السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ( 8)


flowers_128-800x600  المشورة بين البشر

إِنَّ الشّجاعة والعزيمة، وصفاء النّيَّة، والمحبّة المُنزَّهة عن المآرب الشّخصيّة بين شعبٍ وآخر، وكلّ الفضائل الرّوحيّة والخُلُقِيَّة التي يستلزمها تـنفيذ هذه الخطوة الخطيرة نحو السّلام ترتكز على فِعْل الإِرادة. ففي اتِّجاهنا لخَلْق الإِرادة الضروريّة علينا أن نأخذ بعين الاعتبار صادقين حقيقة الإنسان، أي فِكْرَه. فإِذا تمكَّنا من إدراك علاقة هذه الحقيقة النّافذة بالنّسبة لهذا الموضوع نتمكَّن أيضاً من تقدير الضرورة الاجتماعيّة لترجمة فضائل هذه الحقيقة الفريدة إلى الواقع عن طريق المَشُورة الودِّيّة الصّادقة الرّزينة، ومن ثمّ العمل بمُقْتضَيات نتائج هذه المشورة. وقد لَفَتَ بهاءالله الأنظار مشدِّداً على منافع المشورة في تـنظيم الشّؤون الإنسانيّة وعلى أَنَّه لا يمكن الاستغناء عنها فقال: “تُسْبغ المشورة وعياً أكبر وتُحيل الحَدْسَ إلى يقين. إِنَّها سراجٌ مُنير في ظَلام العالم يُضيء السّبيل ويَهْدي إلى الرّشاد. إِنَّ لكلّ شيء درجةً من الكمال والنّضوج تستمرّ وتَدُوم، ونضوج نعمة الإدراك يظهر جليّاً بواسطة المشورة”. وبالمِثْل فإِنَّ محاولة تحقيق السّلام عن طريق فِعل المشورة بالذات كما اقترحها بهاءالله سوف تُساعد على نشرِ روحٍ خَيِّرة بين أهل العالم لا يمكن لأيّة قوّة مُناهَضَةُ نتائجها النّافذة في نهاية الأمر.


أمَّا فيما يختصُّ بالإجراءات المتعلِّقة بذلك الاجتماع العالميّ فقد عَرَضَ عبدالبهاء، ابن بهاءالله والذي خوَّله والِدُه صَلاحيَّة بيان تعاليمه، هذه العِبارات المتَّسمة بنَفاذ البصيرة: “عليهم أن يطرحوا أَمر السّلام على بِساط المشورة العامّة، وأَن يسعوا بكلّ وسيلة مُتاحة لهم إِلى تأسيس اتِّحادٍ يجمع دول العالم. وعليهم توقيعُ مُعاهدة مُلْزِمة للجميع، ووَضْعُ ميثاق بنوده مُحدَّدة، سليمة، وحصينة. وعليهم أن يُعلنوا ذلك على العالم أجمع وأن يُحرِزوا موافقة الجنس البشريّ بأسره عليه. فهذه المهمّة العُليَا النّبيلة – وهي المصدر الحقيقي للرفاهية والسّلام بالنّسبة للعالم كلّه – يجب أن يَنْظُرَ إليها جميع سكان الأرض على أَنَّها مهمّةٌ مقدَّسة، كما ينبغي تسخير كلّ قوى البشريّة لضمان هذا الميثاق الأعظم ولاستقراره ودوامه. ويُعيِّن هذا الاتفاقُ الشّاملُ بتمام الوضوح حدودَ كلّ دولة من الدّول وتُخومِها، ويَنُصّ نهائيّاً على المبادئ التي تقوم عليها علاقات الحكومات بعضها ببعض. ويُوثِّق أيضاً المُعاهدات والواجبات الدّوليّة كلّها. وبالأسلوب ذاته يُحدِّد بكلّ دِقَّة وصَرامة حَجْمَ تسلُّح كلّ حكومة، لأَنَّ السّماح لأيّة دولة بزيادة جيوشها واستعداداتها للحرب، يثير شكوك الآخرين. والمبدأ الأساسي لهذا الاتِّفاق الرّصين يجب أن يكون محدَّداً بحيث إذا أَقدمت أيّ حكومة فيما بَعْدُ على انتهاك أي بندٍ من بنوده، هَبَّت في وجهها كلّ حكومات الأرض وفرضت عليها الخضوع التّامَّ، لا بل إٍنَّ الجنس البشريّ كلّه يجب أن يعقد العزم، بكلّ ما أُوتِي من قوّة، على دَحْر تلك الحكومة. فإِذا ما اعْتُمِدَ هذا الدّواء الأعظم لعلاج جسم العالم المريض، فلا بدَّ أَن يبرأ من أسقامه ويبقى إلى الأبد سليماً، مطمئناً، مُعافىً”.
إِنَّ انعقاد هذا الاجتماع العظيم قد طال انتظاره. إِنَّنا بكلّ ما يعتلج في قلوبنا من صادق المشاعر نُهيب بقادة كلّ الدّول أَن يغتـنموا الفرصة المؤاتية لاتِّخاذ خطوات لا رجوع عنها من أجل دعوة هذا الاجتماع العالميّ إلى الانعقاد. وجميع قوى التّاريخ تَحُثّ الجنس البشريّ على تحقيق هذا العمل الذي سوف يُسجِّل على مدى الزّمان انبثاق الفجر الذي طال ترقُّبه، فَجْرِ بلوغ الإنسانيّة نُضْجِها.
فَهَل تـنهَضُ الأمم المتحدة، بالدّعم المُطْلَق من كلّ أعضائها، وترتفع إلى مستوى هذه الأهداف السّامية لتحقيق هذا الحدث المُتوِّج لكلّ الأحداث؟
فَلْيُدرِك الرِّجال والنّساء والشّباب والأطفال، في كلّ مكان، ما سيُضْفِيه هذا الحدث الضّروري على جميع الشّعوب من تَشريفٍ وإعزازٍ دائمَيْن. وَلْيَرْفَعوا أصواتهم بالموافقة والحَفْز على التـنفيذ. وَلْيَكُنْ هذا الجيل، فعلاً، أول من يفتتح هذه المرحلة المَجيدة من مراحل تطوّر حياة المجتمع الإنسانيّ على ظهر هذا الكوكب الأرضي.
إِنًّ التّفاؤل الذي يُخالِجنا مصدره رؤيا تَرتسِم أَمامنا، وَتَتَخطَّى فيما تَحْمِله من بشائر، نهايَة الحروب وقيامَ التّعاون الدّولي عبر الهيئات والوكالات التي تُشكَّل لهذا الغرض. فما السّلام الدّائم بين الدّول إِلاَّ مرحلةً من المراحل اللازمة الوجود، ولكنَّ هذا السّلام ليس بالضرورة، كما يؤكِّد بهاءالله، الهدف النّهائي في التّطوّر الاجتماعيّ للإنسان. إِنَّها رؤيا تتخطَّى هُدْنَةً أَوَّليَّةً تُفْرَض على العالم خَوْفاً من وقوع مَجْزَرة نَوَويَّة، وتتخطَّى سلاماً سياسيّاً تَدْخُله الدّول المُتـنافِسة والمُتـناحِرة وهي مُرْغَمة، وتتخطَّى ترتيباً لتسوية الأمور يكون إِذعاناً للأمر الواقع بغْيَةَ إحلال الأمن والتّعايُش المشترك، وتتخطَّى أيضاً تجارب كثيرةً في مجالات التّعاوُن الدّولي تُمهِّد لها الخطوات السّابقة جميعها وتجعلها مُمكِنةً. إِنَّها حقّاً رؤيا تتخطَّى ذلك كلّه لتكشف لنا عن تاج الأهداف جميعاً، أَلاَ وهو اتِّحاد شعوب العالم كلّها في أُسْرَةٍ عالميّة واحدة.
http://www.almunajat.com/top_peace_message.htm

الأوسمة: , , , , ,

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: