استشهاد حضرة الباب 28 شعبان


“وكان الباب قبل وصول الضّابط بأربعين يومًا إلى جهريق قد جمع أوراقه والألواح الّتي معه ووضعها مع قلمه ودواته وأختامه وخواتيمه العقيقية فِي صندوق وسلّمها للملاّ باقر أحد حروف الحيّ، وأعطاه أيضًا خطابًا ليسلّمه للميرزا أحمد كاتب وحيه وفيه وضع مفتاح الصّندوق وأوصاه بأن يتحفّظ عَلَى الوديعة، وأكّد له قداسة محتوياتها وأن يخفي الوديعة عَنْ أيّ شخص خلاف الميرزا أحمد، ورحل الملاّ باقر توًّا إلى قزوين ووصل تلك المدينة بعد ثمانية عشر يومًا وعلم أنّ الميرزا أحمد رحل منها إلى قُم، فتبعه إليها حالاً ووصلها فِي أواسط شهر شعبان، وكنت فِي قُم مع شخص يُدعى صادق التّبريزي الّذي أرسل إليه الميرزا أحمد وطلب منه أن يحضرني من زرند، وكنت أقطن فِي منزل واحد مع الميرزا أحمد الّذي استأجره فِي قسم باغ پنبه، وكان يقطن معنا فِي تلك الأيّام الشّيخ عظيم والسيّد إسماعيل وكثير من الأصحاب، فأعطى الملاّ باقر الأمانة إلى الميرزا أحمد وهذا فتحها كطلب الشّيخ عظيم أمامنا، وقد عجبنا إذ رأينا من بين الأشياء الّتي فِي الصّندوق ملف ورق أزرق من أغلى أنواع النّسيج وأرقّها، وفيه دبج الباب بخطّ يده البديع من نوع الشّكسته وعلى هيئة مثمّن نحوًا من خمسمائة آية جميعها عبارة عَنْ اشتقاقات من كلمة بهاء، وكان الملفّ بحالة صيانة تامّة ونظافة فائقة، يظهر عليه من أوّل نظرة أنّه مطبوع لا مخطوط، وكَانَتْ الكتابة بغاية الدّقّة، وإذا نظرت من بُعد يظهر عليها كأنّها قطعة من الحبر عَلَى الورق، وقد أخذنا العجب من هذه القطعة المكتوبة التي لا يقدر أي كاتب أن يأتي بمثلها، فأعيد الملف إلى مكانه وأعطي للميرزا أحمد وتوجّه به فِي نفس اليوم إلى طهران، وقبل ارتحاله أخبرنا أنّ كلّ ما يمكنه أن يبوح به هو أن الرّسالة تأمر بتوصيل الأمانة إلى يد جناب البهاء فِي طهران، أمّا أنا فأمرني الميرزا أحمد أن أعود إلى زرند وأقابل والدي الذي كان ينتظرني بشوق.

نفّذ ذلك الضّابط الأوامر التي وصلته من نوّاب حمزه ميرزا وأوصل الباب إلى تبريز وعامله بمنتهى درجة الاحترام، وأمر الأمير أحد أصحابه بإعداد منزله للباب وأمره أن يعامله بغاية الإجلال، وبعد مرور ثلاثة أيّام من وصول الباب جاء أمر جديد من الوزير الكبير للأمير أن يُنفّذ حكم الإعدام عَلَى المسجون يوم وصول الفرمان إليه، وكذلك عَلَى أيّ شخص يعلن اعتقاده فيه، وأصدر أمره إلى القوّة التي كَانَتْ تحت رئاسة سام خان الأرمنيّ رئيس فرقة الأرامنة أن تطلق عليه الرّصاص فِي ساحة العسكريّة فِي تبريز وهي الكائنة فِي وسط المدينة.

وكان الأمير قد أظهر دهشته لحامل الفرمان الميرزا حسن خان وزير النّظام وأخ الوزير الأكبر وقال له: (كان الأجدر بالأمير أن يأمرني بإجراء أعمال أهمّ من الّتي يطلبها، فالعمل الذي أوكله إليّ عمل لا يُجريه إلا الأنذال، فلست أنا ابن زياد ولا ابن سعد حتى يأمرني أن أذبح شخصًا بريئًا من سلالة رسول الله).  فأبلغ الميرزا حسن خان أخاه برفض الأمير، فأمره أخوه أن يجري بنفسه الفرمان بتمامه حالاً وبدون توان وقال له: (خلّصنا من هذا الانتظار الّذي ثقل عَلَى قلوبنا وانْهِ هذه المسألة قبل حلول شهر رمضان حتى نستعدّ للصيام بهدوء البال وبغير اضطراب). وأراد الميرزا حسن خان أن يوصل هذه التّعليمات الجديدة إلى الأمير ويعلمه بها ولكنّه خاب فِي مسعاه لأنّ الأمير رفض مقابلته بالكلّيّة مدّعيًا المرض، فلم يعبأ برفض الأمير وأصدر أوامره أن يُنقل الباب مع حاشيته من المنزل الذي يقطنه إلى إحدى غرف المعسكر، وأمر سام خان أن يُرسل عشرة من رجاله ليحرسوا مدخل الغرفة التي حُبس فيها، ونُزعت منه العمامة والحزام وهما علامتا الشّرف والنّسبة، وأخذوه مع السّيّد حسين كاتب وحيه إلى غرفة أخرى أُعدّت لحبسه،

وكَانَتْ هي نذير السّاعة الأخيرة التي كان دائمًا يتمنّاها، وقد ظهر فِي مدينة تبريز فِي ذلك اليوم هياج واضطراب شديد وجاءت الطّامة الكبرى التي تظهر يوم القيامة حسب اعتقاد الناس، فلم تشهد تلك المدينة مطلقًا يومًا عبوسًا قمطريرًا أخذ فيه الاضطراب جميع الأهالي مثل ذلك اليوم الذي أُحضِرَ فيه الباب إلى مكان استشهاده، وإذ اقترب الباب من ساحة المعسكر ظهر فجأة شاب اخترق الزّحام مقتحمًا كلّ الصعاب والمخاطر التي تواجه مثل هذا العمل، وكان وجهه شاحبًا وهو حافي القدمين وأشعث الشّعر، وإذ كان ينهج من التّعب وهو منتهك القوى رمى نفسه عَلَى أقدام الباب وأمسك بطرف ردائه وتضرّع إليه بحرقة قائلاً: (لا تبعدني عنك يا سيّدي أينما ذهبت فاجعلني أتبعك). فقال له الباب: (يا محمّد علي قُم وتأكّد أنّك ستكون معي وغدًا ستشاهد ما يقضي به الله). وكذلك هجم اثنان من الأتباع وأكدّا له طاعتهما وتعلّقهما به، فقُبض عَلَى هذين الشّخصين ومعهما محمّد علي الزنوزي ووضع الجميع فِي غرفة واحدة مع الباب والسّيّد حسين.

وسمعتُ السّيّد حسين يقرّر الآتي: “في تلك اللّيلة أضاء وجه الباب فرحًا وتهلّل سرورًا لم يُشاهد عليه من قبل، وكان يتكلّم معنا بالفرح والانبساط غير مبالٍ بالعاصفة التي أُثيرت حوله، واختفى الحزن الذي كان يُثقل عليه، ويظهر أنّ أثقاله قد ذابت أمام اليقين بالنّصر الآتي، وقال لنا: (باكرًا سيكون يوم استشهادي فمن منكم يقوم الآن وبيديه يُنهي حياتي، فإنّي أفضّل أن أذُبح بيد حبيب بدلاً من العدو). فانهمرت الدّموع من أعيننا عندما سمعنا ذلك الطّلب، وكنّا نجفل من فكرة إنهاء حياة ثمينة مثل حياته بأيدينا، وامتنعنا وبقينا ساكتين، ولكنّ الميرزا محمّد علي قام فجأة وأعلن استعداده بإطاعة ما يأمر به الباب، فقمنا وأجبرناه عَلَى الامتناع من تنفيذ ذلك فقال الباب: (إنّ هذا الشاب الذي قام ليُنفّذ مشيئتي سوف يحصل معي عَلَى الشّهادة وهو الّذي أختاره

ليشاركني فخر لبس تاج الشّهادة).

وفي الصّباح المبكّر أمر الميرزا حسن خان أن يأتي الفرّاش باشي بالباب ويحضره أمام كبار مجتهدي المدينة ويحصل منهم عَلَى الحكم بالإعدام، ولما شرع الباب فِي مغادرة المعسكر سأله السّيّد حسين ماذا يعمل، فنصحه قائلاً: (لا تظهر إيمانك حتّى يمكنك فِي الوقت المعلوم أن تخبر الذين خصّصوا لسماع الأمور التي لا يعرفها أحد سواك). وكان السّيّد حسين مشتغلاً بمحادثة سرّيّة معه إذ جاء الفراش باشي لأخذه وقطع عليهم الحديث وأمسك السّيّد حسين من يده وسحبه جانبًا وأخذ فِي توبيخه، فأشار الباب إلى الفرّاش باشي وحذّره قائلاً: (إلى أن أكون قد أتممت كلّ ما أريد أن أقوله للسّيّد حسين لآخر كلمة، لا تقدر أيّ قوّة أرضيّة أن تمنعني من ذلك، ولو اجتمع العالم كلّه كجيش واحد حولي لَنْ يقدر أن يمنعني من إتمام ما أقصده من الأقوال إلى آخر كلمة). فدُهِشَ الفرّاش باشي من مثل هذا التحدّي الجريء ولم يردّ الجواب بل أمر السّيّد حسين أن يقوم ويتبعه منصرفًا، ولما دخل الميرزا محمد علي أمام مجمع المُجتهدين ألحّوا عليه – بالنّسبة لمقام نسبه للسّيّد علي الزنوزي صهره – أن يرتدّ عَنْ إيمانه فصاح قائلاً: (لا يمكن أبدًا أن أرفض سيّدي، فهو جوهر إيماني وهو مقصود عبادتي الحقّة وفيه وجدت جنّتي وفي اتّباع شريعته استدللت عَلَى سفينة نجاتي). فأرعد الملاّ محمد المَمقاني قائلاً له: (اسكت إنّ مثل هذه الكلمات تدلّ عَلَى جنونك وإنّي أغفر لك هذه الكلمات التي لست مسئولاً عنها). فأجابه قائلاً: (لست مجنونًا إنّ مثل هذه التُّهمة أولى بها من حكم بالقتل عَلَى من لا يقلّ قداسة عَنْ القائم الموعود، فليس مجنونًا من يتّبع دينه ويشتاق أن يُسفك دمه فِي طريقه). ثم أحضر الباب أمام الملاّ محمد المَمقاني، وما كاد يعرف أنّه الباب حتّى أعطى حكم الإعدام الّذي سبق أن كتبه وسلّمه لخادمه ليعطيه للفرّاش باشي، وصاح

قائلاً لا حاجة لإحضار السّيّد الباب أمامي، فإنّ حُكم الإعدام كتبته بيدي منذ أوّل يوم قابلته فِي الاجتماع الذي كان تحت رياسة وليّ العهد، فهو بكُلِّ تأكيد نفس الرّجل الذي رأيته هناك ولم يتنازل منذ ذلك الوقت عَنْ أيّ شيء من ادّعاءاته).

ومن هناك ساروا بالباب إلى منزل الميرزا باقر بن الميرزا أحمد الذي خلفه، ولمّا وصلوا وجدوا خادمه واقفًا عَلَى الباب ومعه فِي يده حُكم الإعدام، وقال له لا داعي للدّخول فإنّ سيّدي قد اقتنع بالحكم الّذي أصدره والده بالإعدام، وهو لا يقدر أن يعمل شيئًا أحسن من الموافقة عليه، واقتفى الملاّ قلي مرتضى أثر المجتهدين الآخرين وسبق أن كتب موافقته ولم يقبل أن يقابل الباب مواجهة، وما كاد الفرّاش باشي يحصل عَلَى الأحكام المذكورة حتّى أسلم المسجون إلى يد سام خان وأمره أن يتقدّم للتّنفيذ حيث تحصّل عَلَى حكم السّلطات المدنية والدّينيّة فِي المملكة.

وكان السّيّد حسين قد مكث محبوسًا فِي نفس الغرفة التي صرف فيها اللّيلة السّابقة مع الباب، وكانوا قد رأوا وضع الميرزا محمد علي فِي نفس الغرفة فانهمرت عيونه بالبكاء وطلب أن يبقى مع سيّده فسلّموه إلى سام خان وأمروه أن ينفّذ فيه الحكم أيضًا إذ أصرّ عَلَى عدم ارتداده عَنْ دينه.

وكان سام خان فِي الأثناء قد تأثّر جدًّا من حُسن سلوك المسجون ومن المعاملة التي عومل بها، وإذ خشي أن يكون عمله جالبًا لغضب الله قال للباب: (إنّي أعتنق الدّيانة المسيحيّة ولا أحمل لك أيّ ضغينة، فإذا كان أمرك الحقّ فمكّنّي من عدم سفك دمك وتخليص نفسي)، فقال له الباب: (اتّبع التعليمات التي أُعطيت لك وإذا كان مقصدك صادقًا فإنّ القدير يمكّنك أن تتخلّص من اضطرابك).

وكان سام خان قد أمر أن يُدقّ مسمار فِي العمود الذي يفصل باب الغرفة التي يشغلها السّيّد حسين عَنْ مدخل الغرفة المجاورة، وأن يُربط حبلان فِي هذا المسمار ويُعلّق الباب وصاحبه كلّ واحد فِي حبل مفترقين، فَرَجا الميرزا محمّد علي من سام خان أن يوضع بطريقة يكون جسمه درعًا لجسم الباب، فعُلّق أخيرًا عَلَى هذه الكيفيّة بحيث كان رأسه عَلَى صدر سيّده وبمجرد ربطهما اصطفّ الفيلق ثلاث صفوف، وكلّ صف عبارة عَنْ مائتين وخمسين رجلاً، وأمر كلّ صفّ أن يُطلق الرّصاص بدوره إلى أن يتمّ إطلاق جميع رصاص الفيلق، فارتفع دخان الرّصاص من سبعمائة وخمسين بندقيّة وامتلأ الجو بالدّخان حتى أظلمت الظّهيرة، وكان النّاس قد اجتمعوا فِي كلّ مكان حتّى عَلَى أسقف المعسكر والمنازل المجاورة وشهد هذا الحادث المحزن المؤثر ما يقرُب من عشرة آلاف نفس.

وما كاد الدّخان ينقشع حتى دُهش الجمهور إذ رأى لفرط تعجّبه أنّ صاحب ورفيق الباب كان واقفًا حيًّا أمامهم ولم يُصب بأيّ ضرر، وأمّا الباب فاختفى من أمامهم بغير أن يُصاب بأذى، ومع أنّ الحبال التي رُبطا بها تقطّعت إرْبًا فإنّهما لم يُصابا بأي ضرر وكَانَتْ نجاتهما من المقذوفات إحدى المعجزات، وحتّى الرّداء الّذي كان يلبسه الميرزا محمّد علي لم يُصبه أيّ ضرر ولم يتّسخ رغم تكاثف الدّخان، وصاحت الجماهير المحتشدة بانزعاج: (إنّ السّيّد علي محمّد الباب اختفى.” وجعلوا يبحثون عنه وهم فِي ذُعر وكرب وأخيرًا وجدوه جالسًا فِي نفس الغرفة التي كان فيها اللّيلة الماضية مشغولاً بإكمال الحديث الّذي كان يُريدُ إكماله والإفاضة به للسّيّد حسين حينما قطعه عليهم الفرّاش باشي، وكَانَتْ تظهر عَلَى وجهه إماراتُ الهدوء والسّكينة وكان جسمه قد بقي سليمًا من الرّصاص الذي قذفته صفوف الفيلق، وقال الباب إذ ذاك للفرّاش باشي: (إنّ حديثي مع السّيّد حسين قد انتهى فتقدّم الآن

وكمّل مقصدك). فتردّد الرّجل فِي تنفيذ ما سبق له الاجتهاد فِي عمله ورفض أن يؤدّي واجبه، وفي تلك اللّحظة ترك المكان واستعفى من عمله وأخبر بكلّ ما رآه أحد جيرانه المدعو الميرزا السّيّد محسن من أعيان تبريز الّذي بمجرّد سماعه للرّواية آمن بالأمر.

وكان لي الحظّ أن أقابل فيما بعد الميرزا السّيّد محسن هذا، وقد أرشدني إلى مكان استشهاد الباب ودلّني عَلَى الحائط الّذي علّق عليه، وأخذني إلى الغرفة التي كان يتحدّث فيها مع السّيّد حسين وأراني المكان الّذي كان جالسًا فيه، ورأيت المسمار نفسه الذي رُبِط به الحبل الّذي أوثق به بيد الأعداء.

وكان سام خان أيضًا قد صُعِقَ من حصول الحادثة عَلَى هذه الكيفيّة ومن قوّة الأمر المُخيفة، فأمر رجاله أن يتركوا المعسكر فِي الحال وامتنع أن يتداخل هو أو فيلقه فِي أيّ عمل يحصل منه أيّ ضرر للباب، وحلف وهو يترك السّاحة أنّه لا يعود مرّة أخرى لهذا العمل ولو حكموا عليه بالإعدام، وما كاد سام خان يمتنع عَنْ العمل حتى تقدّم آقا جان خان خمسه ضابط الحرس الذي يسمّى بالخمسة النّاصري وتطوّع لتنفيذ الأمر، فعُلِّق الباب وصاحبه مرّةً أُخرى بنفس الكيفيّة السّابقة وعلى نفس الحائط واصطفّ الفيلق صفوفًا واستعدّوا لإطلاق النّار عليهما، وعلى العكس من المرّة الأولى التي قطّعت فيها الأحبال فقط تمزّق الجسدان إرْبًا واختلطا كُتلةً واحدةً لحمًا وعظمًا، وكَانَتْ آخر كلمات الباب للجماهير المحتشدة حينما كان الجيش عَلَى شفا إطلاق الرّصاص: (أيُّها الجيل الملتوي لو آمنتم بي لأصبح كلّ واحد منكم مثل هذا الشّاب الذي هو فِي درجةٍ أعلى منكم يُضحّي بنفسه فِي سبيلي، وسيأتي اليوم الّذي سوف تعترفون بي فيه وفي ذلك اليوم لا أكون معكم).

وفي نفس اللّحظة التي أُطلق فيها الرّصاص جاءت زوبعة شديدة غير

عاديّة وانتشرت فِي كلّ أنحاء المدينة، وهبّت زعازع ترابيّة كثيفة مُخيفة وحجبت نور الشّمس وحجبت عيون النّاس حتى لم ترَ شيئًا، وبقيت المدينة فِي ظلام حالك من الظّهر إلى اللّيل، ولم يُحرِّك هذا الحادث العجيب الذي أعقب حادثة عجز كتيبة سام خان عَنْ إيصال الضّرر بالباب قلوب أهالي تبريز ليجعلهم ينتبهون أو يعتبرون لما شاهدوه بأعينهم من تلك المعجزة العجيبة، وما شاهدوه من التّأثير العظيم الّذي حصل لسام خان من جرّائه وما رأوه من انصعاق الفرّاش باشي وتصميمه النّهائي الّذي لا رجوع فيه، وكان يمكنهم أيضًا أن يفحصوا ذلك الرّداء الّذي بقي سليمًا رغم إطلاق مئات الرّصاص عليه ولم يتلوّث بأيّ غبار وكانوا يقدرون أن يقرأوا فِي وجه الباب الّذي خرج من هذه العاصفة سليمًا لم يصب بأقلّ ضرر ذلك الاطمئنان الكلّيّ والهدوء والسّكينة الّتي أكمل بها حديثه مع السّيّد حسين وبالعكس من ذلك لم يعبأ أحد منهم أن يبحث فِي دلالة كل هذه العلامات والإشارات.

وقد وقع استشهاد الباب فِي يوم الأحد ظهرًا فِي الثّامن والعشرين من شهر شعبان سنة 1266 هجريّة. وكان عمره إذ ذاك إحدى وثلاثين سنة قمريّة وسبعة أشهر وسبعة وعشرين يومًا من يوم ميلاده فِي شيراز.

وفي مساء اليوم نفسه كَانَتْ جُثّتا الباب وصاحبه المختلطتان قد نُقلتا من ساحة المعسكر إلى حرف الخندق خارج باب المدينة، وكان يحرسهما أربع فرق كلّ واحدة مكوّنة من عشرة حرّاس بالتّناوب وفي صبيحة اليوم التّالي للاستشهاد ذهب قنصل روسيا فِي تبريز ومعه رسّام وعمل صورة لبقايا الجسدين الموجودة فِي الخندق بوضعهما الطّبيعي.

وسمعت الحاج علي عسكر يحكي الآتي: “إنّ موظفًا فِي السّفارة الرّوسيّة أطلعني عَلَى الصّورة فِي ذات اليوم الذي أخذت فيه، وكَانَتْ صورة حقيقيّة للباب تمثّل هيئته تمامًا كما كنّا ننظر إليها، ولم يصب

الوجه بأيّ رصاصة ولا الجبهة ولا الخدّ ولا الشّفتان، وشاهدت فِي وجهه ابتسامة كَانَتْ لا تزال باقية عَلَى وجهه أما جسمه فقد تقطّع إربًا وشاهدت ذراعي ورأس صاحبه ويظهر أنّه كان يحتضنه، ولما نظرت إلى هذه الصّورة المشوّهة ورأيت كيف أنّ هذه الملامح الشّريفة قد تغيّرت انقطع نياط قلبي داخلي من شدّة انزعاجي، ولم أتمالك النّظر من شدة الحزن وعدت إلى منزلي وأغلقت عَلَى نفسي باب الغرفة ومكثت ثلاثة أيام لا أشتهي الأكل ولا النّوم، وصرت مستغرقًا فِي حزني وبلائي ومكثت أتفكّر فِي حياته القصيرة الممتلئة بالأوجاع والمتاعب والأحزان والنّفي والّتي انتهت أخيرًا بذلك الاستشهاد المخيف الّذي تتوّج به، وكَانَتْ هذه المناظر تتردّد فِي خيالي وأمام عينيّ إذ كُنْتَ منطرحًا عَلَى الفراش أَئِنُّ من الآلام والأوجاع، وفي عصر اليوم التّالي بعد استشهاد الباب وصل الحاج سليمان خان بن يحيى خان إلى باغ ميشي وهي ضاحية من ضواحي تبريز ونزل ضيفًا عَلَى كلانتر أحد أصدقائه وموضع ثقته، وكان درويشًا متعلّقًا بالطّائفة الصّوفيّة وما كاد يعلم بالخطر المحدق بحياة الباب حتّى ترك طهران بقصد تخليصه، ولمّا أخبره مضيفه بالأحوال والحوادث الّتي وقعت عَلَى الباب والحكم عليه واستشهاده عزم حالاً أن يحمل الجثّتين ولو كلّفه ذلك ضياع حياته، فنصحه الكلانتر أن ينتظر ويعمل برأيه بدلاً من تعريض نفسه لقتل محقّق، وطلب منه أن ينقل إقامته إلى منزل آخر وينتظر هذا المساء وصول الحاج الله يار وهو يقبل أن ينفّذ كلّ ما يطلب منه، وفي السّاعة المعيّنة حضر الحاج الله يار وقابله الحاج سليمان خان ونجح الأوّل فِي منتصف اللّيلة نفسها فِي نقل الجثّتين من طرف الخندق إلى معمل حرير ملك أحد أحباء ميلان، ووضعهما ثاني يوم فِي صندوق خشبيّ عمل خصّيصًا لهذا الغرض، ثمّ نقله كطلب الحاج سليمان خان إلى محلٍّ آمن، وفي الأثناء أشاع الحرّاس أنّ الوحوش

أكلت الجثّتين وهم نيام تبريرًا لموقفهم، وكذلك رؤساؤهم أخفوا الحقيقة ليحافظوا عَلَى شرفهم ولم يقبلوا أن يظهروا الحقيقة لأرباب السّلطة.

        وكتب الحاج سليمان خان بالموضوع إلى بهاء الله الّذي كان إذ ذاك فِي طهران والّذي أمر آقاي كليم أن يُوفد رسولاً خاصًّا إلى تبريز لحمل الجثّتين إلى العاصمة، وكان ذلك الأمر بناء عَلَى رغبة الباب نفسه كما فِي زيارة شاه عبد العظيم، وهو لوح نزّل بينما كان فِي جوار ذلك الضّريح وسلّمه الباب إلى الميرزا سليمان الكاتب الّذي أمره فيه أن يتوجّه إلى ذلك المكان مع بعض الأحبّاء ويرتّله داخل الضريح، وخاطب الباب ذلك الصّديق المدفون هناك فِي الفقرات الأخيرة من اللّوح بقوله: (طوبى لك بما وجدت فِي مستقرّك ومرقدك فِي الرّيّ تحت ظلال المحبوب، فوا شوقي أن أدفن فِي هذه الأرض المقدّسة).

وكنت فِي طهران فِي صحبة الميرزا أحمد إذ وصلت الجثّتان وكان بهاء الله فِي هذه الأثناء قد سافر إلى كربلاء حسب تعليمات الأمير نظام، وكان آقاي كليم والميرزا أحمد قد نقلا الجثّتين من إمام زاده حسن وهو المكان الّذي كانتا فيه إلى مكان لم يكن معلومًا لأيّ شخص غيرهما، وبقي هذا المكان مجهولاً مختفيًا إلى أن انتقل حضرة بهاءالله إلى أدرنة وهناك أمر آقاي كليم أن يخبر منير أحد الأحبّاء بالمحلّ الحقيقيّ الّذي فيه الجثّتان، فبحث هذا الأخير كثيرًا ولم يجدهما وأخيرًا عثر عليهما أحد قدماء الأحبّاء وهو المدعو جمال الذي كان قد كشف له عَنْ مكانهما المستور إذ كان بهاءالله فِي أدرنة، وهذه البقعة هي للآن مختفية وغير معروفة للأحبّاء ولا يعلم المحلّ الّذي سوف تنتقلان إليه…

والتدبير السّيّء الذي قام به العدوّ المتوحّش للإضرار بالباب والّذي

أخيرًا آل إلى إنهآء حياته قد جلب فِي دوره مصاعب لا تحصى عَلَى إيران وأهلها وفي وقت قصير أفجعهم بها، فالّذي اقترفوا هذه المظالم وقعوا فريسة للفواجع المبرحة، والذين لم يرفعوا إصبعًا واحدًا فِي الاحتجاج عَلَى الفظاعة والقسوة وقعوا فِي إحن ومحن لم تقدر جميع موارد البلاد وقوّة ساستها أن تخفّف من ورطتها، وهبّت عليهم زعازع المصائب حتّى اهتزّت أسس السّعادة المادّيّة، فمنذ الوقت الذي امتدّت فيه يد الجور عَلَى الباب لتضرب أمره الضّربة القاضية توالت عَلَى ظالميه الآفات ومحقت أرواحهم الشّريرة وجعلتهم عَلَى شفا الإفلاس العام، وانتابتهم الطّواعين بشدّة وسحقتهم ونشرت فيهم الخراب أينما حلّت مع أنّها ما كَانَتْ فِي القديم تعرف بينهم إلا فِي غابر الأزمان ولم تذكر فِي الأسفار إلا نادرًا، وأحسّ بضربتها الأمير قبل الحقير وذلّ الجميع لقهرها وسطوتها، فأخذت عموم الناس فِي قبضتها ولم تزل فاشية فيهم ولم ترفع يدها عَنْ وثاقهم، واستمرّت هذه الآفات المفاجئة تجتاح البلد كما انتابت أرض جيلان آفة الحمّى التي ضربتها، ولم يقف الغضب الإلهيّ عَلَى الفتك بالآدميّين بهذه الآفات بل تعدّى إلى المزارع والحيوانات وجعل النّاس يشعرون بثقل الوطأة، فشعر بها كلّ ما يتنفّس فِي تلك الأرض المضروبة، وزادت المجاعة بحيث أصبحت شاملة لجميع طبقاتهم وأزعجت أنظارهم بمناظر الموت البطيء المؤلم، فشربوا كأس العذاب إلى نهايته بدون أن يشعروا باليد التي حرّكته لتعذيبهم ولا بالشّخص الذي من أجله جاءتهم هذه النّكبات.

حتّى إن حسين خان حاكم شيراز الّذي كان أوّل من آذى الباب وعامله معاملة قاسية تسبّب عنها فقد حياة الآلاف من الّذين كانوا تحت رعايته والّذين غضّوا النظر عَنْ مساوئه أصابته مصائب جمّة، فاجتاح إقليمه الطّاعون الذي خرّبها وأهلك فِي إقليم فارس الحرث والنّسل وأقفره وجعله يبابًا صفصفًا، فجعله يئنّ من شدّة وطأته وهو يستجدي

الجيران ويستدعي منهم المساعدة فِي هذا الخطب الجلل، وشاهد حسين خان نفسه وهو بحالة حزن عميق أنّ جميع أعماله قد ذهبت هباءً منثورًا وأصبح منبوذًا فِي أواخر أيّامه وذهب إلى قبره مدحورًا منسيًّا من الأحباب والأعداء عَلَى السّواء.

وأما الشّخص الثّاني الّذي قام عَلَى مقاومة الباب ووقف فِي سبيل تقدّمه فكان الحاج ميرزا آقاسي الّذي لأغراض سافلة ولكي يحوز رضا علماء الوقت الأدنياء حال بين الباب وبين محمّد شاه واجتهد فِي منع حصول المقابلة بينهما، وهو الّذي أمر بنفيه المحزن إلى أحد أركان أذربايجان المحصورة وأمعن فِي إبعاده بمراقبة كلّيّة، وهو الّذي نزل له لوح من المسجون تنبّأ له فيه بمصيره وهلاكه وتعريضه للعار والخزي، ولم تمضِ إلا سنة ونصف عَلَى وصول الباب إلى جوار طهران حتّى انتاب الوزير الغضب الإلهيّ ونزل من سلطانه وجبروته وطرد من عزّته والتجأ إلى ضريح شاه عبد العظيم طريدًا من غضب الناس عليه، ومن هناك طرد منفيًّا إلى خارج حدود وطنه انتقامًا بيد القهّار وانغمس فِي بحر من المصائب والآلام إلى أن لقي حتفه بغاية الذّلّة والفقر المدقع.

أمّا الفرقة التي تطوّعت لإعادة رمي الباب بالرّصاص (رغم امتناع سام خان من ذلك لما رآه فِي الحادثة من العجائب) والّتي أطلقت أخيرًا عَلَى جسمه الرّصاص فإنّ مائتين وخمسين منهم لقوا حتفهم فِي نفس السّنة ومعهم ضبّاطهم فِي زلزلة بينما كانوا يستريحون فِي يوم قيظ تحت ظلّ حائط فِي طريقهم إلى أردبيل وتبريز وهم يمرحون ويلعبون حيث وقع الحائط عليهم فجأة ولم تترك فيهم أحدًا حيًّا، أما الخمسمائة الباقون فقد لقوا حتفهم بنفس الطّريقة التي اتّبعوها مع الباب، فإنّهم بعد استشهاد الباب بثلاث سنوات ثاروا وضربوا جميعًا بالرصاص بأمر من الميرزا صادق خان النّوري، ولم يكتفِ بالطّلقة الأولى بل أمر بإطلاق

 طلقة أخرى حتى يضمن أن لا يبقى منهم بقيّة ومزّقت بعد ذلك أجسادهم بالحراب والسّنان وتركت معرّضة لنظر أهالي تبريز، وفي ذلك اليوم تعجّب أهالي المدينة من أن يكون نصيب الذين قتلوا الباب نفس ما عملوه فيه وكانوا يتساءلون قائلين: (هل يمكن أن يكون الانتقام الإلهيّ هو الّذي أودى بحياة الفرقة بأكملها وأطاح بهم إلى هذه النّهاية المفجعة أو أنّ ذلك قد حصل بطريق الصّدفة؟ فإذا كان هذا الشّاب كاذبًا فلماذا انتقم الله من قاتليه انتقامًا شديدًا). وقد وصلت هذه الأقاويل المريبة إلى آذان وأسماع المجتهدين الذين أخذ الخوف منهم كلّ مأخذ، وأمروا أن كلّ من يكون عنده هذه الهواجس يعاقب مشدّدًا، فكان البعض يضربون والآخرون يغرمون والجميع يحذرون أن يمتنعوا من الهمس بهذه الأقوال الّتي تحيي ذكرى خصم لدود وتعيد اشتعال الحماس لأمره.

أما رئيس الوزراء الأمير نظام الّذي دبّر استشهاد الباب وأخوه الوزير نظام شريكه فِي الجريمة فوقع عليهما فِي ظرف سنتين عقاب صارم انتهى بموتهما أشنع ميتة، وتلطّخ حائط حمام فين بدم الأمير نظام وإلى اليوم يشاهد ذلك دليلاً عَلَى المظالم التي كَانَتْ يده تقترفها.

الأوسمة: , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: