بيكار وانقراض وطن متسامح (٤)


بقلم   خالد منتصر  فى المصرى اليوم   ٣٠/ ١١/ ٢٠٠٩

لماذا بيكار الآن؟ هل هو مجرد الذكرى السابعة لوفاته، التى توافق شهر نوفمبر؟ هل هو «طناش» مسؤولى وزارة الثقافة عن الاحتفال بذكراه خوفاً من أن يقال إن وزارة الثقافة تحتفل بفنان بهائى؟ هل هو انقراض فن البورتريه الإنسانى الذى يصور مكنون الداخل قبل ملامح الخارج بعد رحيل بيكار وكنعان وصلاح طاهر؟ هل هو حاجتنا للفنان الذى يحمل رقة لوحاته فى تصرفاته وسلوكياته مثلما كان بيكار الرقيق الراقى؟..

أكتب عن بيكار الآن لكل هذه الأسباب، ولكن هناك سبباً أهم، هو أننى أريد أن أرى ملامح الوطن الذى كنت أعرفه والذى سمح لبيكار البهائى أن يلمع فى سماء الفن والصحافة، لأنه فنان حقيقى دون الدعبسة واللغوصة فى نواياه واعتقاداته.. الوطن الذى كان متسامحاً يسمح لكل المواهب بأن تتفتح وتنمو وتزدهر وتتفاعل..الوطن الذى أنجب «مختار» وجمع التبرعات لتمثاله نهضة مصر قبل أن يعتنق فكرة تحريم التماثيل لأنها أصنام.. الوطن الذى تسامح مع سيد درويش وجعل لحنه نشيداً وطنياً حتى ولو شك فى وفاته نتيجة شم الكوكايين.. الوطن الذى نصّب سعد زغلول زعيماً وطنياً حتى ولو اعترف فى مذكراته بأنه كان يلعب القمار.. الوطن الذى كان يحترم الصدق ويعترف بالضعف البشرى وينكر وجود اليوتوبيا على الأرض ويسأل الفنان عن إبداعه الفنى لا عن أسراره الشخصية.

من أهم مغامرات بيكار الفنية، تفرغه الكامل لمدة ثلاث سنوات لتسجيل عالم معبد أبى سمبل أثناء إنقاذه، وكانت الحصيلة ثمانين لوحة وآلاف الإسكتشات وفيلماً تسجيلياً كندياً استخدم هذه اللوحات.كان بيكار كالراهب الذى تعبّد فى رحاب هذه الحضارة، تنفسنا معه عبقها وشاهدنا طيبة ونفرتارى ورمسيس الثانى، وكأننا نحيا فى هذا العصر الذى منحنا الزهو ومنحناه التجاهل، فجاء بيكار ليذكرنا بأننا أحفاد هؤلاء العباقرة، وكان تكليف وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة لبيكار فرصة ذهبية استغلها الفنان بحسه المرهف لبناء صرح فنى خالد، وأتمنى بشكل شخصى أن يعرض التليفزيون المصرى فيلم «العجيبة الثامنة» الذى تزين لوحات بيكار جميع مشاهده التسجيلية الفريدة.

بيكار كان الحب والتواضع والتأمل والتهذيب، إنه كما يقول عن نفسه:

أنا اللى بعضى من تراب الأرض وبعضى من أثير

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=235054

أنا الظلام والنور وجوايا الصغير والكبير

أنا اللى ممكن أزحف على بطنى وممكن فى الهوا أطير

أنا الشر لو أطاوع نفسى وكل الخير لو يصحى الضمير

t

الأوسمة: , , , , , , , ,

رد واحد to “بيكار وانقراض وطن متسامح (٤)”

  1. ابن الورقاء Says:

    شكرا استاذتنا على المقال وشكر حار حار وخاص للكاتب خالد منتصر على انصافه

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: