الكفاح من أجل العدالة


تقرير الجامعة البهائية العالمية الى الدورة الثالثة والخمسين لمفوضية الأمم المتحدة حول وضع المرأة . التوزيع العادل للمسئوليات بين النساء والرجال.

نيو يورك – 28 فبراير 2009

إن التوزيع العادل للمسئوليات بين الرجال والنساء يمثل عاملا مكملا من عوامل إقامة علاقات مؤسسة على العدل – علاقات تشكل أساسا نحو صالح وتنمية الأفراد والأسر والمجتمعات. لا جدال ، فى هذا الوقت ، فى أن المساواة بين الرجال والنساء – التى تنعكس من خلال الشراكة المتكافئة والعادلة فى المسئوليات – قد صارت فى المتناول وفى أمس الحاجة اليها. إنه على الرغم من أن الكثير من حكومات العالم قد ناضلت من أجل تحقيق شراكة متساوية بين الرجال والنساء داخل الأسرة وفى المجتمع وفى الحياة العامة، إلا أن أفرادا ما زالوا يناضلون من اجل التمسك بأساليب الهيمنة والعنف اللذان يمثلان كثيرا من مظاهر التفاعل البشرى.

إن هدف اقتسام المسئوليات يطرح أسئلة عن طبيعة وغرض الحياة الإنسانية ، وكيف يمكن تحديد مجال وحصة تلك المسئوليات. إن الجامعة البهائية العالمية تسترشد باعتراف غير مشروط بالنبل الجوهرى لكل كائن بشرى وبقدرته على أن يتطور روحيا وعقليا وعلى أن يصبح حافزا لدعم الآخرين ومساندتهم. فنحن نرى أن كل فرد حائز على مواهب نفيسة يمكن – ومن خلال التربية – تنميتها وانعكاسها فى خدمة صالح العموم. والأهم من هذا أنه إذا كان الرجال والنساء متفاوتين عضويا فإن هويتهم الروحية متساوية ، إذ إن الروح ليس لها جنس. إذن فعلى كل فرد أن يلعب دوره فى الكفاح من أجل صالح الآخرين ومن اجل خلق نظام اجتماعى يعزز المصلحة الروحية والمادية لكل الناس.

فى هذا المسعى الشامل يلعب الأفراد والجماعات ومؤسسات المجتمع دورا هاما. فى الواقع لا يمكن فصل الفرد عن بيئته أو بيئتها ولا يمكن اصلاح أحد دون الآخر إذ إن حياة الفرد الخاصة تشكل البيئة وتتأثر بها فى الوقت ذاته. إن المعدل الهابط للتفسخ الأسرى، ممثلا فى نقص فرص العمل والتعليم للسيدات، وتراكم المهام المنزلية على الأنثى، والإجهاض الأنثوى ، وعزل السيدات المسنات، والعنف ضد الفتيات والسيدات، كل هذه هى أعراض نظام إجتماعى من شأنه أن يقوّض القدرة على التعاون والخدمة والعدالة والإمتياز الكامن داخل كل كائن حى. إن البرامج والسياسات الحكومية سوف تكون قادرة على إحداث تغييرات ثابتة فى الآليات التى تميز النصيب من المسئوليات، بما فى ذلك منح الرعاية بين الرجال والنساء ، بقدر ما تعترف هذه البرامج والسياسات بأن التغيير الإجتماعى والمؤسسى لا بد وأن يكون مصحوبا بتغيير فى القيم الإنسانية.

فعلى مستوى الفرد فإن التغيير يتطلب إعادة تفكير جوهرى فى الطريقة التى يتأهل بها الأولاد إجتماعيا ليكونوا رجالا وكيف ينقل هذا التأهيل الى الأسرة والمجتمع والحياة العامة. فسياسات التربية التمييزية للأطفال، وطموحات الأباء، وكذلك المعاملات السيئة للإناث، كل هذا قد أدى الى تأصيل الإحساس بالتميز والأفضلية لدى الذكور. والأهم أن هذه السياسات قد ساهمت فى تضييق مفاهيم الذكورة والأنوثة والتقليل من قيمة الإنجازات التى تحرزها النساء وتأصيل مبدأ الهيمنة والظلم والفقر.

مع الإقرار بالحاجة الى تغيير جوهرى فى الإتجاهات والسلوكيات – وذلك لإحداث تغيير فى آليات التفاعل البشرى – فإن الجامعة البهائية العالمية قد ركزت على التربية الروحية والأخلاقية للأطفال حتى يعينهم ذلك على تكوين هوية أخلاقية قوية وعلى تكوين كفاءة تمكنهم من تطبيق مبدأ المساواة بين الرجال والنساء. ولقد تم التركيز بشكل خاص على تربية الأطفال من 12-15 عام ، أى مرحلة ما قبل الشباب. فى هذا السن المحورى يبدأ الشباب فى تكوين الإحساس بالمسئولية الأخلاقية الشخصية وصناعة القرار وتنقية مهاراتهم الفكرية الناقدة والشغف لاكتشاف قضايا تستيقظ نحوها ضمائرهم تدريجيا. فى أرجاء كثيرة من العالم يواجه الأطفال أعباء مصاعب الحياة ولكنهم قادرون على التفكير بعمق فى العالم من حولهم. فبينما هم يجتازون هذه المرحلة الحساسة من حياتهم لا بد وأن يمنحوا الأدوات المطلوبة ليتعرفوا على المعطيات الأخلاقية التى تشكل الخيارات التى يتخذونها.

هذه المرحلة من التطور تمثل فرصة هامة لدى الأباء والجماعات والمؤسسات لمساعدة هؤلاء الشباب ليس فقط على تكوين هويات إيجابية ولكن أيضا على ترقية تفكيرهم وعلى تمكينهم من تشكيل توجه متفتح من شأنه أن يلهمهم العمل من أجل صالح مجتمعاتهم. فبالنسبة للأولاد فإن الجهود فى هذا الصدد ينبغى أن تمدهم – من بين أشياء كثيرة – بالأدوات التى تمكنهم من تنمية الشجاعة الأخلاقية للاضطلاع بمهام ومسئوليات جديدة وخصوصا أولئك الذين ارتبطوا تقليديا بمساهمات الفتيات. أما بالنسبة للبنات فإن الجهود يجب أن تمدهن بأدوات تمكنهن من أن يكتشفن ويبدأن فى تطوير كفاءاتهن واسعة المجال فى كل الميادين البشرية.

إن التركيز على تغيير الإتجاهات ينعكس فى قرارات الوكالات المختلفة للأمم للعمل مع المنظمات المؤسسة على أسس دينية لتحقيق المساواة بين الجنسين. ففى 2008 ، على سبيل المثال ، حققت كل من  ” اليونيفبا”   ((UNFPA 1 و”اليونيفيم” (UNIFEM) 2 طفرات هامة فى هذا الإتجاه.3 . فوكالة “اليونيفبا” جمعت أكثر من مائة منظمة دينية وزعماء دينيين لمناقشة التعاون فى مجال الجنسين والتنمية. أما “اليونيفيم” فقد طرحت شراكة جديدة مع منظمة (أديان من أجل السلام) وحملة ( قل لا للعنف ضد النساء ) التى تدعو الى تكاتف الجامعات الدينية عبر العالم لقيادة جهود لوقف العنف ضد النساء. لا شك ان الإلتحام مع منظمات مبنية على أسس دينية يشير الى ضرورة البحث عن طرق جديدة للتفكير فى ظروف العلاقات غير العادلة بين الرجال والنساء، طرق تسترشد بالأبعاد الروحية والأخلاقية للحياة الإنسانية.

بالتركيز على هذه الأبعاد فإن جهود الجامعة البهائية العالمية لتحقيق المساواة بين الجنسين كانت قريبة من هذا المعيار الذى من خلاله يتحقق هذا الهدف . إن من السمات المميزة للمبادرات البهائية أنها تكشف من خلال هدف أوسع عن ضرورة صيانة وتعزيز وحدة الأسرة ووحدة المجتمع. إن الطرق المستخدمة تأخذ فى الإعتبار الأساليب الثقافية أو الحضارية لدى المجتمع وتتبنى رؤية ثورية للتغيير، حيث إنها تؤكد على سياسة التشجيع وعلى مبدأ الجماعية فى صناعة القرار وبناء الثقة وعلى التكامل – وليس المماثلة – فى الأدوار.

أحد أمثلة هذه المبادئ الواقعية والفاعلة هو ( معهد بارلى لتنمية النساء القرويات فى إندور بالهند) الذى يركز على تدعيم وتقوية النساء والفتيات القرويات ذوات الحظوظ السيئة. فالمعهد يتبنى اتجاها دوريا للإمداد ببرامج تدريبية شمولية من شأنها أن تعلم الرجال والنساء وتشجعهم على ابراز المساواة فى المنزل وفى المدرسة وفى العمل وفى الجماعات وفى الحياة المدنية والدينية. إن المنهج يتبنى اتجاها ثقافيا حساسا ينشد استئصال الإتجاهات المنيعة التى تؤصل العلاقات العنيفة والظالمة. وعلى الرغم من أن المنهج يتعامل مع قضايا مثال تعاطى الكحول والعنف ومسببات الأيدز والإستغلال، فإن كل هذه الأشياء لا تفهم إلا على أنها مجرد أعراض وليست المشكلة ذاتها. فالهدف الأساسى إذن هو مخاطبة القيم والإتجاهات القائمة والتى تمثل عوائق أمام تأسيس علاقات أكثر عدلا. فالمواضيع التى يتناولها المنهج تشمل: المشاركة فى المسئوليات الأبوية، المساواة بين الزوج والزوجة، تعليم الفتيات، واستخدام صناعة القرار غير العدائى، وخدمة الجماعة. إن الأزواج الذين أتموا المنهج قد لمسوا إحساسا عظيما بوحدة الأسرة ، والتقليل أو التوقف الكامل للعنف البدنى، وقدرة أعظم على التعبير عن أرائهم فى المنزل وفى الحياة العامة، وممارسة المزيد من التشاور معا لحل المشاكل الأسرية.

وفى الختام فإننا نشجع الحكومات المجتمعة فى ( مفوضية وضع المرأة ) على:

–        إعتبار الأبعاد الروحية والأخلاقية للإتجاهات والتفاعلات التى شكلت التقسيم غير العادل للمسئوليات بين الرجال والنساء.

–    وضع فى الإعتبار الأدوار التى يجب أن يضطلع بها الأفراد والجماعات ومؤسسات المجتمع والتفاعل فيما بينهم لإيجاد صيغة عادلة لتوزيع المسئوليات.

–    إيلاء اهتمام خاص بتربية وتعليم البالغين 12-15 سنة الذين غادروا الطفولة وهم بصدد تغييرات عميقة، وذلك فى الإتجاهين العقلى والأخلاقى.

–        وضع فى الإعتبار الإستفادة من مهارات وإمكانيات المنظمات الدينية للعمل نحو تغيير فى الإتجاهات والسلوكيات.

_____________________________

الهوامش:

1. The United Nations Food and Population Fund

  صندوق الأمم المتحدة للغذاء والسكان.

2. The United Nations Development Fund for Women

  صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة.

3. فى2007 بدأت المفوضية مجهودات مكثفة لتعزيزالإتصال مع منظمات دينية لتعزيزالإهتمامات المشتركة من قبيل وباء الأيدز، العنف المبنى على الجنس، حالة التقويض النساء، إنقاص معدل وفيات الأمهات، والمؤازرة فى الأزمات الإنسانية.

 

Link

http:// bic.org/ statements-and-reports/ bic-statements/ 09-0228.htm

BIC Document #09-0228

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: