البهائية بين محمد عبده وتولستوى


نشر المصرى اليوم فى 15-مايو 2011 مقال مهم لدكتور مراد وهبة
فى العام الماضى احتفلت اليونسكو مع موسكو بمرور مائة عام على موت تولستوى (١٨٢٨- ١٩١٠). والرأى الشائع أن تولستوى أعظم روائى فى التاريخ الإنسانى بفضل رائعتيه «الحرب والسلام» (١٨٦٢- ١٨٦٩) و«أنا كارنينا» (١٨٧٣- ١٨٧٦). وأنا أريد أن يكون الرأى الشائع عن تولستوى أنه صاحب رؤية فلسفية ودينية متميزة أو بالأدق نسيج وحدها. وقد اصطدمت هذه الرؤية بسلطة الكنيسة فاتهمته بالهرطقة، أى بالخروج عن المعتقد.
والسؤال إذن:
لماذا اصطدم؟
كان يبحث عن دين يخلو من الدوجما، أى يخلو من معتقد مطلق، ويخلو من أى علاقة بالدولة، ويخلو من الطقوس الخارجية فعثر عليه فى البهائية فى عام ١٨٩٨. وإثر ذلك أصدر رواية «البعث» (١٨٨٩- ١٩٠٠). وقال فى هذه الرواية عن كنيسة قيصر وأساقفتها «أنتم موتى». وبعد ذلك قرر المجمع المقدس فى ٢٢ نوفمبر ١٩٠١ أن تولستوى عدو الكنيسة وأنه نبى مزيف.
وفى عام ١٩١٠ انفصل عن زوجته وتنازل عن أملاكه ورحل مع ابنته ألكسندرا من غير تحديد مكان للوصول إليه، فأصيب بنزلة برد ومات بقرب منزل ناظر محطة السكة الحديد.
وقبل موته بست سنوات وصلته رسالة من محمد عبده بتاريخ ٨ أبريل ١٩٠٤، الغاية منها مساندته فيما يواجهه من اضطهاد دينى. أهم ما جاء فيها فقرتان: الفقرة الأولى تقول: «هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التى فطر عليها الناس»، والفقرة الثانية تقول: «نظرت نظرة فى الدين مزقت حجب التقاليد ووصلت بها إلى التوحيد». والفقرتان معاً توحيان بأن تولستوى- فى رأى محمد عبده- قد اهتدى إلى الإسلام بحكم أن الاسلام هو دين الفطرة وهو دين التوحيد.
والسؤال إذن:
ما هى استجابة تولستوى لهذا الإيحاء الخفى؟
قال تولستوى فى رده على محمد عبده بتاريخ ١٢ مايو ١٩٠٤:
«إن دينك ودينى سواء، لأن المعتقدات مختلفة وهى كثيرة، لكن لا يوجد إلا دين واحد وهو الصحيح». ثم اختتم رده بسؤال: «ما رأيك فى مذهب الباب ومذهب بهاء الله وأنصاره؟ أو فى صياغة أوضح: ما رأيك فى البهائية؟»
والسؤال إذن:
ماذا يريد تولستوى من هذا السؤال؟
فى ١٧ سبتمبر ١٨٩٤ تسلم تولستوى رسالة من أولجا لبيدوفا- مترجمة مؤلفاته من اللغة التركية إلى اللغة الروسية- تخبره فيها عن «إيمان الباب وبهاء الله»، ومن يومها وهو يجمع معلومات عن البهائية حتى عام ١٩٠٩ وهو العام الذى أعلن فيه تعاطفه مع البهائية. ومعنى ذلك أن تولستوى منذ عام ١٨٩٤ وهو فى طريقه إلى التعاطف مع البهائية.
وكان يريد من سؤاله الذى وجهه إلى محمد عبده أن يعرف مدى تعاطف محمد عبده، لكن حدث ما لم يكن متوقعاً وهو اختفاء رد تولستوى تماماً منذ عام ١٩٠٤. وقيل تفسيراً لذلك إن تولستوى لم يرد، وبالتالى ليس ثمة اختفاء لأنه لم يكن ثمة رد. لكن حدث ما لم يكن متوقعاً وهو أننى عندما رحلت إلى موسكو أستاذاً زائراً، ذهبت إلى متحف تولستوى وهناك عثرت على جميع الرسائل التى أسهمت فى خلق علاقة بين محمد عبده وتولستوى، كما عثرت على صورة من رد تولستوى بخط يده وباللغة الفرنسية، لأنها اللغة الأجنبية الوحيدة التى يعرفها محمد عبده.
وبناءً عليه فإن القول بأن تولستوى لم يرسل رداً هو قول باطل قصد به إزالة التوتر الذى أحدثه سؤال تولستوى لمحمد عبده عن البهائية. وأظن أن هذا التوتر مردود إلى تعاطف محمد عبده مع البهائية على نحو ما ورد فى كتاب «تجاهل الله» لمؤلفه شوغى أفندى، الملقب بالحارس على الإيمان البهائى وصاحب السلطة فى تفسير النصوص الدينية البهائية.
ومع اختفاء رد تولستوى تم بتر العلاقة بين تولستوى ومحمد عبده أو بالأدق بين الغرب والعالم الإسلامى، وقد حدث هذا البتر مرة ثانية عندما حذر الطهطاوى من قراءة شذرات التنوير التى ترجمها هو نفسه عن الفرنسية، حرصاً منه على سلامة الإيمان. وتم البتر مرة ثالثة عند ترجمة كتاب المستشرق الإنجليزى و.س. بلنت صديق محمد عبده، وعنوانه «الأفغانى ومحمد عبده».
فقد ذكر فى نهاية كتابه أن محمد عبده كتب رسالة إلى تولستوى منشورة فى «الملاحق» مع رسائل أخرى، ومع ذلك حذفت «دار الهلال» الرسالة من الملاحق، وهى الدار التى أصدرت الترجمة. وأخيراً جاءت أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ فأصبح البتر بين الغرب والعالم الإسلامى مشروعاً للمستقبل.

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=296831&IssueID=2136

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: