هل نعيش في دولة مدنية حقا؟


 نشر هذا المقال للدكتور جابر عصفور فى جريدة الاهرام 26-7-2010

جابر عصفور

أعترف أني لا أجد إجابة واضحة أو محددة عن هذا السؤال‏,‏ فما يقوله الرئيس مبارك ويؤكده‏,‏ غير مرة‏,‏ أننا دولة مدنية يحكمها دستور‏(1970)‏ من صنع البشر‏,‏ وهي دولة قائمة علي الفصل بين السلطات‏,‏

 وعلي احترام حقوق المواطنة وعدم التمييز بين المواطنين‏,‏ علي أساس من دين أو عرق أو ثروة‏..‏الخ‏,‏ فالجميع أمام القانون والدستور سواء‏,‏ وأن حرية الرأي والتعبير والعقيدة وحرية الصحافة والإعلام الخاص مكفولة للجميع بلا استثناء‏,‏ ولا يملك منصف إنكار حقيقة أن عهد الرئيس مبارك تميز بدرجة عالية من الحرية غير المسبوقة التي تمتعت بها الصحافة وأجهزة الإعلام المستقلة عن الدولة‏,‏ وذلك الي الدرجة التي دفعتها الي التفوق علي الإعلام الحكومي في حالات كثيرة‏,‏ وأظهرت فرسانا للكلمة‏,‏ ومدافعين عن الحرية بكل معانيها والعدل الاجتماعي بكل صوره‏,‏ كل هذا صحيح ولا ينكره إلا مكابر أو معاند‏.‏


ولكن الواقع الذي نعيشه فعليا يدعو الي الشك في أننا نعيش في ظل دولة مدنية بكل معني الكلمة حقا وصدقا‏,‏ ومصدر شكي الذي لا أجد له اجابات شافية حاسمة يطمئن لها قلبي يرجع الي ظواهر عديدة ولافتة‏,‏ أهمها المادة الثانية من الدستور الذي فصله ترزية قوانين السادات‏,‏ استجابة لرغباته‏,‏ وتعبيرا عن واقع التحالف بينه والجماعات المتأسلمة التي أطلق سراحها من السجون الناصرية ليدعم موقفه في مواجهة قوي اليسار والناصرية القومية علي السواء‏,‏ وكانت النتيجة أن أصبحت المادة الثانية من الدستور علي النحو التالي‏:‏ الإسلام دين الدولة‏,‏ واللغة العربية لغتها الرسمية‏,‏ ومباديء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏,‏ وكان من الطبيعي أن يتحدث ممثلو التأسلم السياسي‏,‏ من حلفاء السادات‏,‏ عن أسلمة القوانين‏,‏ وعن أسلمة الدولة وعن تغيير مواد القانون لتطابق الشريعة الإسلامية‏,‏ ووصل الأمر الي درجة الحديث‏,‏ أحيانا‏,‏ عن ضرورة العودة الي رجم الزاني والزانية‏,‏ وقطع يد السارق‏,‏ فضلا عن شيوع تهمة التكفير التي أصبحت سهلة‏,‏ شائعة علي ألسنة مكفراتية جدد‏,‏ يتربصون بالمخالفين لهم في الرأي‏,‏ وهو الأمر الذي أدي الي اتهام السادات نفسه لأنه خان العهد الذي عاهد المتأسلمين عليه فيما زعموا‏,‏ وتبع ذلك اغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ‏,‏ والحكم علي نصر أبوزيد بالردة‏,‏ ووصل الأمر بواحد ممن كفروه الي درجة الافتاء بعدم جواز دفنه في مقابر المسلمين‏,‏ علي الرغم من أن نصر صرح بالشهادة عشرات المرات‏,‏ وعلي الرغم من أن الحكم بردته والتفريق بينه وزوجه قد أوقف بحكم مضاد‏,‏ فظل نصر‏,‏ رحمه الله‏,‏ مسلما في نظر القانون والشرع‏,‏ ولم يحدث تفريق قط‏.‏
واذا قارنا بين هذه المادة ونظيرتها في دستور‏1923(‏ دستور الليبرالية المصرية العظيمة‏)‏ وجدنا المادة‏(149)‏ تنص علي أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية‏,‏ وكان وضع هذه المادة بناء علي اقتراح الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية‏,‏ في ذلك الزمان البعيد‏,‏ وعضو لجنة الدستور المكونة من ثلاثين عضوا‏,‏ وقد علقت صحيفة الوطن في ذلك الوقت بأن هذا النص يؤدي الي تمييز لا محل له‏,‏ وأنه يبتعد بالدستور عن الأنظمة الحديثة التي تفصل بين الدين والسياسة‏,‏ وأضافت أنه يثير إشكالا مهما‏,‏ وهو أنه اذا كانت هناك سلطة تشريعية‏,‏ أوجد لها الدستور مصدرا هو البرلمان‏,‏ وسلطة تنفيذية هي الملك والوزارة‏,‏ وسلطة قضائية مصدرها القضاء والقانون‏,‏ فإن النص علي دين الدولة قد يوجب إيجاد مصدر له‏,‏ ومن ثم الاعتراف بسلطة دينية هي الخلافة التي هي مصدر يخرج عن دائرة السلطات التي يجب أن ينص عليها الدستور‏,‏ ويتناقض مع مبدأ أن الأمة كل الأمة هي مصدر السلطات‏,‏ وفي ذلك خروج علي أهداف الدستور‏,‏ من حيث هو تأسيس لدولة مدنية حقا‏,‏ ولكن عقلاء اللجنة من مسلمين وأقباط لم يقبلوا بهذا الرأي‏,‏ ورأوا أن النص علي أن دين الدولة الإسلام هو تحصيل حاصل‏,‏ لأن الإسلام دين الأغلبية التي لم تمايز بين حقوقها والأقباط في معني المواطنة ولوازمها قط‏,‏ وقد أضاف عقلاء الأقباط استبعاد مبدأ التمثيل النسبي للأقليات‏,‏ وذلك حتي لا يتسرب التمييز الي الدولة التي لا تعرف تمييزا في مفهوم المواطنة ولوازمها‏.‏
وكان دستور‏1923‏ علي هذا النحو تعبيرا صادقا عن ثورة‏1919‏ التي رفعت شعار الدين لله والوطن للجميع‏,‏ وعلي الرغم من أن الوفد لم يكن ممثلا في لجنة إعداد الدستور التي أطلق عليها سعد زغلول اسم لجنة الأشقياء‏,‏ فقد جاء الوفد الي الحكم مكتسحا‏,‏ في ظل إعلان هذا الدستور‏,‏ وتولي الحكم مع الأحرار الدستوريين سنة‏1926‏ في ظل هذا الدستور الذي أنقذ طه حسين من مصير زميله علي عبدالرازق‏,‏ عندما أصدر كتابه في الشعر الجاهلي في مارس‏1926,‏ وكان ذلك علي النقيض من انقلاب صدقي باشا علي الدستور‏,‏ ومحاولة اختراع دستور جديد سرعان ما سقط‏,‏ لكنه قبل أن يسقط ليعود دستور‏1923,‏ صدر حكم قضائي علي الشيخ محمد أبوزيد‏(‏ ليس من عائلة نصر أبوزيد‏)‏ وأعدم التفسير الذي نشره‏,‏ ولم يعد له وجود حتي في دار الكتب‏.‏ والواقع أن الفارق بين المادة الثانية من دستور السادات والمادة‏(149)‏ من دستور‏1923‏ فارق هائل‏,‏ يتمثل في أن الدستور القديم من صنع الليبرالية المصرية التي عمدتها ثورة‏1919‏ وإلحاحها علي أن الدين لله والوطن للجميع‏,‏ ولذلك صاغت دستورها‏(1923)‏ علي شاكلة شعارها الذي يؤكده النص علي أن المصريين بلا استثناء سواء لدي القانون‏,‏ وأنهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية‏,‏ وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة‏,‏ لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين‏(‏ المادة الثالثة‏)‏ وحرية الاعتقاد مطلقة‏(‏ مادة‏12)‏ وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان‏(‏ مادة‏13),‏ ومن اللافت حقا أن المادة الخاصة بالدين جاءت في ذيل دستور‏1923,‏ بعد الباب الأول الذي يحدد نظام الحكم‏,‏ والباب الثاني الذي يحدد حقوق المواطنين وواجباتهم‏,‏ والباب الرابع عن المالية‏,‏ والخامس عن القوة المسلحة‏,‏ وبعد ذلك كله‏,‏ يأتي في الذيل باب أحكام عامة وتتضمن‏(‏ مادة‏149)‏ التي تنص علي أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية‏,‏ وتتضمن المادة‏(153)‏ أن القانون ينظم الطريق التي يباشر بها الملك سلطته فيما يختص بالمعاهد الدينية وتعيين الرؤساء الدينيين‏..‏الخ‏,‏ طبقا للمباديء المقررة بهذا الدستور‏(‏ المدني‏).‏
أما دستور السادات فقد وضع المادة المختصة بالدين في صدارته‏(‏ الثانية مباشرة‏)‏ وأضاف‏:‏ مباديء الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع‏,‏ فضرب واضعو هذه الإضافة شعار الدين لله والوطن للجميع في مقتل‏,‏ وهي مادة لا أظنها تختلف عن ما يمكن أن يضعه الإسلام السياسي في صدارة دستور لدولة دينية‏,‏ فضلا عن أن هذه المادة‏,‏ علي ما هي عليه‏,‏ تتجاهل وجود ديانات أخري‏,‏ وكان الأجدر أن يكون نص المادة هو الديانات السماوية مصدر إلهام للتشريعلأنه لا يمكن‏,‏ عقلا‏,‏ تصور تشريع يعادي القيم الكلية الكبري للديانات التي تهدف في النهاية‏,‏ الي إسعاد البشرية‏,‏ لكن هكذا‏,‏ شاءت ظروف التحالف بين السادات وتيار الإسلام السياسي‏,‏ هادفة الي تقويض قوي اليسار والناصرية والقومية والليبرالية بالقدر نفسه‏,‏ وكانت النتيجة ثلاث كوارث‏,‏ هي علي وجه التحديد‏:‏
‏1‏ ـ إشاعة نزعة التديين الإسلامي وفتح الطريق لصعودها بما أدي الي تحولها الي تيارات تطرف وقمع للتيارات المستنيرة المعادية للدولة المدنية‏.‏
‏2‏ ـ الإسهام في إيجاد مناخ من الاحتقان الطائفي الذي لم تألفه مصر منذ ثورة‏1919,‏ مما أدي الي اشتباكات وأعمال عنف بين المسلمين والأقباط بما لايزال تهديدا حقيقيا للوحدة الوطنية‏,‏ وكان ذلك في أماكن عديدة مثل الزاوية الحمراء‏,‏ والكشح‏,‏ والعديسات‏,‏ وملوي‏,‏ والإسكندرية‏,‏ ونجع حمادي أخيرا‏.‏
‏3‏ ـ تضاعف حملات التكفير علي دعاة الدولة المدنية‏,‏ ابتداء من اغتيال فرج فودة‏,‏ والاعتداء علي نجيب محفوظ‏,‏ وتكفير نصر أبوزيد‏,‏ وعشرات العشرات من دعاوي الحسبة القديمة والجديدة التي تقف أمامها الدولة المدنية‏(‏ ؟‏!)‏ عاجزة‏.‏
والسؤال الذي ينبغي أن نسأله‏,‏ الآن‏,‏ للدولة التي نعيش فيها‏,‏ ونتمسك بصفتها المدنية‏,‏ وندافع عنها‏:‏ كيف تحمين هويتك المدنية أيتها الدولة‏,‏ وتحمينا معك‏,‏ نحن المثقفين‏,‏ الذين لا نزال نؤمن بالدولة المدنية وندافع عنها مهما كان الثمن؟ كيف؟‏!‏ كيف؟‏!‏ كيف؟‏!‏
  http://www.ahram. org.eg/239/ 2010/07/26/ 10/31042. aspx

الأوسمة: , , , , , , , , ,

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: