الديمقراطيات التنافسية ومسألة الزّمان والمكان


مقال د باسمة موسى اليوم السابع الحوار المتدن

     من طبيعة السّياسة الحزبيّة أنها تفتقر إلى التخطيط والتعهد طويل المدى على معالجة المسائل الحيوية عبر الزمان والمكان، مثل المشاكل الاجتماعيّة والبيئيّة المعقدة التي تحتاج إلى ذلك، لأن النّظم السّياسية المبنيّة على التّنافس، مقيّدة بآفاق التخطيط قصيرة المدى. فحزب الاغلبية  يسعى إلى الاحتفاظ بالتفوّق، وبالتالي لابد له من الاستجابة إلى المصالح الفوريّة لناخبيه وتحقيق نتائج ملموسة في فترة ما بين الانتخابات التي تقع في مواعيد متقاربة نسبيّاً. ولو فرضنا أن هذا الحزب  تمكّن من وضع المخططات لمشاريع بعيدة المدى، فلا يوجد أي ضمان أن الحزب الموالي سيواظب على تنفيذها، لأنّه في حاجة إلى الابتعاد عن قرارات الحزب السابق وعدم الاستمرار في تنفيذ مشاريع كان مضطرا إلى الاعتراض عليها إما في الحملات الحزبيّة أو في أثناء وجوده في المعارضة. تركيز الحملات الانتخابيّة والأحزاب السّياسية على الإرضاء السريع لناخبيها الحاليين، يحول دون اتخاذها تعهدات تهم الأجيال القادمة. ومن أبرز الأمور التي تهم الأجيال القادمة هي استقرار البيئة. بقدر ما نُفسد البيئة اليوم بقدر ما نجعل الأجيال القادمة أكثر فقراً وعوزا.

     فالفقر والجريمة وانتشار المخدرات والعنف في العائلة،  كلّها مشاكل اجتماعيّة تحتاج إلى استراتيجيات بعيدة المدى. كذلك الرّقي بالتعليم وتقوية أواصر العائلة، وخلق مواطن اقتصاديّة وبعث روح الاحترام لقواعد الأدب والقيم الأخلاقيّة، كلّها وميادين أخرى، لا تأتي بنتائج إلاّ عن طريق استراتيجيات على مدى أجيال. فالتّنافس السّياسي ليس لديه “الصبر” للعمل عبر أجيال قادمة: والمسئولون في التّنافس السّياسي لابد لهم من تحقيق فعاليّات ملموسة ورنانة في فترات ما بين الانتخابات التي تتكرّر كل عدة سنوات فيفتحون الملاجئ والمدارس الخاصة لإيواء أطفال الشوارع والشباب المجهول الأصل المتزايد باستمرار، ثمّ ينشئون المساحات التجاريّة العملاقة لصرف انتباه المواطنين بالإغراءات الماديّة القصيرة المدى.

     وقياساً على هذا المنوال، فكما أنّ النظم السّياسية تتجاوب مع منتخبيها الحاليين دون اعتبار للأجيال القادمة، كذلك فهي تتجاوب مع منتخبيها الموجودين في المنطقة الانتخابيّة دون المناطق الأخرى. هذه هي مشكلة “المكان” أو المشكلة الترابيّة، التي تبرز بصورة واضحة على مستوى السّياسة الوطنيّة في غياب منظومة تنفيذيّة تعترف بالبعد العالمى باننا نعيش على كوكب واحد تحت بيئة واحدة.  هذا الوضع يؤثر سلبا على الوضع الاجتماعي والبيئة. فمشاكل البيئة اليوم تتعدّى الأمم. والتداعيات الناتجة عن طبقة الأوزون، وارتفاع حرارة الأرض، والأمطار الحمضيّة، وتلوث المياه، وتلاشي الأنواع – كلها ومشاكل أخرى، تحتاج إلى مستويات من التعاون والتنسيق على نطاق عالمي لم يعرف من قبل. لذا فان نظريات السّيادة الوطنيّة المبنيّة على السّياسات التّنافسيّة القائمة حاليّاً تجعل من المحال معالجة هذه المشاكل البيئيّة. فمثلاً قد توجد مشاكل للبيئة في منطقة حدوديّة لبلدين متجاورين. السّياسيون يضحون بالتعاون اللاّزم بين البلدين لمواجهة هذه المشاكل البيئيّة في سعيهم الحثيث وراء الاهتمامات الوطنيّة نظراً لارتباطهم بإرضاء مواطنيهم الناخبين. ينتج عن ذلك أن تتنافس الدّول فيما بينها للاستحواذ على رأس مال سياسي قريب الأمد يكون على حساب رأس مال إيكولوجي بعيد الأمد.

     تبرز المسألة الترابيّة أيضاً في المشاكل الاجتماعيّة. لأنّ تحديات الفقر، والجريمة، وانتشار المخدّرات، واستغلال النساء والأطفال، والمتاجرة بالعباد، والإرهاب، والصراعات العرقيّة، والهجرة الغير قانونيّة وانسياب الّلاجئين – كلّ هذه الآفات لا تحترم الحدود الوطنيّة مثلها مثل المشاكل الإيكولوجية، التي لا تحترم هي الأخرى الحدود الوطنيّة. لا يمكن للحكومات الوطنيّة مواجهة هذه المشاكل وحلّها بمفردها. في حين أن التّنافس السّياسي داخل الدّول يحول دون قيام التعاون المثمر فيما بينها. السّياسيون المتنافسون يستجيبون لمصالح الناخبين الموجودين في حدود المناطق الانتخابيّة ولا يهتموا بالذين لا ينتخبون الموجودين في مناطق خارج الدوائر الانتخابيّة. هذا الوضع يشجع السّياسيين المتنافسين في البلاد الغنيّة على نقل مظاهر تلك التحديات إلى البلدان الفقيرة. يتفاقم حال مظاهر التحديات هذه في البلدان الفقيرة مع مرور الوقت حتى تصل إلى مرحلة تهديد البلدان الغنيّة التي أصدرتها. السياسة التّنافسية لا تهتم بالتخطيط للبعيد، ولكن ما تهتم به هو الحصول على انتصارات انتخابيّة على المدى القريب. هكذا نجد أن مشكلة المكان جزء لا يتجزأ من مشكلة الزّمان في الديمقراطيات التّنافسيّة.

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: