Archive for 15 يونيو، 2009

السّلامُ العَالميُّ وَعْدٌ حَقٌّ ( 2)

15-06-2009

62160إنَّ ما تحقّق من إنجازات علميّة وتقنيّة في هذا القرن الذي أُسبِغَتْ عليه النِّعَم والهِبات بصورةٍ غير عاديَّة، يَعِدُنا بطَفْرَةٍ تَقَدُّميّةٍ عُظْمَى في مضمار التّطور الاجتماعيّ لهذا الكوكب الأرضيّ، ويدلّ على الوسائل الكفيلة بحلّ المُشكلات الواقعيّة التي تُعاني منها الإنسانيّة. وتُوفِّر هذه الإنجازاتُ بالفعل الوسائلَ الحقيقيّة التي يمكن بها إدارةُ الحياة المُعقَّدة في عالمٍ مُوَحَّد. إِلاّ أَنَّ الحواجز لا تزال قائمة. فالأمم والشّعوب، في علاقاتها بعضها مع بعض، تكتـنفها الشّكوك، وانعدام التّفهّم، والتّعصّب، وفقدان الثّقة، والمصالح الذّاتيّة الضّيِّقة.
ففي هذه البُرْهة المناسِبة يَجْدُر بنا نحن أُمناءَ بَيْتِ العَدْلِ الأَعْظَم، مدفوعين بمَا يُمْلِيه علينا شُعورُنا العميق بالتِزاماتـنا الأدبيَّة وواجِباتـنا الرّوحيّة، أَنْ نُلفِت أَنظار العالم إلى البَيَانات النّيِّرة النّافذة التي وجَّهها لأَوَّل مرَّة بهاءالله مؤسِّس الدّين البهائي إِلى حُكَّام البشر قبل نَيِّف وقرن من الزمان.
فقد كتب بهاءالله “إِنَّ رياح اليأس تهبّ من كلّ الجهات، ويستشري الانقلاب والاختلاف بين البشر يوماً بعد يوم، وتبدو علامات الهَرْجِ والمَرْج ظاهرة، فأسباب النّظام العالميّ الرّاهن باتت الآن غير ملائمة”. وتؤكّد التّجاربُ المشتركة التي مَرَّت بها البشريّة هذا الحُكْم الذي حَمَلَ النّبوءَة بما سَيَحْدُث. فالعيوب التي يشكو منها النّظام العالميّ القائم تبدو جليَّةً واضحة المعالم في عَجْز الدُّوَل المنتمية إلى الأمم المتّحدة – وهي دول ذات سيادة – عن طرْد شَبَح الحرب، وفي ما يُهدِّد العالم من انهيار نظامه الاقتصاديّ، وفي انتشار موجة الإرهاب والفَوْضَى، وفي المعاناة القاسية التي تجلبها هذه وغيرها من المِحَن لملايينٍ متزايدة من البشر. وحقيقة الأمر، أنّ الكثير من الصّراع والعدوان أصبح من خصائص أنظمتـنا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والدّينيّة، وبلغ حدَّاً قاد العديد من النّاس إلى الاستسلام للرّأي القائل بأنَّ الإنسان فُطِرَ بطبيعته على سلوك طريق الشّرّ وبالتّالي فلا سبيل إلى إزالة ما فُطِرَ عليه.
وبتأصُّل هذا الرّأي في النّفوس والتّمسُّك به، نتج تـناقُضٌ وَلَّد حالةً من الشّلل أصابت شؤون البشر؛ فمن جهة لا تعلن شعوب كلّ الدّول عن استعدادها للسّلام والوِئام فحسب، بل وعن تشوُّقها إليهما لإنهاء حالة الفَزَع الرّهيبة التي أحالت حياتها اليوميّة إلى عذاب. ومن جهة أُخرى نجد أنَّ هناك تسليماً لا جدل فيه بالافتراض القائل إنَّ الإنسان أَنانيٌّ، مّحِبٌّ للعدوان ولا سبيل إلى إصلاحه، وبناءً عليه فإنه عاجزٌ عن إقامة نظامٍ اجتماعيٍّ مسالمٍ وتقدُّميٍّ، مُتحرِّك ومنسجم في آنٍ معاً، يُتيح أقصى الفُرَص لتحقيق الإبداع والمبادرة لدى الفرد، ويكون في ذات الوقت نظاماً قائماً على التّعاون وتبادل المنافع.
وبازدياد الحاجة المُلِحَّة لإحلال السّلام، بات هذا التـناقض الأساسيّ الذي يُعيق تحقيق السّلام يُطالبنا بإعادة تقييم الافتراضات التي بُنِيَ على أساسها الرّأيُ السّائد حول هذا المَأزِق الذي واجه الإِنسان عبر التّاريخ. فإِذا ما أُخضِعَت المسألة لبَحْثٍ مُجرَّد عن العاطفة تَكَشَّف لنا البرهان والدّليل على أنّ ذلك السّلوك بعيد كلّ البُعْد عن كونه تعبيراً عن حقيقة الذّات البشريّة، وأّنه يُمثِّل صورة مُشوَّهة للنّفس الإنسانيّة. وعندما تَتِمُّ لدينا القناعة حول هذه النّقطة، يصبح في استطاعة جميع النّاس تحريكُ قُوىً اجتماعيّة بَنَّاءةً تُشجِّع الانسجام والتّعاون عِوَضاً عن الحرب والتّصارع، لأنّها قوى منسجمة مع الطّبيعة الإنسانيّة.