الخروج من ثقافة التمييز


نشر الاهرام اليوم 15 ديسمبر  مقالة جميلة للاستاذ نبيل عمر

جاءني صوته مشحونا بقلق كبير وغضب أكبر‏،‏ وقال‏:‏ معقول ما قرأته من كتابات فيها كثير من التشاحن الطائفي‏..‏لا يمكن أن نترك هذا الخطر يستفحل علي يد ضعيفي الرؤية ودعاة التطرف‏..‏بعض القلق مفيد‏،‏ فالقلق من دوافع الحرص والتدبر والتفكير العميق‏،‏ لكن كثير من القلق قد يفسد انتظام الأفكار ويشوش عليها‏،‏ إذ ينقلب إلي توتر بالضرورة‏،‏ والتوتر أقرب إلي الفوضى منه إلي التدبر‏..‏محدثي هو الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض‏،‏ أستاذ القانون والقاضي بالمحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوجوسلافيا السابقة‏،‏ وقد شاهد بنفسه تفسخ الشعب اليوجوسلافي وتمزقه‏،‏ وهذه الخبرة المريرة تفزعه كلما حدث نزاع طائفي بين مسلمي مصر ومسيحييها‏،‏ خاصة أن أغلب هذه النزاعات تبدو غير منطقية أو أقرب إلي العبثية‏،‏ علي بناء كنيسة أو تغيير دين‏.‏


من هنا يمكن أن نفهم سر قلق الدكتور فؤاد الشديد‏،‏ خاصة أن التشاحن تعددت طرائقه باللسان والقلم والأيدي‏،‏ وأتصور إن لم نقلق معه بنفس الدرجة فنحن علي حافة الهاوية‏..‏

فسألته‏:‏ وأين يقع العبء الأكبر في تفكيك هذه الأزمات التي بدأت تأخذ أشكالا عنيفة في بعض أحداثها؟‏!‏

رد الدكتور فؤاد‏:‏ بالقطع يقع علي عاتق الأغلبية التي يتعين عليها عدم إثارة روح التغريب بينها وبين الأقلية‏،‏ فالأقباط يشكلون مع المسلمين جسد مصر‏،‏ وإذا كان عددهم أقل فإنه يتعين علي الشريحة الأكبر عددا أن تحتويهم دون تمييز ودون استهانة‏،‏ وهذا ليس تدليلا أو ابتزازا‏..‏

قلت‏:‏ لكن المجتمع المصري بصفة عامة تسكنه ثقافة التمييز‏،‏ الرجل ضد المرأة‏،‏ الكبير ضد الصغير‏،‏ الأطول ضد الأقصر‏،‏ الغني ضد الفقير‏..‏

قاطعني قائلا‏:‏ لكننا قطعنا شوطا طويلا في التخلص منها منذ بداية القرن العشرين‏،‏ وكنا نمضي علي الطريق الصحيح‏،‏ لكن الانقلاب الصامت الذي حدث عاد بنا إلي الوراء عشرات السنين إن لم تكن المئات‏،‏ وخاصة في التمييز الديني‏.‏

سكت الدكتور فؤاد برهة ثم قال‏:‏ سأضرب لك مثلا من رجل سياسي أجنبي وهو اللورد كرومر‏،‏ فقد وصف نسيج المجتمع المصري بقوله‏:‏ لا أجد ما يميز المسلم في مصر عن المسيحي سوي مجرد التوجه إلي دار عبادة مختلفة‏!‏

سألته‏:‏ تبدو الأحوال الحالية عصية علي الفهم‏،‏ فالدستور حريص علي إرساء مبدأ المساواة وعدم التمييز بشكل حاسم سواء في الحقوق أو الواجبات‏..‏ فكيف يكون الواقع مختلفا؟

قال‏:‏ طبعا‏..‏ ما أكثر الممارسات التي تتعارض مع الدستور بشكل فج في مجالات كثيرة‏..‏والمدهش أنها أيضا تتعارض مع الأديان التي تشيع الحق والعدل‏..‏ ولها أسباب كثيرة‏:‏

أولا‏:‏ تآكل الطبقة الوسطي وهي الطبقة الحاملة للقيم الحضارية للمجتمع‏،‏ ونجم عنه حدوث فراغ دخله الجهلاء ومحدثو الثراء السريع‏،‏ وكذلك الفكر البدوي مقطوع الصلة بمصر الحضارة‏..‏

اعترضت قائلا‏:‏ لكن هناك من يقول عكس ذلك‏، ‏ وهو أن الطبقة الوسطي لم تتآكل علي الإطلاق‏، ‏ بل نمت وتوسعت‏،‏ ويستشهدون بعدد السيارات المتزايد والتليفونات المحمولة والقرى السياحية في الساحل الشمالي والتجمعات السكنية الجديدة واستهلاك الطعام الخ‏.‏

رد الدكتور فؤاد بحدة‏:‏ ليست هذه هي الطبقة المتوسطة‏،‏ الطبقة المتوسطة ليست حالة شرائية أو دخلا سنويا فقط‏،‏ بل حالة ثقافية وحضارية‏،‏ سلوك وتصرفات‏،‏ ليست سيارة أو تليفونا محمولا أو تكيفا إنما هي فن وذوق ومعرفة‏،‏ عباس العقاد لم يملك سيارة‏،‏ وطه حسين من قاع المجتمع‏..‏ كما أن الأغنياء ليسوا طبقة النبلاء التي شدت أوروبا من التخلف إلي عصر النهضة‏،‏ هم مجرد أثرياء بالمعني المادي البحت‏،‏ ثراء ينحصر في تلبية الحاجات والغرائز‏،‏ ولا يمتد أثره إلي العقل والسلوك العام والحضارة‏.‏

سألته‏:‏ هل ثمة أسباب أخري غير تآكل الطبقة الوسطي‏،‏ بالمعني الحضاري ؟‏!‏

قال‏:‏ اتساع رقعة الفتاوى غير المسئولة‏،‏ كتوزيع تهم التكفير التي لم ينج من عواقبها كبار الأدباء والمفكرين والمثقفين‏،‏ حتى أن بعضهم تعرض للقتل‏،‏ ومازالت هذه التهم تنهال علي الرؤوس دون حرج في الإعلام وفي مؤلفات واسعة الانتشار‏..‏ في الوقت نفسه شاعت ثقافة الهزيمة بعد نكسة‏ 1967،‏ وأخطر ما أفرزته هو فقدان المواطن ثقته وإيمانه بالدولة‏،‏ وفقدان الثقة أضعف إحساسه بالانتماء ودفعه لاتخاذ هوية أخري غير المواطنة‏،‏ وجدها في الانتماء للجماعة الدينية التي أصبحت تفتقر إلي فكر مستنير يدعم الوحدة الوطنية‏.‏

والأسوأ أن الدولة لم تتصد لهذا الخطر‏،‏ بل ركنت إلي المزايدة علي الخطاب الديني الجديد‏،‏ وهو خطاب يوسع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد‏،‏ وتصور أصحاب هذا التوجه أن الدولة يمكن أن تكسب شعبية لدي الأفراد الذين سقطوا في قبضة الفكر السلفي والتمييز القائم علي الدين أو الجنس‏.‏

قلت‏:‏ طيب والحل؟‏!‏

قال‏:‏ لا يوجد حل سحري يعيد الأرض الطيبة إلي طبيعتها بين يوم وليلة‏..‏لكن علينا أن نفكر علي محورين‏:‏ عاجل يوقف الممارسات غير السوية التي هي من عوادم ثقافة التمييز‏،‏ وطويل النفس يعمل بجدية مفرطة للقضاء علي هذه الثقافة ويقطع أسبابها من المنبع‏.‏

قلت‏:‏ وكيف يكون العاجل؟

قال‏:‏ بأسرع ما يمكن علينا أن نتخلص من أي تمييز وارد في تشريعات ولوائح سواء كان صريحا مباشرا‏.‏

قاطعته‏:‏ لا أظن أن هناك تشريعا أو لوائح من هذا النوع‏..‏لأنها ستكون قطعا ضد الدستور‏..‏

قال‏:‏ هذه رومانسية‏..‏خذ عندك‏..‏ذكر الديانة في بطاقة الرقم القومي‏،‏ لأنه يترتب عليها تفرقة في المعاملة نظرا لروح التعصب التي تزايدت في حياة المجتمع المصري‏،‏ وهنا أنا لا أحدد أصحاب ديانة دون الأخرى‏،‏ ولا تنس أن حكم المحكمة الإدارية العليا من وجوب كتابة أن شخصا قد أسلم ثم عاد إلي المسيحية‏..‏فهو قد يؤدي إلي التربص بحياة هذا الشخص من بعض المتعصبين‏..‏

والأهم هو سن تشريع يحدد جميع أنواع التمييز ويعتبرها جرائم ويضع عليها عقوبات رادعة سواء مورست هذه الجرائم في دوائر رسمية أو مدنية‏.‏

سألته‏:‏ والحل طويل النفس؟

قال الدكتور فؤاد‏:‏ التعليم والإعلام هما أهم الأدوات في محاربة ثقافة التمييز‏..‏بعمليات تنقية دائمة من التعصب والتطرف‏:‏

لكن حجر الأساس في كل هذا هو القانون‏..‏الالتزام به تماما في كل جوانب حياتنا‏،‏ وأن نكف تماما عن التعامل معه بشكل انتقائي‏..‏ فالعدالة في المواقف تصنع روح المواطنة‏!‏

تعب الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض من الكلام‏..‏ فألقي بالتحية وأغلق الخط‏!‏

nomar@ahram.org.eg

تعيقيب: شكرا جزيلا استاذ نبيل وحوارك الرائع مع د فؤاد رياض الحقوقى المخضرم الذى يفيض بالانسانية

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , ,

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: