محنة الأقليات..رؤى وأفكار بشأن رسالة البهائيين المصريين إلى ثورة الشباب


نشرت هذا المقال للاستاذ عبد الجبار خضير عباس فى جريدة الصباح العراقية   بتاريخ 7 يونيو 2011 يقول فيها
مازالت الاقليات الاثنية، والعرقية، والثقافية في البلدان العربية، وبعض الدول الاسلامية، تعاني من التهميش، والاقصاء الاثني، والديني، والطائفي، بسبب هيمنة ثقافة شعبوية اسلاموية، تنظر للآخر المختلف دينيا، نظرة دونية كارهة، وأحيانا تصل حتى الى عد المختلف كافراً أو نجساً، يجب تهميشه أو محقه عند الضرورة.. ثقافة يعدها محمد اركون امتدادا زمنيا، يبدأ من وفاة الفيلسوف ابن رشد، اذ يقول: ( لقد تم نسيان التعددية العقائدية التي كان يتحلى بها التراث الديني الاسلامي ابان العصر الذهبي، وذلك بعد الدخول في عصر الانحطاط بدءاً من موت ابن رشد العام 1198 ، كما تم نسيان التراث الفلسفي بل وموته منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا) إذ دأبت بعض المؤسسات الدينية إلى منهجة حالة من التكلس والتقوقع والسكون ما اسهم في  الانحراف عن الاسلام الحقيقي،
عبر صناعة دين شعبوي، يتكىءعلى الطقوس والشعائر، انتهى بتفريخ سلسلة من التكفيريين وثقافة تلقينية ليس فيها من مساحة للنقد او التحليل، حتى وصل الأمر مثلاً الى طعن الروائي العالمي نجيب محفوظ أو تطليق امرأة المفكر نصر حامد ابو زيد، وقتل فرج فودة ..ٍٍ واصدار فتاوى داعية الى قتل اصحاب الفضائيات كالتي اطلقها الشيخ صالح اللحيدان، وتكفير الشيخ ابن ناصر البراك للسعوديين، عبد الله بن بجاد العتيبي، ويوسف ابو الخيل، لانهما كتبا بالصحافة السعودية ما يتعارض مع قناعاته وافكاره، وانتهاءً بسلسلة من الفتاوى العديدة وغيرها على وفق هذا المنطق ..وضمن هذه الاجواء والمناخات ولاسيما بالعراق بعد التغيير في العام 2003 إذ تعرضت الاقليات لعمليات قتل وارهاب ومضايقات حتى تضاءل عدد الصابئة المندائيين في المشهد الاجتماعي، ولم يتبق منهم الا آلاف قليلة بعد ان كانوا يغطون مساحة واسعة تمتد من ميسان حتى المحمرة في ايران وانتشار متفرق في بغداد وباقي المحافظات، والان يلوذ كباررجال الدين من تبقى منهم في ملاذ آمن بمدينة عينكاوا في اربيل، وينسحب الامر على المسيحيين الذين تعرضوا لعمليات قتل وحشية عبر نسف كنائسهم وقصف وتفجير بيوت بعض منهم ومازالت اعدادهم في تناقص مستمر  نتيجة لاستمرار عمليات الخطف والقتل اخرها حدث قبل ايام إذ قتل كلداني في كركوك، وتعرض الايزيديون الى موجات من التفجيرات، فضلا عن القتل والخطف..
نسوق هذه المقدمة للتعريف بواقع اثنية دينية تعيش في العراق بالفجوات الاجتماعية، انهم البهائيون، اذ لم تستطع هذه الشريحة حتى التعريف بهويتها الا عبر كتاب هنا أومقالة هناك، اذ نشر عنهم في ملحق ديمقراطية ومجتمع مدني في جريدة الصباح وصحف ومواقع الكترونية قليلة جدا ومن كتب عنهم في الغالب من الكتاب المسلمين.
رسالة البهائيين المصريين
اثر اطلاعي على رسالة البهائيين المصريين الى اخوتهم واخواتهم في مصر “بعد ثورة الشباب” الذين يتشابهون بصفة التهميش والاقصاء مع البهائيين العراقيين مع فارق بسيط ان رياح التغيير التي حدثت في العراق منحتهم فرصة ارحب على الصعيد الرسمي حتى انهم شملوا بما يمنح من امتيازات للسجناء السياسيين الا انهم رفضوا ذلك لكونهم دينيا غير مسموح لهم بالاشتغال السياسي، فقالوا انهم لم يكونوا معارضة سياسية، بل النظام هو من اضطهدهم وحرمهم من الجنسية وزج بهم في السجون من دون ان يفرق بين رجل وامرأة وشيخ..، كما انهم الان في العراق لا يخشون الموقف الرسمي بقدر ما يتخوفون من الظهور الاجتماعي والاعلامي العلني بسبب الظرف الامني مع اقرارهم، بانهم يتمتعون بعلاقات اجتماعية غاية بالانسجام في اماكن وجودهم بالعراق .
وجدت من المفيد قراءة الرسالة ومقارنتها مع وضع اقرانهم في العراق، اذ لم تخرج علينا حتى الان منهم ولو رسالة الكترونية لتعبر عن رؤاهم، معاناتهم، مساهماتهم بالتفاوض الاجتماعي العراقي ..


ربما هناك من يقول: هل من الضرورة الحديث عن اثنية قليلة وفي العراق هناك قوميات واثنيات واديان بمئات الالاف تعيش الاقصاء والتهميش ايضاً، نقول ان النسيج الاجتماعي العراقي متنوع وهذا التنوع عامل قوة وليس عامل ضعفٍ ففي الديمقراطيات العريقة تعد الاقليات ومهما كان عددها ارقاماً صعبةً في خريطة الانتماء ..واي اضطهاد لاقلية ما سيحدث خللا في البنية الاجتماعية الذي ينعكس بدوره على بناء الدولة المدنية بالضرر  ..عموما وجدت من الضرورة مناقشة ما جاء برسالة البهائيين المصريين ومقارنة وضع البهائيين العراقيين بالشقين الاقصائي والتهميشي.
اولى الملاحظات، يقول احد الكتاب بتفاخر(جاءت “رسالة البهائيين المصريين” حاملةً بضع نقاط؛ سوف أوجزها؛ يتفق عليها الكثير من المصريين لأنها تعبر عن تطلعات بعضهم، ولولا إشارة لغوية في مقدمتها وخاتمتها، لماَّ استطاع المرء أن يتعرف على هوية صاحبها، لكن محرر الرسالة وضع محتواها بمهارة بين قوسين لغويين يصنعان ويؤكدان هوية المرسل: “نحن المواطنين البهائيين” في بداية الرسالة، و”إخوتكم وأخواتكم البهائيون في مصر” في نهايتها، واضعًا نص رسالته بين هذين القوسين اللغويين تأكيدًا علي هوية من صدرت هذه الرسالة عنه.) الغريب ان الكاتب يشيد بالرسالة لأنه لم يستطع ان يتعرف على هوية صاحبها! اي لولا العنوان لكان يتعذر عليه معرفة انها تعود للبهائيين..! ما يستشف من قراءة لهذه الثيمة ان كاتب الرسالة تماهى مع السايكولوجية الجماعية وذابت اناه مع الانا الجماعية من دون الكتابة بحروف فسفورية لامعة لتأكيد الهوية.  فليس من العيب التعبير عن الخصوصية بوصفها جزءاً فاعلاً من هوية وطنية اكبر. حتى ان اللغة فضحت حالة الاستلاب والتغريب لدى كاتب الرسالة.. إذ استخدم كاف التشبيه باسراف، مثلاً يقول: (من منطلق خبرتنا كمواطنين مصريين) بدلا من بوصفنا مواطنين مصريين. (علمنا تاريخنا المشترك كمصريين) بدلا من مصريين ..في حين قال بوضوح: (نحن المواطنين البهائيين) ..وهناك اشارات وغيرها ممكن ملاحظتها.
وانتقد الوضع الاقتصادي على وفق رؤاه الدينية  التي تشدد على معالجة الفقر والوقوف ضد الثراء الفاحش، من دون ذكر الآليات ..واستخدم مفهوم  القوة (الالطف) للنظام الاستهلاك. هنا المفهوم شاعري ولم يكن الكاتب موفقا لاظهار رؤيته الاقتصادية.. من الممكن هنا الاشارة الى ما كتبه هادي العلوي في كتابه مدارات صوفية ص8 الذي كان اكثر توفيقا في ايصال الفكرة التي حاولت الرسالة التعبير عنها اذ يقول: الاغنياء هم الغربيون وهؤلاء يريدون العالم واحدا بدايته في اوروبا ونهايته في امريكا الشمالية ……في دفاعنا عن المعنى وعن الذات نفضح الخرافة الاورومركزية ونقاوم الاغيار من الاغنياء وجيرانهم لنعيد فقراءنا الى وعيهم..
ويقول نصر حامد ابو زيد في كتابه هكذا تكلم ابن عربي ص20 اذ يقول، وقد اجج من ثورة المقاومة ضد قيمه ومفاهيمه، تسارع خطوات “العولمة” الاقتصادية حتى اصبح خطرها ملموسا متعينا في الحياة اليومية لمواطني دول الجنوب في سباق اعتبار السوق الهاً جديداً..!
وفي كتاب محمد اركون نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية ص105 ( انظر الأزمة المصرفية الأخيرة الناتجة عن اختلال اخلاقي بالدرجة الأولى لدى كبار المصرفيين ورجالات البنوك الجشعين، ان هذا الغطس في وهم التنمية المنقذة المزعومة يعمق الهوة بين الفكر الاستهلاكي السريع وبين نسيان المسألة الاخلاقية، فلم يعد لهم من هم الا التنمية المادية والاستهلاك الجشع الى درجة انهم نسوا الهم الاخلاقي كلياً..
اعتقد ان هذه الاستشهادات تحمل من الدلالة ما يكفي للتعبير عن البعد الاخلاقي في النشاط والفعالية الاقتصادية التي  ارادت الرسالة الاشارة اليها.الا ان اهم ما اكدت عليه الرسالة في هذا الجانب قولها( تراثنا وزراعتنا وصناعتنا بانها تدابير عقيمة اذا نحن اهملنا اهم الموارد شأنا الا وهي قدراتنا الروحية والفكرية).ودعت الرسالة (الى ان يصبح التعليم الرسمي الاساسي في متناول الجميع  بصورة شاملة من دون تمييز..ولاينبغي السماح لأن يصبح التعليم وسيلة لبث الفرقة والكراهية تجاه الاخرين..) نعتقد ان التعليم والمؤسسات التربوية سواءً في مصر أو العراق تعاني من خلل بنيوي اذ مازالت اساليب التربية والتعليم تجري وفق مفاهيم قروسطية ساكنة وراكدة تعبر عن ثقافة بطرياركية عصبويــة تراتبيــــة تعتمد على الغاء الفرد والشخصية لصالـــح القائد الرمز الضرورة كلي المعرفة ماسك الحقيقة المطلقة والتي طاعته واجبة اذ تختزل به طاعة الله، نزولا لشيخ القبيلة او رب الاسرة اوالاخ الاكبر..وبعد ان فاض الكيل بالناس جرت الثورات الشبابية لتسقط هذه الطواطم وبالضرورة سينعكس هذا الامر على واقع التعليم لتجاوز هذا الانسداد والانغلاق الفكري الدوغمائي.. لكن هناك ما هو الاخطر مازال راسخا في المؤسسات التربوية والتعليمية، الا وهو خلو هاتين المؤسستين من مفهومي “النقد والتحليل” فالتعليم تلقيني لاتوجد فيه اية مساحة للنقد والتحليل فتخلق فرداً لايقوى على معالجة المواقف بارادة فردية شخصية بل عبر التشاور مع الاخ الاكبر، وما يتلقاه الطالب في التعليم هو يقينيات نهائية لاتحتاج الى قراءة نقدية او تحليل للمعلومة على وفق معطيات العقل في حين مجتمع الحداثة الغربي يبدأ باعداد الفرد وبناء شخصيته من الروضة ويحترمه كذات مستقلة.. اورد هنا نموذجا كنت قد كتبته في احدى المقالات عن المناهج التربوية(هذا ما نراه واضحا في كتاب تاريخ الادب للصف الخامس الاعدادي في العراق، عبر نص يتناول جانبا من حياة “اسامة بن منقذ”(ولد بمدينة شيزرالواقعة في الشمال الغربي لحماة سنة 488 هجرية….نشأ في رعاية والده الذي غرس في نفسه الشجاعة والميل الى الشدة والصرامة)! ويورد المؤلف هــــــذه المفردات من دون تعليق متماهيا مــــع النســـق الـذكوري بوصفه ثقافة لازمة تركت اثارهــا وتغلغلت في السلوكيـــات الاجتمــــــــاعية والثقـــــــافية، اما من شعره، فقد اختار المؤلف ابشع الابيات واكثرها قرفا وكأنه لايوجد لهذا الشاعر الا هذه الابيات او خلت الساحة من الشعراء الا هذا الشاعر ونحن في بلاد الشعر ولنا من الشعراء العظام والكبار وبمحمولات فكرية وانسانية رائعة.
لنتأمل هذا البيت الشعري.
دماء العدا اشهى من الراح عندنا
ووقع المواضي فيهم الناي والوتر
وسل عنهم الوادي باقليس انه
الى اليوم من دمائهم غدر
وفي مجال المرأة، على الرغم من افراد مساحة واسعة للحديث عن المرأة ومساهماتها في عملية البناء وحقوقها بوصفها احد جناحي طائر الانسانية، لكن لم تشر الرسالة الى اهم شخصية نسائية بهائية طالبت بتحرير المرأة ومساواتها مع الرجل قبل اكثر من مئة وخمسين عاماً .. انها “الطاهرة ” قرة العين المرأة التي خلفت حراكا اجتماعيا وضجيجا فكريا اين ما حلت وهي التي خرجت على مقاييس عصرها اذ كانت في زمن مفارق او بلغة اخرى ما طرحته من افكار وسلوك خرج على مألوف القرن التاسع عشر ومحمولاته الفكرية والثقافية والاجتماعية. بل حتى الان هي متقدمة بزمنها في مساحات شاسعة من الشرق . ، يقول عنها الوردي في كتابه اللمحات م1 ج2 ص163 شغل المجتمع العراقي في السنوات الاخيرة من ولاية نجيب باشا بحديث امرأة عجيبة تدعى قرة العين اذ هي اسفرت عن وجهها، وارتقت المنابر، وخطبت وجادلت، فكان ذلك اول حدث من نوعه في تاريخ العراق، وربما في تاريخ الشرق كله.
افتقرت الرسالة الى التأكيد على ثقافة المجتمع المدني، وعقد المشتركات بين البهائية وهذه الثقافة لاسيما في مجالات التعايش والتسامح وحقوق الانسان وحرية الاديان والرأي والتعبير واحترام الاخر وودورمنظمات المجتمع المدني ..هذه المفاهيم كان من الضرورة بمكان التأكيد عليها، لانها الحاضنة لثقافة احترام الاخر والمختلف..
الجانب الايجابي للرسالة
الرسالة ذكية وموفقة في مساحة واسعة من طروحاتها فضلا عن توظيفها التوقيت المناسب.. لكسرالحاجز النفسي والاعلامي، وما يستشف منها دعوتها لديمومة هذه الافكار وترسيخها وفرضها كواقع حال ..عبر ضخ اعلامي منظم.
البهائيون في العراق..
اذا بادر البهائيون في مصر بالمحاولة لمناقشة اخوتهم في الوطن بشأن المشاركة بالتفاوض الاجتماعي بعد ان تم استبعادهم من الحوار الوطني الرسمي الذي دعت اليه الحكومة، فالرسالة صرخة استغاثة او رد اعتبار في الفضاء الاجتماعي الجديد الذي خلقته الثورة الشبابية، فجاءت الرسالة كمحاولة للاستفادة القصوى من الانعطافة التاريخية التي حدثت..
الا اننا لم نشهد اي تحرك في الراكد الاجتماعي او في الحقل الاعلامي للبهائيين العراقيين للتعبير عن ظرفهم وواقعهم، ما يعني انهم يعيشون في ظروف امنية قاهرة لاتمكنهم حتى من التعبير عن رغباتهم ورؤاهم وكيفية مشاركتهم لاخوتهم العراقيين في عملية بناء دولة المواطنة العراقية وانجاح التجربة الديمقراطية في العراق وكيفية الاستفادة من امتدادهم العالمي لدعم العراق؟.

باقة ورد مروية بماء النيل العذب الى كاتب المقال

http://alsabahpaper.com/ArticleShow.aspx?ID=8815

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: