نعم الدستور أولاً


مقال مهم فى المصرى اليوم 24 يونيو 2011 عن الدستور المصرى  بقلم  د محمود اباظة

احتدم النقاش فى الأسابيع الأخيرة حول قضية الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً. وأدى هذا الاحتدام إلى تشعب الموضوع حتى التبس الأمر على الثوار أنفسهم، ناهيك عن أهل الخبرة وقد غاص بعضهم فى هذا الالتباس العام.

والسؤال الأول: هل المطالبة بالدستور أولاً فيها خروج على الإرادة الشعبية التى عبرت عن نفسها فى استفتاء ١٩ مارس الماضى؟

والسؤال الثانى: هل المادة ٦٠ من الإعلان الدستورى الصادر يوم ٣٠ مارس قد حسمت الأمر نهائيا؟

والسؤال الثالث: هل المطالبة بالدستور أولاً تتفق مع المنطق السليم؟

أولاً: ليس فى المطالبة بوضع الدستور أولاً خروجاً على إرادة الشعب!

استفتى الشعب يوم ١٩ مارس على تعديل بعض مواد دستور ١٩٧١ التى وردت بأرقامها فى بطاقة إبداء الرأى. ومقتضى ذلك أن دستور ١٩٧١ كان لايزال موجوداً يوم ١٩ مارس الماضى، وأن تعطيله لم يكن يعنى إلغاءه. والقول بغير ذلك يعنى أن التعديل ورد على معدوم وهو عبث لا يستقيم. وبمجرد إعلان النتيجة تصبح هذه التعديلات نافذة، باعتبارها تعبيراً عن إرادة صاحب السيادة أى الشعب

ولما كانت هذه التعديلات واردة على مواد ليست معلقة بين السماء والأرض ولكنها جزء لا يتجزأ من «دستور ٧١» وردت بأرقامها فى بطاقة إبداء الرأى، فإن نفاذها الفورى يعنى إعادة سريان دستور ١٩٧١ من تاريخ إعلان النتيجة. أى بعبارة أخرى العودة إلى ما كان عليه الحال قبل ثورة ٢٥ يناير على الأقل لفترة مؤقتة حتى يتم وضع الدستور الجديد.

وغنى عن البيان أن جميع الشواهد تدل على أن إرادة الشعب صاحب السيادة لم تتجه أبداً إلى هذه الردة عن الثورة. وهنا ظهرت المشكلة التى لم تنتبه إليها اللجنة الفنية التى صاغت التعديلات الدستورية كما أنها لم تنتبه ولم تنبه إلى خطأ اللجوء إلى آلية الاستفتاء بهذا الشكل وفى هذا الوقت.

وكان على المجلس العسكرى أن يتدخل مرة أخرى بالإعلان الدستورى الصادر يوم ٣٠ مارس الذى تضمن ٦٣ مادة، ألغى دستور ٧١ برمته أى بجميع تعديلاته بما فيها تلك التى تم الاستفتاء عليها فى ١٩ مارس وأنشأ وضعاً دستورياً جديداً يستند إلى هذا الإعلان الدستورى دون مساواة. وجاء ذلك تنفيذا لإرادة الشعب وليس خروجا عليها. وبذلك لم يعد للاحتجاج بنتائج استفتاء ١٩ مارس محل. كما لم يعد هناك محل للاحتجاج بأى استفتاءات دستورية سابقة ترتبط بدستور ٧١، الذى أصبح ضمن محتويات متحف تاريخنا الدستورى.

ثانيا: المادة ٦٠ من الإعلان الدستورى لم تحسم الأمر نهائياً.

مادمنا اعتبرنا أن الاعلان الدستورى الصادر يوم ٣٠ مارس أنشأ وضعاً دستورياً جديداً، يجب كل ما قبله، علينا أن نتوقف أمام نص المادة ٦٠ منه.. وهى المادة التى تفرض على الأعضاء المنتخبين فى أول مجلسى شورى وشعب بعد تاريخ الاعلان الدستورى – تفرض عليهم انتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو لوضع مشروع دستور جديد فى فترة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ انتخابها، بحيث يعرض للاستفتاء فى موعد أقصاه ١٥ يوماً من تاريخ الانتهاء من عملها.

وهو النص الذى يستند عليه المنادون بالانتخابات أولا. ولنا على هذا النص عدة ملاحظات.

الملاحظة الأولى: خاصة بتشكيل الجمعية التأسيسية، لأن النص أغفل إيضاح مسألة جوهرية هى هل المائة عضو الذين سوف يتم انتخابهم من بين أعضاء المجلسين أم من خارجهما؟ وهذا غموض يعيب النص ويستدعى تفسيراً من الجهة التى أصدرته.

الملاحظة الثانية: إذا كان المقصود أن يتم انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية من خارج أعضاء المجلسين، فإن الأمر يحتاج إلى نص صريح. كما أن لفظ انتخاب ليس مناسباً، إذ إن الانتخاب يفترض أن يسبقه ترشيح وهو غير وارد فى هذه الحالة. إذن، كان يجب استعمال لفظ اختيار. وطالما لم يصدر تفسير رسمى من الجهة التى أصدرت هذا الإعلان فعلينا أن نستبعد إمكانية الاختيار من خارج أعضاء المجلسين.

الملاحظة الثالثة: إذا كان المقصود انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية من بين أعضاء المجلسين. وهو الأرجح وإن كان ذلك لا ينفى ما فى النص من قصور، إذ كان الأوفق أن يتضمن النص عبارة «من بين أعضائها». إن كان ذلك المقصود فإننا نكون بصدد لجنة مشتركة من المجلسين، أى فرع من أصل هو البرلمان بمجلسيه، وبالتالى يجب عرض مشروع الدستور على المجلسين مجتمعين قبل طرحه للاستفتاء، وإلا نكون قد أعطينا سلطة للفرع ومنعناها عن الأصل، وهذا شذوذ تشريعى يقتضى المراجعة.

الملاحظة الرابعة: لو ذهبنا مع التقنية القانونية إلى مداها واعتبرنا أن أعضاء المجلسين ينتخبون الجمعية التأسيسية باعتبارها هيئة مستقلة، وأعضاؤها يمارسون ازدواجية وظيفية، أى يمارسون عملهم التأسيسى باعتبارهم أعضاء فى الجمعية التأسيسية، بينما يمارسون عملهم التشريعى باعتبارهم أعضاء فى البرلمان، فإننا نكون أيضا أمام خلل تشريعى، ذلك أن الصفة التمثيلية للهيئات المنتخبة انتخاباً مباشراً، أقوى من الصفة التمثيلية للهيئات المنتخبة انتخاباً غير مباشر (أو على درجتين)، ومن ثم نكون أعطينا السلطة التأسيسية (أى وضع الدستور) للهيئة ذات الصفة التمثيلية الأضعف بينما السلطة التشريعية وهى أدنى مرتبة من الأولى، من نصيب الهيئة ذات الصفة التمثيلية الأقوى. وهو خلل يستدعى المراجعة أيضا.

مجمل القول أن نص المادة ٦٠ نص معيب يقتضى إعادة النظر فيه سواء كنا من أنصار الانتخابات أولاً أو الدستور أولاً، فهو يستدعى التصحيح وليس الجدل. ولأنه نص معيب بحالته فهو غير مؤهل لحسم قضية الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً.

ثالثاً: المطالبة بالدستور أولاً ليست إلا اتساقاً مع منطق الأشياء،

مادمنا استبعدنا الاحتجاج بنتائج استفتاء ١٩ مارس، كما استبعدنا التمسك بنص المادة ٦٠ المعيب لحسم مسألة الانتخابات أولاً للأسباب التى بيناها، فإن القضية تظل مطروحة للنقاش الهادئ والبناء ومن المسلم به أن البرلمان شأنه فى ذلك شأن رئيس الجمهورية – يستمد سلطاته من الدستور أساساً، فكلاهما ملتزم بحدود الاختصاص الذى منحه الدستور له، وبغير دستور لا سلطة لأيهما ولا اختصاص، لأن العدم لا يملأ فراغا، على الأقل فى دول الدساتير المكتوبة ومنها مصر. ولا يغير من ذلك صدور الإعلان الدستورى فى ٣٠ مارس الماضى، لأن هذا الإعلان بطبيعته مؤقت، فلا يستطيع أن يعطى إلا اختصاصات مؤقتة رهينة بالمرحلة الانتقالية التى تنتهى بوضع الدستور الجديد.

كما أنه، بطبيعته أيضا، قاصر لا يشمل جميع الأحكام التى يجب أن يتضمنها أى دستور حديث، وإنما يقتصر على المبادئ دون التفاصيل. فإذا سبقت الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية وضع الدستور الجديد فهذا يعنى أن البرلمان لا يمكن أن يكون إلا مؤقتا وكذلك الرئيس ولابد من إعادة انتخابهم بمجرد صدور الدستور الجديد ووفقا لأحكامه. وما معنى أن نخرج من وضع مؤقت يقوم فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة أمور البلاد إلى وضع مؤقت آخر؟ إلا إذا كان المطلوب استمرار هذا التأقيت إلى ما شاء الله؟

ولا أحد يريد ذلك فيما نظن. وفى جميع الأحوال فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سوف يظل مسؤولاً عن إدارة شؤون البلاد حتى يتم وضع الدستور الجديد. لكل هذه الأسباب يدعونا المنطق البسيط إلى المطالبة بالدستور قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية، ولا يحول حائل دون ذلك.

رابعا: كيف نصل إلى الدستور أولاً؟

ما دمنا انتهينا إلى أن دستور ٧١ سقط بكل تعديلاته بصدور الإعلان الدستورى، وانتهينا إلى أن المنطق السليم يدعو إلى وضع دستور قبل انتخاب البرلمان والرئيس، لأن الدستور وحده الذى يحدد اختصاص كل منهما. وما دمنا اتفقنا على أن نص المادة ٦٠ من الإعلان الدستورى يستلزم المراجعة من عدة أوجه لإصلاح ما عابه من قصور، فلماذا لا نسلك أكثر الطرق استقامة لوضع الدستور الجديد؟ مادمنا اتفقنا على آلية الجمعية التأسيسية، فلماذا لا تشكل من خلال انتخابات مباشرة بدلا من الانتخاب على درجتين؟

ومادمنا اتفقنا على أن العدد الكبير لا يناسبنا فى عملية صياغة الدستور وأردنا أن نقصره على مائة من بين أعضاء المجلسين، فلماذا لا نزيده إلى ١٧٦ عضواً ينتخبون بالفردى أو بالقائمة على أساس تقسيم دوائر مجلس الشورى الحالى، الذى سبق انتخابه بنظام القوائم ثم بالنظام الفردى، والتقسيم موجود ولن يكون محل جدل؟ ولماذا لا نعطى هذه الجمعية التأسيسية حداً أقصى للانتهاء من عملها فى أربعة أشهر؟ ثم يجرى الاستفتاء على الدستور الجديد ونجرى بعد ذلك الانتخابات التشريعية والرئاسية وفقا لأحكام الدستور الجديد، بحيث لا تزيد الفترة الانتقالية على عام واحد من اليوم.

ولماذا نرتجل مجلسا نيابيا اختصاصاته غير واضحة، ومدته محددة بالضرورة بالفترة اللازمة لإصدار الدستور؟

وأخيرا أليس من الأفضل أن نميز بين السلطة التأسيسية التى تضع الدستور والتى تتسم بطابع استثنائى من حيث اختصاصها ومرشحيها ومدتها من ناحية وبين السلطة التشريعية التى تؤدى دورها فى التشريع والرقابة بشكل دائم ومن خلال انتخابات متكررة فى مواعيد محددة؟

إننا ندعو إلى فتح الحوار حتى نصل إلى الأفضل ونرفض محاولات البعض لإنهاء الحوار قبل أن يبدأ، تمهيداً لإغلاق جميع النوافذ والمنافذ وإطفاء الأنوار التى أشعلتها ثورة شباب مصر لنعود مرة أخرى من النور إلى الظلمات

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=301521&IssueID=2176.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: