقوق الإنسان منذ إنشائه في 2004   على تفعيل مبدأ المواطنة وما يتفرع عنه من منظومة كاملة من الحقوق والحريات، وفي هذا السياق قام بمتابعة ما يجري في الواقع المصري من أحداث تتعلق بحقوق المواطنة والحريات الدينية، وعقد حولها العديد من المؤتمرات والندوات وجلسات الاستماع ،  وأعد أكثر من مقترح بمشروع قانون موحد لبناء وترميم دور العبادة منذ 2006. كما أعد مقترحاً بمشروع قانون لتكافؤ الفرص ومنع التمييز في 2008  ، إضافة إلى التعديل الدستوري الذي تم بموجبه فى مارس 2007 النص فى المادة الأولى من الدستور المصري على مبدأ المواطنة كأساس لعلاقة المواطنين بالدولة. وقام المجلس بإيفاد بعثات لتقصي ورصد الحقائق لأغلب الأحداث الطائفية التي وقعت فى مصر، وتقدم بالعديد من التوصيات للجهات المختصة لتعزيز المساواة ومنع التمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو الأصل أوالدين أو العقيدة أو المكانة الاجتماعية أو الإعاقة.

– واستند مشروع القانون الموحد لبناء دور العبادة إلى أن تراخيص بناء وترميم دور العبادة يجب أن تخضع لقواعد فنية وإجرائية عامة ميسرة وواضحة وموحدة، باعتبار أن تراخيص واشتراطات البناء أو الترميم تشكل جزءا من علاقة المواطن بالدولة والتي تلتزم بإصدارها عند استيفاء شروطها وفقا للقانون، بصرف النظر إذا كان محل الترخيص مسجدا أو كنيسة. كما نظم مشروع القانون إجراءات الحصول على التراخيص وحدد الجهة المختصة والحد الأقصى للمدة اللازمة لإصدار الترخيص. ونص المشروع على سريان القانون الموحد للبناء فيما لم يرد فيه نص. وقد قدم المجلس مشروعه للحكومة عدة مرات قبل ثورة 25 يناير كما قدم مشروعا محدثا بعد الثورة اثر أحداث كنيسة صول باطفيح فى مارس 2011 .

– إلا أن الحكومة تباطأت فى إصدار القانون إلى أن ظهرت أخيرا اتجاهات تطالب بقانون منفصل لبناء كل من المساجد والكنائس، دون مبررات واضحة. والجدير بالذكر أن القواعد الفنية والإجرائية العامة واشتراطات التراخيص للبناء أو الترميم لا دخل لها بالدين، ولذا فمن غير المتصور أن تختلف فى حالة بناء مسجد أو كنيسة. أما إذا كانت هناك اشتراطات ذات خصوصية، فيمكن إفراد قسم خاص فى القانون يضم تلك الشروط الخاصة لكل من المسجد أو الكنيسة أو أي دار أخرى للعبادة يرخص القانون بإنشائها.

– كما أعد المجلس مشروعا لقانون تكافؤ الفرص ومنع التمييز يقوم على المحاور الآتية:

1- وضع قواعد تشريعية مفصلة تحدد التزامات كافة مؤسسات الدولة العامة والخاصة فيما يتعلق باحترام مبادئ تكافؤ الفرص وحظر التمييز بين المواطنين، ووضع العقوبات المناسبة لمخالفتها، وذلك على وجه الخصوص فى مجالات العمل والتوظف وتولى الوظائف العامة والترقى والتدريب والتأهيل والتعليم والإعلام وغير ذلك من المجالات.

2- إنشاء آليات مؤسسية لمراقبة تنفيذ القانون، سواء على نحو إيجابى بإلزام مؤسسات الدولة العامة  والخاصة بوضع وتنفيذ خطة لتحقيق هذه المبادئ على أرض الواقع، أو سلبا بكشف المخالفات واتخاذ الإجراءات الرادعة لوقفها والحصول على التعويض لضحاياها.

3- وضع نظام إجرائى يسمح بالحصول على أوامر وقتية بوقف الانتهاكات بسرعة وضمانات الانتصاف والعدالة لضحايا الانتهاكات.

4- دعم ونشر ثقافة المساواة وعدم التمييز بين المواطنين ومبدأ تكافؤ الفرص من خلال التوعية بالحقوق التى يؤكدها القانون ودعم تطبيقه، وكذلك من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية.

– وقدم المجلس مشروعه للجهات المختصة ووعدت الحكومة بإصداره، إلا أنها اكتفت بإصدار تعديل لقانون العقوبات يضع عقوبة على جريمة التمييز بين المواطنين. ومع تقديرنا لهذه الخطوة الايجابية، الا أنها غير كافية لأنها اقتصرت على الأثر العقابي الرادع للقانون وأغفلت الجانب الاصلاحى، والذى يقتضى إنشاء آلية لمراقبة التنفيذ وتفعيل القانون بهدف مكافحة ثقافة التمييز وتعزيز ثقافة المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين.

خامسا – المرجعية القانونية والانتهاكات

1- المرجعية القانونية لتقرير لجنة تقصى الحقائق عن أحداث ماسبيرو

– تعد المرجعية القانونية لتقرير لجنة تقصى الحقائق عن أحداث ماسبيرو 9/10/2011 خلفية ضرورية لفهم البيئة التشريعية الحاكمة لتلك الأحداث  وإسنادها إلى الإطار القانونى الحاكم والمنظم لها،  بالمواثيق والمعايير الدولية الواجبة التنفيذ فى مصر، من ناحية، والتشريعات الوطنية السارية من جانب آخر، على النحو الموضح تفصيلا فى الملحق (1) لهذا التقرير.

–  وتتمثل المواثيق والمعايير الدولية فى (أ) العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتى صدقت عليه الحكومة المصرية بقرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 536 لسنة 1981 ونشر  بالجريدة الرسمية  –  العدد 15  – في 15 إبريل سنة 1982، وأصبح قانون من قوانين البلاد إعمالا للمادة 151 من الدستور، و(ب)مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين،  الصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة – الجلسة العامة 106- 17 ديسمبر 1979 و(ج) مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين -1990.

– كما تتمثل التشريعات الوطنية فى أحكام الإعلان الدستورى المتعلقة بحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية وحرية الرأى والتعبير و الحق فى التظاهر السلمى، بالإضافة لقرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964 فى شأن قواعد  وشروط إطلاق النار على المتظاهرين، والقانون 109 لسنة 1979 بشأن هيئة الشرطة، والقانون 10 لسنة 1914 بشأن التجمهر المعدل بالقرار الجمهورى بقانون 87 لسنة 1968 والقانون 14 لسنة 1923 بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة والمظاهرات فى الطرق العمومية، وأخيرا المرسوم بقانون 34 لسنة 2011 بتجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت.

– ومن القراءة فى مضمون كل من المعايير الدولية ذات الصلة والتشريعات الوطنية والنظم المعمول بها فى الحكم على مدى مراعاة وكفالة الحقوق المتعلقة بمضمون التقرير،  وهى  الحق فى عدم التمييز وحرية الرأى والتعبير والمعتقد وعدم التعرض للاضطهاد بسبب الدين أو التمييز العنصرى، وتتناول أيضا قواعد استخدام القوة والأسلحة النارية فى فض التظاهرات، يتبين أن القوانين والتشريعات الوطنية، وان كانت تضع تنظيما  لتلك الحقوق، إلا أنها لم تكفل من الضمانات فى نصوصها ما يجعل الحقوق الواردة فيها  جديرة بالتطبيق، وغير عصية على الانتهاك أو التجاوز. فقد أفردت تلك القوانين العديد من القيود التي تحد من ممارسة تلك الحقوق، بما يخل  بالقدرة على ممارستها فى الإطار الذي شرعت من اجله دون أن تصطدم بنصوص تشريعية تجرمها أو تضع عقوبات جزائية لها، وهو الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر فى تلك القوانين، التى صدر بعضها فى أوائل القرن العشرين، وإصدار تشريعات جديدة تتسق مع القواعد الحقوقية والمعايير الدولية ذات الصلة فى التوجه والمضمون .

2- الانتهاكات  التي ارتكبت خلال أحداث ماسبيرو:

انتهاك الحق فى الحياة وجرائم القتل العمد بإطلاق النار

– بلغ عدد الضحايا نتيجة انتهاك الحق فى الحياة بإطلاق النار على الرأس والصدر وهو ما يشكل جرائم قتل عمد، 8 حالات ( 7 من المواطنين المسيحيين و حالة واحدة من العسكريين)، وذلك وفقا لشهادات الوفاة التى صدرت لأسر الضحايا والتى أمكن الحصول عليها حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، وبيانات وزارة الصحة التى أكدت وفاة أحد جنود الشرطة العسكرية.

– وينتظر وفقا لتقديرات اللجنة أن تتزايد تلك الأعداد لعدم التمكن من الحصول على المستندات الدالة على سبب الوفاة لعدد 7 من الضحايا من المواطنين المسيحيين حتى تاريخه. كما أن التليفزيون المصري كان قد أعلن عن وفاة 3 من العسكريين ثم نفى ذلك، و لم تصدر أو توافى اللجنة بأى بيانات رسمية فى هذا الشأن.

– وقد تعددت الشهادات التى حصلت عليها اللجنة عن مصدر إطلاق النيران وأفاد العديد في شهاداتهم أن الذخيرة الحية كان مصدرها  الشرطة العسكرية، باستخدام البنادق الآلية ضد المتظاهرين ، وقد نفى مسئولون فى القوات المسلحة إطلاق النيران على المواطنين أو وجود الذخيرة الحية مع القوات المتواجدة خارج مبنى ماسبيرو، ويؤيد ذلك العديد من الشهادات التي أكدت استخدام الشرطة العسكرية لطلقات الفشنك وأنها لم تستخدم الذخيرة الحية.

– وأكد عدد من الشهود أن بداية إطلاق النار كانت من خلال عدد من المدنيين المجهولين اندسوا على المتظاهرين واختلطوا بالمظاهرة  بدراجات بخارية (موتوسيكلات) فى الاتجاه المعاكس لماسبيرو، وقاموا بإطلاق النار على المتظاهرين وعلى قوات الشرطة العسكرية. ويؤيد ذلك  شهادة أخرى  أكدت رؤية  قناص مسلح على مطلع كوبري أكتوبر المواجه للمبنى المجاور لفندق رمسيس هيلتون يطلق الرصاص على المتظاهرين والشرطة العسكرية وحوله مجموعة تساعده، والعديد من الشهادات التي أكدت تعرض المظاهرة لإطلاق الرصاص الحي مرتين أتناء مسيرتها من شبرا إلى ماسبيرو، عند نفق شبرا وكوبري 26 يوليو.

– وفى ظل عدم توفر المعلومات وعدم إعلان تقارير الطب الشرعي التفصيلية حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، وعدم إمكان التوصل إلى أدلة حاسمة على مصدر إطلاق الرصاص الحي، تقع مسؤولية تحديد هوية المدنيين المجهولين ومحرضيهم من مرتكبي هذه الانتهاكات التى تشكل جرائم قتل عمد على عاتق جهات التحقيق المختصة، خاصة وأن لديها حالتين من المصابين من المتظاهرين بطلق ناري غير نافذ وتم إخراج الطلقات بما قد يمكنهم من تحديد مصدرها.

انتهاك الحق فى الحياة  وجرائم القتل دهسا

– بلغ عدد الضحايا من المواطنين المسيحيين نتيجة انتهاك الحق فى الحياة مما يشكل جرائم قتل  نتيجة الدهس من المركبات المدرعة فى موقع الأحداث  12  حالة، وذلك وفقا لشهادات الوفاة التى صدرت لأسر الضحايا حتى تاريخ إعداد التقرير. وينتظر وفقا لتقديرات اللجنة أن تتزايد هذه الأعداد لعدم التمكن من الحصول على المستندات الدالة على سبب الوفاة لعدد 7 من الضحايا من المواطنين المسيحيين حتى تاريخه.

– والثابت أن القوات العسكرية المتواجدة فى موقع الأحداث استخدمت المركبات المدرعة لتفريق وفض المتظاهرين ، بأن اجتازت  المركبات المدرعة شارع كورنيش النيل ذهابا وإيابا بسرعة بالغة وسط حشود غفيرة من المتظاهرين،  ليسقط 12 من المواطنين على الأقل  تحت إطاراتها، مما يشكل انتهاكات جسيمة للحق فى الحياة، وإخلال صارخ بالالتزامات  الواجبة على المسئولين عن إنفاذ القانون وحماية المتظاهرين، ليرتقى بها إلى مرتبة القتل العمد.

الاعتداءات البدنية ، والإصابات المتخلفة عن قمع المتظاهرين:

– على اثر تقدم المتظاهرين إلى شارع كورنيش النيل واقترابهم من المنطقة المحيطة بمبنى ماسبيرو،  استخدمت قوات الشرطة العسكرية  الدروع والعصى الخشبية لفض وتفريق المظاهرة، فوقعت العديد من الإصابات للمواطنين المدنيين.  ونتيجة استخدام القوة فى فض التظاهر وإطلاق الرصاص الفشنك من الشرطة العسكرية، وقعت حالة من الفزع الشديد بين المتظاهرين وتراجعوا بأعداد كبيرة وبسرعة شديدة، فى اتجاه فندق رمسيس هيلتون وميدان عبد المنعم رياض وميدان التحرير،  مما أدى لإصابة الكثيرين بإصابات مختلفة. وكل ذلك يمثل انتهاكا للحق فى السلامة البدنية للمتظاهرين السلميين، وإخلالا بالالتزامات  الواجبة على المسئولين عن إنفاذ القانون بحماية والحفاظ على سلامة المتظاهرين، مما يشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

– وقد قامت قوات الأمن المركزى بالصعود إلى أعلى كوبرى أكتوبر وألقت بالقنابل المسيلة للدموع والحجارة على المتظاهرين، فى محاولة لتفريقهم من منطقة أسفل الكوبرى،  مما أسفر عن إصابة العديد من المتظاهرين. وعلى الجانب الآخر، تم الاعتداء على المتظاهرين العزل من قبل مجموعات من المدنيين المجهولين والبلطجية مستخدمين الأسلحة البيضاء، تحت سمع وبصر قوات الشرطة العسكرية خلف ماسبيرو،  كما قام العديد من المدنيين المجهولين والبلطجية، أيضا فى وجود قوات الشرطة العسكرية والأمن المركزى،  بالاعتداء على المتظاهرين فى المنطقة المحيطة بفندق رمسيس هيلتون. وكل ذلك يمثل انتهاكا جسيما للحق فى السلامة البدنية، وإخلالا بالالتزامات  الواجبة على المسئولين عن إنفاذ القانون بحماية والحفاظ على سلامة المتظاهرين، مما يشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

– وقد سمحت قوات الشرطة العسكرية المتمركزة فى ميدان التحرير بعبور أشخاص يرددون هتافات طائفية إسلامية عدائية ضد المواطنين المسيحيين، مما أدى إلى وقوع العديد من الاعتداءات الجسدية والتحرشات ضد مواطنين مسيحيين، وقام بعض المدنيين المجهولين والبلطجية بالتواجد فى منطقة عبد المنعم رياض واستيقاف المواطنين والاعتداء على كل مواطن لمجرد أنه  مسيحى. وكل ذلك يمثل انتهاكا جسيما للحق فى السلامة البدنية، وتمييزا صارخا بسبب الدين، وإخلالا بالالتزامات  الواجبة على المسئولين عن إنفاذ القانون بحماية والحفاظ على سلامة المتظاهرين، مما يشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

– وقد نتج عن كل ما سبق وفقا لبيانات وزارة الصحة ما يجاوز 321 مصاب من المدنيين والعسكريين والأمن المركزى، بالإضافة إلى 19 مصاب تم إسعافهم بالمستشفيات.

إتلاف الممتلكات العامة  والخاصة

تمثل ذلك فى قيام المدنيين المجهولين وبعض المتظاهرين بإشعال النيران فى إحدى المركبات  المدرعة اثر عمليات الدهس للمواطنين، و أتوبيس ناقل للجنود وأيضاً تحطيم وإشعال النيران فى عدد من السيارات الخاصة  الموجودة فى موقع الأحداث . كما قام عدد من المدنيين المجهولين والبلطجية بإشعال النيران فى بعض السيارات الخاصة بالقرب من المستشفى القبطى. وكل ذلك يمثل جرائم يعاقب عليها القانون، بالنسبة لمرتكبى تلك الجرائم، كما يمثل إخلالا بالالتزامات  الواجبة على المسئولين عن إنفاذ القانون بحماية والحفاظ على سلامة المتظاهرين والممتلكات العامة والخاصة.

سادسا – الخلاصة والتوصيات

– تعد أحداث ماسبيرو نقطة تحول فارقة تهدد أحد أهم  مقومات المجتمع المصرى بل والدولة المصرية الحديثة وأسباب تفردها، وكان للمخزون الحضاري للشعب المصري والذي رفضت جموعه محاولات التحريض والاستعداء ضد المواطنين المسيحيين، دورا حاسما في حماية الوطن ووحدة شعبه من كارثة قومية محققة.  وبقدر ما مثلته أحداث ماسبيرو من خطورة وتحدى ،فقد كانت بالقدر نفسه مصدر تحدٍ فى إعداد هذا التقرير حيث واجه ثلاث صعوبات أولها نقص المعلومات ،وثانيها تعتيم المصادر الرسمية على بعض جوانبه ،وثالثها انحياز المصادر الإعلامية فى تناولها للأحداث جراء حساسيتها من ناحية ،والصورة النمطية السائدة تجاه هذه القضية من ناحية أخرى .

– وقد فرضت هذه التحديات نفسها على منهج إعداد التقرير ،ونمط التوصيات الواردة فيه ،فحرصت اللجنة على توثيق كل الشهادات التى تحصلت عليها “بمقاطع فيلمية” بقدر المستطاع ،وتعاملت بحذر شديد تجاه الشهادات الفردية وحرصت على مقارنة كل ما تحصلت عليه بالبيانات من مصادرها المباشرة .

– وترتيباً على ذلك تكون أول توصية توصى بها اللجنة ،هى الدعوة لتشكيل لجنة تحقيق قضائية مستقلة تنظر فى هذه الأحداث فى سياقها الثقافي والاجتماعي والسياسي ، تخول بالإطلاع على ما تم حجبه من معلومات، حيث أن اللجنة التى شكلت بتاريخ 10 أكتوبر الجارى ،جاءت برئاسة وزير العدل بما يخل باستقلالها ، كما اقتصر اختصاصها فيما يتعلق بالأحداث على بحث أسبابها وتداعياتها دون التحقيق فى الأحداث ذاتها .

– بالإضافة لذلك، فقد أحالت النيابة العامة التحقيق إلى النيابة العسكرية للاختصاص، وبغض النظر عن الرأى فى مسألة الاختصاص، فإن هذه التحقيقات والتى تتضمن بالضرورة اتهامات لبعض المسئولين بالقوات المسلحة عن جرائم قتل المواطنين دهسا وعن الاعتداءات والإصابات التى لحقت بالمواطنين فى موقع الأحداث، يجب أن تكون محل تحقيق من لجنة قضائية مستقلة، حتى تستبعد أى شبهة  بعدم الحياد، ويتم مساءلة كل من ارتكب أو شارك أو حرض على ارتكاب الانتهاكات المشار إليها فى هذا التقرير والتى تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.

– ولما كان هذا التقرير قد خلص إلى وجود تحريض واستعداء ضد المواطنين المسيحيين فى تناول التليفزيون الرسمى لأحداث ماسبيرو ،فإنه يوصى بإحالة هذا الموضوع إلى تحقيق جنائى باعتبار أن التحريض جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات. ولا يكفى التقييم الذى خلصت إليه اللجنة التى شكلها  السيد وزير الإعلام لبحث هذا الموضوع والتى خلصت إلى اعتباره خطاً مهنياً نظراً لتناولها الحدث من جانب واحد .

– وتؤكد اللجنة على ما سبق أن خلص إليه الاجتماع الطارئ الذى عقده المجلس بكامل هيئته عقب اندلاع الأحداث ،من الرفض المطلق لأن تأخذ أى فئة فى المجتمع القانون بأيديها ،وتقع على الدولة وحدها مسئولية تطبيق وإنفاذ القانون .

– وقد لاحظت اللجنة بقلق بالغ ،تواتر وجود مجموعات منظمة من المدنيين المجهولين، هاجمت المظاهرة السلمية عند نفق شبرا وكوبري 26 يوليو، وتداخلت مع المتظاهرين واستخدمت الذخيرة الحية ضد المتظاهرين السلميين وأفراد القوات المسلحة فى منطقة ماسبيرو، كما استخدمت الأسلحة البيضاء فى الاعتداء على المتظاهرين. وكانت تتعمد التجمع إلى جانب القوات الأمنية، سواء كانت عسكرية أو شرطية ،على نحو ما جرى فى أحداث ميدان العباسية ،ومحاولات الاعتداء على مديرية أمن الجيزة ،وخلال أحداث ماسبيرو. وتطالب اللجنة بالتحقيق فى هذه الظاهرة وكشف هوية هؤلاء المدنيين المجهولين وإحالتهم للتحقيق والمحاكمة.

– وتجدد اللجنة تأكيدها على توصيات المجلس القومى لحقوق الإنسان السابقة بشأن الإسراع بإصدار القانون الموحد لبناء وترميم دور العبادة وتقنين أوضاع جميع دور العبادة فى مصر. وتجدد توصياته المتعلقة  بإصدار قانون تكافؤ الفرص ومنع التمييز ،وبينما يرحب المجلس بتجاوب الحكومة مع توصيات المجلس بتقنين عقوبة على جريمة التمييز بين المواطنين ،إلا أنه يرى أنها غير كافية إذا اقتصرت على الأثر العقابى الرادع للقانون ،وأغفلت الجانب الإصلاحي والذي يقضى بإنشاء آلية لمراقبة التنفيذ وتفعيل القانون .

– وتطالب اللجنة بإعادة النظر فى القانون 10 لسنة 1914 المعدل والقانون 14 لسنة 1923  المنظمين للتجمهر والمظاهرات والاجتماعات العامة، حتى يتسق القانون مع التزامات مصر الدولية ومع الحق فى حرية الرأى والتعبير والتظاهر السلمى فى إطار مقتضيات العصر.

– وأخيرا تقع على الدولة مسئولية التعويض عما أنزله موظفي إنفاذ القانون من قتل وإصابات للمواطنين، وتطالب اللجنة بسرعة إقرار وصرف معاش استثنائي لأسر الشهداء من المواطنين المسيحيين، أسوة بما جرى بالنسبة لشهداء 25 يناير. أما بالنسبة للإصابات، فتوصى اللجنة باستكمال علاج المصابين وتوفير الإمكانيات لإجراء الجراحات للحالات الحرجة، وتحمل الدولة لكامل نفقات العلاج، بالإضافة لإقرار وصرف التعويضات وفقا للمعايير التى تطبقها القوات المسلحة. وأخيرا نوصى بصرف التعويضات عن الخسائر فى الممتلكات من جراء الأحداث من صندوق التعويضات المنشأ لدى وزارة المالية لهذا الغرض فيما يتعلق بثورة 25 يناير.

– وفى ختام هذا التقرير ترى اللجنة ،أن الأحداث الجسيمة، بقدر ما تطرح من تحديات فإنها تفتح المجال لفرص الإصلاح الجذري ، فقد نبهت أحداث ماسبيرو بما لايدع مجالا للشك أن سياسة التراخي والإرجاء فى إقرار وتنفيذ حل جذري للأحداث الطائفية، وسياسة تجزئة هذا الحل أصبحت غير مجدية ،وأنه قد آن الأوان لاتخاذ إجراءات جدية وفورية للتفاعل مع هذه القضية، على نحو يكفل حقوق مواطنة متساوية للجميع ،وإعمال حاسم لسيادة القانون، وتفاعل جاد مع جذور المشكلة بأوجها الثقافية والاجتماعية والسياسية فى سياق برامج محدده ومعلنة .

– وتوجه اللجنة الشكر لكل السادة الوزراء الذى تعاونوا معها فى أداء مهمتها وفى مقدمتها السادة وزراء الداخلية والإعلام والصحة والسكان، وكذا لكل المواطنين ومؤسسات المجتمع المدنى الذين لم يبخلوا بالجهد والوقت ، والحماس لتزويد اللجنة بشهاداتهم وبكل ما يتوافر لديهم من معلومات أو مستندات أو أفلام من أجل إجلاء الحقائق.

ملحق (1):  تقرير لجنة تقصى الحقائق فى أحداث ماسبيرو (9 أكتوبر 2011)

المرجعية القانونية لتقرير لجنة تقصى الحقائق عن أحداث ماسبيرو

– تعد المرجعية القانونية لتقرير لجنة تقصى الحقائق عن أحداث ماسبيرو 9/10/2011 خلفية لفهم البيئة التشريعية الحاكمة لتلك الأحداث  وإسنادها إلى الإطار القانونى الحاكم والمنظم لها فيما يتعلق بالنصوص الدولية الواجبة التنفيذ فى مصر، متمثلة فى (أ) العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتى صدقت عليه الحكومة المصرية بقرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 536 لسنة 1981 ونشر  بالجريدة الرسمية  –  العدد 15  – في 15 إبريل سنة 1982، وأصبح قانون من قوانين البلاد إعمالا للمادة 151 من الدستور، و(ب)مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين،  الصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة – الجلسة العامة 106- 17 ديسمبر 1979 ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين1990 ،وهما الوثيقتان اللتان تحظيان باحترام وتأييد المجتمع الدولى و التشريعات و واللوائح القانونية الوطنية المنظمة. ولكن مع التعارض بين النصوص القانونية الدولية والوطنية فى هذا الصدد من منظور الإتاحة والتقييد والمحاذير والصلاحيات فى استخدام الحقوق الواردة فى كل منهما، ومع اعتبار أن لكل منهما سندا قانونيا ومرجعية فى أولوية التطبيق، يبقى التقرير بصبغته وصيغته الحقوقية مستندا إلى المعايير الدولية فى هذا الصدد بوصفها القواعد الأولى بالتطبيق بما تتضمنه من قواعد أكثر كفالة لحقوق الإنسان.

– وتنقسم المرجعية القانونية إلى محورين، يتعلق الأول بالإشارة إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان التى تنظم الحق فى عدم التمييز وحرية الرأي والتعبير والمعتقد وعدم التعرض للاضطهاد بسبب الدين او التمييز العنصرى. وتتناول أيضا قواعد استخدام القوة والأسلحة النارية وفقا للأسس والمبادئ التى حددتها الأمم المتحدة. ويتناول المحور الثانى القواعد القانونية المصرية الواردة فى الإعلان الدستورى والقوانين واللوائح ذات الصلة فى نفس السياق .

المحور الأول : المعايير الدولية ذات الصلة :-

(أ‌) العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

وقد نص صراحة فى العهد الدولى فى المادة  الثانية فقرة 1 منه على تعهد  كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية باحترام وتأمين الحقوق المقررة فيها لكافة الأفراد ضمن إقليمها والخاضعين لولايتها، دون أى تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك. كما نص فى المادة الثانية فقرة 2  منه على أن تكفل الدولة اتخاذ الإجراءات الدستورية والتشريعية وغيرها  لضمان الحقوق الواردة فيه. وتضمنت المادة الثالثة  النص على التزام الدولة بان توفر إجراءات فعالة ومنصفة لكل من تنتهك حقوقه بموجب هذا العهد، حتى ولو ارتكب هذا الانتهاك من أشخاص يحملون الصفة الرسمية، وذلك من قبل السلطات القضائية المختصة بالفصل فى الانتهاك محل النظر. كما تتضمن المادة السادسة النص على كفالة الحق فى الحياة وحمايته من الاعتداء التعسفي عليه. وتنص المادة الثامنة عشر النص على الحق في حرية الفكر والضمير والدين والمعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية. وتنص المادة العشرين النص على  حظر الدعاية للكراهية الدينية والعنصرية،  كما تنص المادة الحادية والعشرين على  الحق فى التجمع السلمي ،  ولا يجوز وضع القيود على ممارسة هذا الحق غير ما يفرض منها تمشيا مع القانون والضرورة في مجتمع ديمقراطي ، لصيانة الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم .

(ب) مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

تتضمن المادة الأولى من المدونة النص على  التزام الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين  ،  فى جميع الأوقات  ، بأداء الواجب الذي يلقيه القانون على عاتقهم ،  وذلك بخدمة المجتمع وبحماية جميع الأشخاص من الأعمال غير القانونية  ، على نحو يتفق مع علو درجة المسؤولية التي تتطلبها مهنتهم . ويوضح التعليق المرفق على أحكام تلك المادة فى الفقرة الثانية منه، انه  فى البلدان التي تتولي صلاحيات الشرطة فيها السلطات العسكرية، سواء أكانت بالزي الرسمي أو لا ،  او قوات أمن الدولة  ،  يعتبر تعريف  “الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين” شاملا لموظفي تلك الأجهزة. وتتضمن الفقرة ج من التعليق، انه  يقصد بخدمة المجتمع أن تشمل ، بوجه خاص تقديم خدمات لمساعدة أفراد المجتمع المحتاجين إلى مساعدة فورية لأسباب طارئة ،  شخصية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو من أي  نوع آخر. وتتضمن المادة الثانية النص على احترام الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، أثناء أدائهم لواجباتهم، للكرامة الإنسانية وحمايتها  ، والحفاظ على حقوق الإنسان لكل الأشخاص وتوطيدها  .وتنص المادة الثالثة على  انه لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة، إلا فى حالة الضرورة القصوى وفى الحدود اللازمة لأداء واجبهم . ويتعرض التعليق على هذه المادة فى الفقرة الأولى منه إلى بيان المقصود باستخدام القوة وتفسيره، على انه أمرا يجب أن يكون استثنائيا معقول الضرورة، من اجل منع وقوع الجرائم أو تنفيذا لاعتقال قانونى أو المساعدة على ذلك، دون أن يتعدى هذا الحد، وتتطرق الفقرة الثانية من التعليق على ان الاستخدام للقوة يخضع أيضا لمبدأ التناسب مع الهدف المشروع المراد تحقيقه.

(ح‌) مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين – 1990:

تنص مجموعة المبادئ الأساسية السالفة فى المادة الأولى منها، على التزام الحكومات وهيئات إنفاذ القوانين باعتماد وتنفيذ قواعد ولوائح بشأن استخدام الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين للقوة والأسلحة النارية ضد الأفراد . وعلى الحكومات وهيئات إنفاذ القوانين، لدى وضع هذه القواعد واللوائح أن تضع المسائل الأخلاقية المرتبطة باستخدام القوة والأسلحة النارية قيد النظر بصفة مستمرة .وتتضمن المادة الثانية من المبادئ النص على انه ينبغي للحكومات وهيئات إنفاذ القوانين أن تستحدث مجموعة واسعة قدر الإمكان من الوسائل  ،  وأن تزود الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين بأنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر تسمح باستخدام متمايز للقوة والأسلحة النارية  ،  ويجب أن يشمل ذلك استحداث أسلحة معطلة للحركة وغير قاتلة لاستخدامها فى الحالات المناسبة  ،  بغية زيادة تقييد استخدام الوسائل المميتة أو المؤذية للأفراد.  وتحقيقا لنفس الغرض، ينبغي أن يتاح للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين التزود بمعدات للدفاع عن النفس ، مثل الدروع والخوذات والصدادات الواقية من الطلقات النارية  ،  وذلك للتقليل من الحاجة إلى استخدام الأسلحة، أيا كان نوعها. وتتضمن المادة الرابعة من مجموعة المبادئ النص على التزام الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ،  إذ يؤدون واجبهم  ،  أن يستخدموا  ،  إلى أبعد حد ممكن  ،  وسائل غير عنيفة قبل اللجوء إلى استخدام القوة والأسلحة النارية ،  وليس لهم أن يستخدموا القوة والأسلحة النارية إلا حيث تكون الوسائل الأخرى غير فعالة أو حيث لا يتوقع لها أن تحقق النتيجة المطلوبة .

وتتضمن المادة الخامسة من مجموعة المبادئ النص على انه فى الحالات التي لا مناص فيها من الاستخدام المشروع للقوة أو الأسلحة النارية  ،  يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين مراعاة  ممارسة ضبط النفس فى استخدام القوة والتصرف بطريقة تتناسب مع خطورة الجرم، والهدف المشروع المراد تحقيقه، و تقليل الضرر والإصابة  ،  واحترام وصون حياة الإنسان، و التكفل بتقديم المساعدة والإسعافات الطبية فى أقرب وقت ممكن إلى الشخص المصاب أو المتضرر،  والتكفل بإشعار الأقرباء أو الأصدقاء المقربين للشخص المصاب أو المتضرر ،   فى أقرب وقت ممكن . وتنص المادة السابعة على التزام الحكومات بأن تكفل المعاقبة على الاستخدام التعسفي للقوة أو الأسلحة النارية أو إساءة استخدامها من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ،  باعتبار ذلك جريمة جنائية بمقتضى قوانينها . وتنص المادة الثامنة على انه لا يجوز التذرع بظروف استثنائية،  مثل حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أي طوارئ عامة أخرى،  لتبرير أي انحراف عن هذه المبادئ الأساسية.

وفيما يتعلق باستخدام الأسلحة النارية فتنص المادة التاسعة من المبادئ على انه  يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين عدم استخدام أسلحة نارية ضد الأفراد، إلا فى حالات الدفاع عن النفس ،  أو لدفع خطر محدق يهدد الآخرين بالموت أو بإصابة خطيرة ،  أو لمنع ارتكاب جريمة بالغة الخطورة تنطوي على تهديد خطير للأرواح  ،  أو للقبض على شخص يمثل خطرا من هذا القبيل ويقاوم سلطتهم  ، أو لمنع فراره  ،  وذلك فقط عندما تكون الوسائل الأقل خطرا غير كافية لتحقيق هذه الأهداف .   وفى جميع الأحوال،  لا يجوز استخدام الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماما تجنبها من أجل حماية الأرواح .وتأتى المادة العاشرة فى ذات السياق وتتضمن النص على انه فى الظروف المشار إليها فى المبدأ التاسع ،  يتعين على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين التعريف بصفتهم هذه وتوجيه تحذير واضح يعلن عزمهم على استخدام الأسلحة النارية  مع إعطاء وقت كاف للاستجابة للتحذير  ،  ما لم يعرضهم ذلك لخطر لا مبرر له  ،  أو ما لم يعرض أشخاصا آخرين لخطر الموت أو الأذى الجسيم  ،  أو ما يتضح عدم ملائمته وجدواه تبعا لظروف الحادث. وفيما يتعلق أيضا بحفظ الأمن والنظام فى التجمعات غير المشروعة، يتضمن المبدأ الثالث عشر النص على انه  على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين  ، عند تفريق التجمعات غير المشروعة  ،  وخاصة الخالية من العنف  ، أن يتجنبوا استخدام القوة  ،  أو إذا كان ذلك غير ممكن عمليا  ،  أن يقصروه على الحد الأدنى الضروري. كما يتضمن المبدأ الرابع عشر النص على  انه لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يستخدموا الأسلحة النارية لتفريق التجمعات التي تتسم بالعنف إلا إذا تعذر عليهم استخدام وسائل أقل خطرا  ،  وعليهم أن يقصروا استخدامها على الحد الأدنى الضروري .   ولا يجوز لهم أن يستخدموا الأسلحة النارية فى هذه الحالات إلا حسب الشروط المنصوص عليها فى المبدأ التاسع.

المحور الثانى : القواعد القانونية الواردة فى الإعلان الدستورى والقوانين واللوائح ذات الصلة:

(أ) الإعلان الدستورى :

تناولت المادة 12 من الإعلان الدستورى النص على كفالة  حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الرأي مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون، والنقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطنى .كما نصت المـــــــادة السادسة عشر من الإعلان الدستورى على انه للمواطنين حق الاجتماع الخاص فى هدوء غير حاملين سلاحا ودون حاجة إلى إخطار سابق. ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة، والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة فى حدود القانون .

(ب) قرار وزير الداخلية رقم 156 لسنة 1964:

أجاز القرار الوزاري المشار إليه إطلاق النار على المتظاهرين بغرض تفريقهم، إذا لم يمتثلوا للأوامر الصادرة إليهم بالتفرق، وبعد إتاحة الفرصة للمتظاهرين بالتفرق من مكان التجمهر. كما نظم إطلاق النيران بحيث يكون متقطعا لإتاحة الفرصة لفض التجمهر. ويتم إطلاق النيران من بنادق الرش صغيرة الحجم، فإذا لم تجد فى فض التجمهر استخدمت الأسلحة النارية ذات الرصاص فالأسلحة سريعة الطلقات عند الاقتضاء.

(ج) القانون 109 لسنة 1979 بشأن هيئة الشرطة:

سمحت المادة 102 لرجال الشرطة باستعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبهم إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب،  كما خولت لهم هذا الحق لفض التجمهر أو التظاهر الذي يحدث من خمسة أشخاص على الأقل، إذا عرض الأمن العام للخطر، وذلك بعد إنذار المتجمهرين بالتفرق. ويصدر أمر استعمال السلاح في هذه الحالة من رئيس تجب طاعته.ويراعى في جميع هذه الأحوال الثلاثة السابقة أن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأغراض السابقة، ويبدأ رجل الشرطة بالإنذار بأنه سيطلق النار، ثم يلجأ بعد ذلك إلى إطلاق النار. ويحدد وزير الداخلية بقرار منه الإجراءات التي تتبع في جميع الحالات وكيفية توجيه الإنذار وإطلاق النار.

(د) القانون رقم 10 لسنة 1914 بشأن التجمهر المعدل بالقرار الجمهوري بقانون رقم 87 لسنة 1968

 جرمت المادة الأولى من القانون التجمهر المؤلف من خمسة أشخاص على الأقل، إذا كان من شأنه أن يجعل السلم العام فى خطر وأمر رجال السلطة المتجمهرين بالتفرق.  ونصت المادة الثانية منه على انه  إذا كان الغرض من التجمهر ارتكاب جريمة ما أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح، أو إذا كان الغرض منه التأثير على السلطات فى أعمالها أو حرمان شخص من حرية العمل، سواء كان ذلك التأثير أو الحرمان باستعمال القوة أو بالتهديد باستعمالها، فكل من اشترك فى التجمهر وهو عالم بالغرض منه أو علم بهذا الغرض ولم يبتعد عنه، فان فعله يمثل جريمة،  وتشدد العقوبة لمن يكون حاملاً سلاحاً أو آلات من شأنها إحداث الموت إذا استعملت بصفة أسلحة.وتنص المادة الثالثة أيضا على أن تشدد العقوبة  إذا استعمل المتجمهرون السلاح أو القوة أو العنف.  وفى حالة حمل  الأسلحة أو الآلات المشابهة لها، وإذا وقعت جريمة بقصد تنفيذ الغرض المقصود من التجمهر فجميع الأشخاص الذين يتألف منهم التجمهر وقت ارتكاب هذه الجريمة يتحملون مسئوليتها جنائيا بصفتهم شركاء إذا ثبت عليهم بالغرض المذكور.

 وتنص المادة الثالثة مكرر على انه يرفع إلى الضعف الحد الأقصى للعقوبة المقررة لأية جريمة إذا كان مرتكبها أحد المتجمهرين المنصوص عليهم فى المادتين الأولي والثانية، على أن لا تتجاوز مدة السجن عشرين سنة.كما تنص على أن تكون العقوبة السجن أو السجن المشدد إذا خرب المتجمهر عمداً مباني أو أملاكاً عامة مخصصة لمصالح حكومية أو للمرافق العامة أو الهيئات العامة أو المؤسسات العامة والوحدات الاقتصادية التابعة لها أو شركات القطاع العام أو الجمعيات المعتبرة قانوناً ذات نفع عام.ويحكم على الجاني فى جميع الأحوال بدفع قيمة الأشياء التي خربها.  وتنص المادة الرابعة من القانون على انه يعاقب مدبرو التجمهر الذي يقع تحت حكم المادة الثانية من هذا القانون بنفس العقوبات التي يعاقب بها الأشخاص الداخلون فى التجمهر ويكونون مسئولين جنائياً عن كل فعل يرتكبه أي شخص من هؤلاء الأشخاص فى سبيل الغرض المقصود من التجمهر ولو لم يكونوا حاضرين فى التجمهر أو ابتعدوا عنه قبل ارتكاب الفعل.

(ه) القانون رقم 14 لسنة 1923بتقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة وبالمظاهرات فى الطرق     العمومية:

– نص القانون على كفالة الحق فى التظاهر (مادة 1)، ولكنه الزم منظمي التظاهر بالإخطار السابق عن التظاهر حتى يسمح به |(المادة 3 الفقرة 3 ). كما منح لسلطة البوليس منع الاجتماع إذا كان يمثل اضطراب فى الأمن العام أو النظام العام( المادة 4 الفقرة 1 ).  ويجوز لمنظمي التظاهر أن يتظلموا إلى وزير الداخلية من أمر المنع (المادة4 الفقرة4 ). وللبوليس سلطة حضور التظاهرات لحفظ النظام(مادة 7 فقرة ألف). ويجوز له حله إذا خرج الاجتماع عن الصفة المعينة له فى الإخطار( المادة السابعة  بند 2) أو إذا ألقيت فى الاجتماع خطب أو حدث صياح أو أنشدت أناشيد مما يتضمن الدعوة إلى الفتنة أو وقعت فيه أعمال أخرى من الجرائم المنصوص عليها فى قانون العقوبات أو فى غيره من القوانين(المادة السابعة بند3)، أو إذا وقعت جرائم أخرى أثناء الاجتماع(المادة السابعة بند4)، أو إذا وقع اضطراب شديد(المادة السابعة بند5).

– ويجوز فى كل حين للسلطات المبينة فى المادة الثانية أن تقرر مكان الاجتماع أو خطة سير الموكب أو المظاهرات التي تقام أو تسير فى الطرق أو الميادين العامة والتي يكون الغرض منها سياسياً. ويجوز فى كل حين للسلطات المبينة فى المادة الثانية أن تقرر مكان الاجتماع أو خطة سير الموكب أو المظاهرة على أن تعلن المنظمين بذلك طبقاً لحكم المادة الرابعة. ولا يترتب على أي نص من نصوص هذا القانون تقييد ما للبوليس من الحث فى تفريق كل احتشاد أو تجمهر من شأنه أن يجعل الأمن العام فى خطر أو تقييد حقه فى تأمين حرية المرور فى الطرق والميادين العامة(مادة 10). وقد افرد القانون فى الفصل الثالث الخاص بالعقوبات والأحكام العامة عقوبات جزائية على المخالفين لأحكامه.

(و) المرسوم بقانون رقم 34 لسنة 2011 بتجريم الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت:

– يعاقب بالحبس والغرامة التى لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من قام أثناء سريان حالة الطوارئ بعمل وقفة أو  نشاط  ترتب عليه منع أو تعطيل أو إعاقة إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة أو إحدى جهات العمل العامة أو الخاصة عن أداء أعمالها. ويعاقب بنفس العقوبة كل من روج أو حرض أودعا بالقول أو الكتابة أو بأية طريقة من طرق العلانية لأي من الأفعال السابقة.

– تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التى لاتقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا استخدم الجانى القوة أو العنف أثناء الوقفة أو النشاط أو العمل أو إذا ترتب على الجريمة تخريب إحدى وسائل الإنتاج أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الإخلال بالنظام العام أو إلحاق الضرر بالأموال أو المبانى أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها.

آخر تحديث ( الأربعاء, 02 نوفمبر 2011 22:35 )


الأوسمة: , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: