وثيقة الازهر


وثيقــــة الأزهــــــر  مقالة جريئة للكاتبة فريدة النقاش  بجريدة الاهالى 24 -8-2011 
بصرف النظر عن مضامين الوثيقة وما تثيره من جدل ومن اختلاف أو اتفاق مع بنودها فإن قيام عدد من المثقفين باستدعاء الأزهر للخوض في السياسة هو عين الخطر ومنبع القلق ذلك أن مؤسسة دينية تعليمية حكومية تتصدر المشهد السياسي وتصدر وثيقة سياسية تكتسب بها مشروعية ممارسة السياسة وإدخال الدين فيها وذلك علي العكس من التوجهات العالمية الحديثة التي تري أن فصل الدين عن السياسة هو المقدمة الضرورية لبناء دولة مدنية ديمقراطية عصرية مرجعيتها مبدأ المواطنة والمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تساوي بين البشر جميعا، وتستلهم قيمها العليا من كل الديانات السماوية وغير السماوية ومن كل الثقافات دينية وغير دينية، أي أن الديانات موجودة فيها بروحها ومثلها وإن لم يكن بنصوصها فالنصوص الدينية هي عادة حمالة أوجه كما سبق أن قال سيدنا «علي بن أبي طالب» عن القرآن الكريم والدعوة لفصل الدين عن السياسة لا تعني بحال فصل الدين عن الحياة لأن الدين هو جزء أصيل من هذه الحياة يستحيل إبعاده عنها ومن يحاول أن يفعل ذلك سوف يكون كمن يحرث في البحر، ولكن الخطر كل الخطر يتمثل في إقحام الدين في السياسة إذ الدين ثابت ومقدس والسياسة متغيرة ودنيوية.

وليس صحيحا أن الإسلام لم يعرف في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخري بالدولة الدينية الكهنوتية، لأننا إذا ما احتكمنا إلي واقع الحال في البلدان العربية والإسلامية السنية سوف نجد أن دولة مثل المملكة العربية السعودية ومنظمة مثل منظمة طالبان التي هيمنت في فترة سابقة علي الحكم في أفغانستان هما دولتان دينيتان بمعني ما، وبناء علي قراءتهما النصية للشريعة الإسلامية جري اضطهاد النساء واستعبادهن واستبعادهن، ولعل الجدل الدائر الآن في المملكة العربية السعودية حول حق المرأة في قيادة السيارة أن يكون دليلا رمزيا علي اعتبارهن مواطنات من الدرجة الثانية ناهيك عن الحقوق الأكبر مثل حق الترشيح والانتخاب الذي سبق أن عرفته البشرية منذ ما يزيد علي قرن من الزمان، كذلك يطلق السعوديون علي الشيعة وصف «الرافضة» وتجري محاصرتهم واضطهادهم لأنهم ليسوا من «السنة» أما سجل طالبان في هذا السياق فهو أضل سبيلا وأشهر من أن نصفه مجددا سواء في احتقار النساء واستبعادهن من التعليم والعمل أو اضطهاد أصحاب الديانات الأخري أو مصادرة الحريات العامة.
ففي الحالتين العصريتين في كل من المملكة العربية السعودية وأفغانستان في ظل طالبان فإن التضييق علي حرية التعبير والتنظيم والحريات الشخصية عامة كان ومايزال سياسة مقننة وتستمد مشروعيتها من قراءة معتمدة للنصوص الدينية.
وتقف الدولة الإيرانية الحديثة شاهدا علي الانتهاكات ضد حقوق الإنسان كدولة دينية شيعية ومن التناقضات البارزة في وثيقة الأزهر والتي كان محتما الوقوع فيها بحكم منطقها ذاته هو تأكيدها في البند الخامس علي الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، والتمسك بالمنجزات الحضارية في العلاقات الإنسانية المتوافقة مع التقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية والمتسقة مع الخبرة الحضارية الطويلة للشعب المصري في عصوره المختلفة.. إلخ.
ثم تأتي الوثيقة في البند السادس لتنص علي تأكيد الحماية التامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية، أي أن الوثيقة تستبعد من حرية الاعتقاد هؤلاء المواطنين، البهائيين علي سبيل المثال الذين لا ينتمون لأي من الديانات الثلاث وتحجب عنهم الحق في بناء دور عبادة لهم، وهو الحجب الذي يمتد ليشمل البوذيين والهندوس والتاويين ومن يعتنقون ديانات أخري في جنوب السودان علي سبيل المثال، هذا الجنوب الذي كان أحد أسباب انفصاله عن الوطن الأم قيام الدولة الدينية في السودان التي تميز ضد المواطنين من غير المسلمين السنة، وباسم الشريعة الإسلامية انتهكت الحكومات المتعاقبة في السودان كل الحريات العامة دون استثناء مما أدي ضمن عوامل أخري إلي تقسيم البلاد.
لكل هذه الأسباب أخشي أن يكون في استدعاء الأزهر إلي العمل السياسي دعوة ضمنية لدولة دينية من نوع جديد قد تكون متسامحة وسطية – كما يقال – لكنها تميز ضد البشر علي أساس معتقداتهم وهي الطامة الكبري.

الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: