Archive for أكتوبر 6th, 2009

رسالة الى والدى فى ذكرى حرب اكتوبر

06-10-2009

peaceنشرت باليوم السابع 6-10-2009
يمر هذا العام الذكرى السادسة والثلاثين على حرب اكتوبر واحببت ان  ارسل الي روحك ياوالدى رسالة قصيرة اعبر لك عن امتنانى لما غرسته فينا من قيم نبيلة وافكار سامية تعلو  على معانى الانانية وتصبو الى معانى المحبة و الخدمة للمجتمع من حولنا. لقد علمتنا انه ليس الفخر ان نحب انفسنا بل ان نحب كل من حولنا فنحب الوطن و العالم والعدل.

  فى مثل هذا اليوم بدأت الحرب  وبدأ معها تضرعنا لله الواحد الذى لا شريك له ان يمن علينا بالنصر لكى تنتهى الحرب ويعود الينا والدى الذى كان يعمل بالاشغال العسكرية سريعا ويأتى الينا كما كان يفعل على مدى خمسة اعوام لمدة  ثلاثة ايام فى الشهر ننعم بحنانه ويعطى والدتى مصروفاتنا ثم يعود بعدها الى مدينتنا الصغيرة . وعندما حدثت الحرب كنا من اكثر المصريين سعادة لان هذا الانتصار كان يعنى لنا العودة الى المنزل الصغير الذى نشأنا به والى مدينتنا الباسلة التى شهدت طفولتنا وضحكاتنا ودموعنا . وانتهت الحرب ولكن ظلت اخبار والدى مجهولة ومرت عدة اشهر كان يرسل لنا المصروفات  مع احد زملائه وبدون رسالة تطمئنا عليه , وقلقنا كثيرا وبدأت  الشكوك تساورنا خوفا على حياته وبعد عدة اشهر وقفت عربة اسعاف تحت منزلنا بالمدينة التى هجرنا اليها وصعد والدى للمنزل شاحب الوجه بطىء الحركة وقد فقد الكثير من وزنه , وعلمنا منه انه اصيب بالحرب وظل بالرعاية الحرجة يصارع الموت بمستشفى القوات المسلحة عدة اشهر وعندما سمح له الاطباء بالسفر حضر الينا . تضرعنا لله شكرا على عودته للمنزل . وفى ذكرى حرب اكتوبر فى العام الذى تلا الحرب كرمت القوات المسلحة كل الذين خدموا مصر اثناء هذه الحرب وكان والدى احدهم وحصل على نجمة سيناء كتب عليها ” ان جندنا لهم الغالبون” . وتوفى والدى بعدها باربعة عشر عام .

  و ظلت هذه النجمة تزين منزلنا الصغير حتى الان وعدنا الى مدينتنا فى العام التالى وعندما وطأت قدم  امى  ارض المدينة جثت على ركبتيها تقبل ارضها شكرا لله , وعدنا لمنزلنا  الذى كنا نقيم به مع  جيران من اجناس مختلفة المصرى منهم البحراوى والنوبى واليونانى والايطالى  وديانات مختلفة كاثوليك وارثوذكس ومسلمين وبهائيين  وبشرة مختلقة بيض وسود   وبسمرة ماء النيل .

  كان الجميع متحابون ولان منزلنا بالدور الاول كان دائما ملاذا للجميع فى فترات الحروب حيث كان على الجميع النزول الى الدور الاول بناء على تعليمات الدفاع المدنى لسلامة السكان عندما تصفر غارات الانذار,  وكان كل السكان  بالتناوب يصلى صلاته لله الواحد  ويستمع الباقى  بانصات واحترام , كانت صلاتنا واحدة الهدف وهى  ان يوقف الله تعالى الحرب ونزيف الدم وان ياتى الله بالسلام ويحافظ على منزلنا الصغير من الضربات الجوية الشرسة  التى لا تعرف الرحمة والتى كانت قلوبنا الصغيرة تكاد ان تتوقف ضرباتها خوفا وهلعا من ان نفقد عزيز من اهلنا  الذين نحتمى بهم من اتون الحرب, وان يحمى مصر بلد السماحة والقلب النابض المفتوح  لكل الثقافات والاجناس فى العالم  . كانت جارتنا الايطالية   احيانا تنهار بكاء من الخوف فتقول لامى بلغة عربية مكسرة من فضلك صلى باسمى فى صلاتك لانى لا استطيع ان اصلى الان .

 وكانت احيانا تستمر حالة الخطر لعدة ساعات فتأتى الامهات بالطعام ويوزعونها  على الجميع بكل محبة ولا تفرقة بين اى احد منا , واحيانا اخرى كنا نخلد الى النوم وكانت امهاتنا تضعنا بين احضانهم وهم جلوس على الارض بجوار بعضهم البعض وكأن لسان حالهم  يقول يا نعيش سوا يانموت سوا . وعندما يزول الخطر ونريد ان نلهو بالشارع كان الاهالى يخافون من تجدد   الغارات  فجاة  وان يحدث لنا مكروه  فينصحوننا باللعب فى فناء الكنيسة اليونانية التى كانت خلف المنزل وكنا نذهب جميعا ونستأذن باللهو فى حديقة الكنيسة فى غير الاوقات المخصصة للعبادة ,  وكان ياتى الينا احد رجال الدين بها محملا بالحلوى  وسط ضحكاتنا ونحن نتخاطف منه الحلوى . وعندما اشتدت الحرب وامتلات المستشفيات بالجرحى وطلب رجال الدفاع المدنى من كل انسان فى مدينتى الساحلية الصغيرة  التبرع بالدم لانه لا يوجد دماء تكفى الجرحى العائدين من الحرب . وعلى الفور اقنعنا  والدى انهم سوف ياخذون منا كمية قليلة جدا  من الدماء وفرحنا باننا سنشارك الكبار فى ذلك  وذهبنا الى المستشفى العام وتبرعنا وفرحنا  بعلبة عصير قها التى اعطونا اياها.  ولم يتردد الجيران ايضا فى ذلك واختلطت دماء الجميع لم يفكر احد  لمن سيعطى دمه وحتى يومنا هذا الجميع يتبرع بدمه وتمتلئ  بنوك الدم بدماء المصريين بكل طوائفهم والوانهم يتبرعون بها كسائل درى يوهب الحياة للاخرين ومازال نهر هذا النوع  من العطاء متجددا وسيظل دائما متجددا لان المصرى بطبعه متسامحا ومعطاءا, رحمك الله ياوالدى فقد علمتنا معنى ان نحب الوطن والعالم كله.                                                         

                                                                                     الى شركائنا فى الوطن الواحد ان المحبة هى سر البعث الالهى وارسال رسالات السماء للبشر فاجعلوها سرج تشرق على صفحة مياه النيل لكى تنتج حضارة عريقة كما فعل اجدادنا القدماء وكل عام ومصر بخير وسلام دائم باذن الله

http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=142857&