الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا «١-٣


 top_head.jpg

هذا عنوان لثلاث مقالات للمفكر الاسلامى جمال البنا فى جريدة المصرى اليوم نشر منها اثنان والثالة الاربعاء القادم ان شاء الله وهذه هى اول مقالة وسوف انشر الاثنتين الاخريتين  تباعا ثم ساقوم بالتعقيب عليهم فى سلسلة مقالات تشرح النظرة البهائية لمجتمع عالمى موحد. واليكم مقال جمال البنا الاول الذى نشر فى 27 فبرلير 2008:

الفكرة المتأصلة في نفوس جميع المؤمنين ــ دون استثناء ــ هي أن الدين الذي هم عليه هو الدين الصحيح، هو الأمثل والأفضل بين الأديان، وهذه هي الحقيقة المسكوت عنها، التي لا تنطق بها الشفاه لضرورة المجاملة، وعدم الدخول في معارك، ولكن ذلك يقر في قلب كل مؤمن، ويري أنه أمر طبيعي، فإذا لم يكن دينه هو الأفضل، فلماذا إذن يؤمن به، ولا يؤمن بالآخر.

إن هذا التساؤل الذي يصل إلي حد المسلمات بين الناس يغفل واقعة مهمة، هي أنه ما من أحد اختار دينه بادئ ذي بدء، وما من أحد يكلف خاطره دراسة الأديان ومقارنتها إلا وينتهي إلي أن دينه هو الأفضل، إن الأديان تورث، وحقيقة أنه مؤمن بدين، إنما يعود إلي أن أبويه مؤمنان بهذا الدين، وأورثاه إياه بمجرد ولادته، ولم يكن له شأن إرادي فيه، وهذا هو مضمون ما قاله الرسول؟ من أن كل مولود يولد علي الفطرة، وأن أبويه يمجسانه أو يهودانه أو ينصرانه، وإذا كان يدافع عن دينه ويراه الأفضل، فهذا من منطلق مقوماته، وليس مقومات الدين.

ومن ناحية الأديان نفسها، فالأديان جميعًا تقوم علي الإيمان بالله، وهذه هي حقيقة الدين والتي تميزه عن الفلسفة، ومن غير المعقول أن يكون هناك إله للمسيحيين، وإله لليهود، وإله للبوذيين.. الخ، إن فكرة الإله لا تستقيم إلا عندما تتحول فكرة الإله الإقليمي إلي الله المطلق الذي خلق هذا الكون بأسره، وكل ما فيه من آدميين وحيوانات ونبات وجبال.. الخ،

 فإذا كان الله واحدًا للجميع، فمن العبث إقامة الأسوار ما بين الأديان، أو ممارسة نوع من التفاضل بينها، والذي يغير دينه إلي دين آخر، فإنه في الحقيقة لم يتحول عن الإيمان، لأنه سيدين في النهاية بالله الذي أنزل الأديان كلها، والذي هو إله البشرية، فلا يمكن الفرار من الله إلا إليه، وهذا العمل لا يعتبر خروجًا، ولكنه تحول من دين إلي دين آخر داخل الإطار الواحد للأديان كلها الذي يتمحور حول الإيمان بالله.

وينبثق عن الإيمان بالله قيم مثل المساواة، والحرية، والخير، والعلم، والصدق.. الخ، وهذه هي جوهر الأديان وروحها، وهذه القيم لا تتأثر بنقص مؤمنين بها أو زيادتهم فستظل هي هي.

من ناحية الدين إذن الذي يقوم علي الإيمان بالله إله الجميع، ومن ناحية أن هذا الإيمان يتبلور في قيم موضوعية لا تتأثر بقلة أو بكثرة المؤمنين بها، لا يكون هناك معني للتعصب وللضجة التي تصطحب بمحاولات تغيير الأديان، بل لا يكون هناك مجال للحديث عن تفاضل، كما يظهر تمامًا بطلان فكرة أن ديناً ما ينسخ الآخر، فلو كان ينسخ حقاً لما كان للآخر وجود، أما وهو موجود بكثرة، فإن هذا الوجود نفسه يناقض فكرة النسخ، فضلاً عن أن الله تعالي لو أراد النسخ لأوقعه بطريقته الخاصة، وهو علي كل شيء قدير، أما أنه لم يوقعه ــ بدليل وجود المسلمين والمسيحيين ــ بأعداد مماثلة تقريبًا، فإن هذا ليس له إلا نتيجة واحدة هي أن الله تعالي لا يريد هذا النسخ، وهو تفسير الآية « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود: ١١٨).

هذه النتيجة التي انتهينا إليها تثير الذهول، لأنها تتناقض تمامًا مع الفكر السائد بين الناس جميعًا، وإذا كانت صحيحة فكيف سيطر التعصب علي عالم الأديان؟ وكيف حدث أن كانت أكثر الحروب شراسة هي الحروب الدينية؟ وأن التعصبات الدينية أوجدت وصمة في تاريخ البشرية هي محاكم التفتيش، التي ظلت طوال أربعة قرون منذ استيلاء الإسبان علي غرناطة سنة ١٤٩٢م حتي ألغاها نابليون عندما دخل إسبانيا، ومارست أبشع صور التعذيب بحجة خلاص الروح.

كيف حدث هذا ؟

الرد: المؤسسة الدينية.

ذلك أن الأديان تتنزل علي أنبياء يختارهم الله نماذج للكمال الإنساني ويزودهم بوحي يوجههم ويحول دون انحرافهم ويجعل دورهم مجرد التبليغ، دون أن يكون لهم أي سلطة غير ذلك، فالنبي لا يكون من مسؤوليته تحقيق الهداية ، ولكن تبليغ الدعوة، وبهذا تأخذ طابعًا «موضوعيا» بعيدًا كل البعد عن النزعة الذاتية.

بعد وفاة الأنبياء يقوم أتباعهم بتكوين «مؤسسة» لمواصلة الدعوة، ولكن هناك فرقاً كبيراً بين الأنبياء الموحي إليهم والأتباع الذين يخضعون لضرورات الطبيعة البشرية، وتكون النتيجة أن تأخذ المؤسسة شكل «المحامي» الذي يؤمن بقضية معينة، ولا يعنيه إلا الدفاع عنها، ولا يعمل لغير نصرها، وبالتالي تأخذ المؤسسة طابعًا ذاتيا قدر ما تبعد عن الطابع الموضوعي لرسالة الأنبياء، ومع الزمن تحدث عملية «شخصنة» المؤسسة، بمعني اندماج المؤسسة في أشخاص القائمين عليها، ويري هؤلاء أنهم هم «الدعوة» وأنه لا يجوز لغيرهم التحدث باسمها، وبهذا تضيف المؤسسة لنفسها صفة «الاحتكار»، فيختزل الدين في المؤسسة، وتختزل المؤسسة في القائمين عليها.

ولما كانت هذه العملية غير سليمة من الناحية الأصولية، ففي كثير من الحالات تنشأ «مؤسسة» معارضة تنازع المؤسسة الأولي احتكار الدعوة، وتنشأ صراعات بينهما.

وظهر هذا جليا في تاريخ الكنيسة، فقد بدأت الانشقاقات منذ تاريخ مبكر، وتزايدت مع الزمن، وأصبحت الكنائس الكبري هي الكاثوليكية، والأرثوذكسية والبروتستانتية بالإضافة إلي عدد آخر أقل شأناً.

وكل كنيسة تدعي أنها تمثل المسيحية الحقة، وأكثرها تمسكاً وتعصبًا هي الكنيسة الكاثوليكية التي ما فتأت تدَّعي من أيامها الأولي أنها الكنيسة الحقة، وآخر ما جاء في هذا الصدد ما ذكره البابا بنديكت السادس عشر في خطبته المشهورة بإحدي الجامعات الألمانية أن الكنيسة المسيحية الهيلينية التي ظهرت في عاصمة أوروبا العريقة روما، هي وحدها التي تقدم الخلاص، أما بقية الكنائس فهي تابعة لها، وفي اليهودية ظهر القرآون والربانيون.

ولا يزال الخلاف ما بين الكنائس يصل إلي حد تحريم التزاوج ما بينها، كما تختلف عادات وطقوس بعضها عن بعض، حتي تحديد عيد الميلاد يختلف ما بينها.

في كل هذه الحالات تكون المؤسسة ــ وليس الدين ــ هي التي قادت الصراع وتولته، فقد قاد السينود اليهودي الحملة علي المسيحية، وهو الذي ألب السلطات الرومانية علي المسيح، وطلب منها صلب المسيح، وحاول الوالي الروماني الوثني التخلص من هذه المهمة البغيضة، وأراد أن يمارس حقه في العفو ويعفو عنه، ولكنهم رفضوا وآثروا أن يعفي عن لص هو «بارباس» ولا يعفو عن المسيح.

ورغم ذلك، انتصرت المسيحية، وعندئذ قامت الكنائس باضطهاد اليهود اضطهادًا شنيعًا علي مر العصور، منذ انتصار المسيحية حتي مشارف العصر.

علي أن انتصار المسيحية كان يؤذن بإضرام الحرب ما بين كنائسها المختلفة، وقد خرَّبت أوروبا حرب المائة عام، وثار الكاثوليك علي «الهوجونون» في فرنسا في مذبحة «سان بارثلمو»، وفي كل مكان من أوروبا قامت الحروب ما بين المذهبين الرئيسيين في أوروبا الكاثوليكية والبروتستانتية، ولا تزال آثارها قائمة حتي الآن في أيرلندا.

فإذا كانت الخلافات ما بين المؤسسات الدينية المسيحية ــ أي الكنائس ــ قد أدت إلي حروب غطت أوروبا كلها، فلنا أن نتصور موقفها عند ظهور دين غريب عليها هو الإسلام.

وما إن ظهر الإسلام حتي شنت الكنيسة عليه حملة من الاتهامات التي نالت شخصية الرسول وقداسة القرآن، ثم تنامت إلي الحروب الصليبية التي دعا إليها ــ باسم المسيح ــ البابا أوربان الثاني، وظلت هذه الحروب قرنين، وارتكبت فيها الجيوش التي تضع شارة الصليب علي ملابسها وأعلامها مجازر ومنكرات يشيب لهولها الولدان، واستمرت حتي احتلت غرناطة وطردت المسلمين واستأصلت عملية إبادة الباقين عن طريق محاكم التفتيش الرهيبة.

وفي الجحيم الأحمر الذي أثارته الكنيسة علي الإسلام وجدت سابقة وحيدة يتيمة سلكتها الكنيسة، وأجرت حوارًا، وتفادت العداوة واعترفت بالإسلام، واعترف الإسلام بها، هذا ما حدث مع نصاري نجران.

وكان لنصاري نجران (باليمن) وضع مميز ولها كنيسة بأساقفتها وقسسها ولها علاقات وثيقة بالعالم المسيحي، وعندما ظهر الإسلام أرادوا تنظيم «مباهلة»، أي ما يشبه المناظرة، وذهبوا للمدينة وقابلهم الرسول؟ وأنزلهم بالمسجد وأقاموا فيه صلواتهم، ولكنهم كانوا قد فكروا في عواقب هذه «المباهلة» وما ستجره من عداوة، فسألوا المسلمين: ألا تقولون إن المسيح كلمة الله ألقاها إلي مريم وروح منه، وأن الله تعالي أيده بروح القدس؟ فرد المسلمون: بلي، فقالوا حسبنا هذا، وطلبوا من الرسول أن يرسل معهم أحد أعوانه فأرسل معهم أبو عبيدة.

إنه لمن المؤسف أن هذه الواقعة لم تتكرر، وظل موقف الكنيسة عدائيا وأرسلت المبشرين لتحويل المسلمين، كما فتحوا المدارس والمستشفيات ذات الطابع التبشيري، وحتي في الدول الإسلامية التي يعيشون فيها في ظل الحرية الإسلامية، فإنهم لم تبدر منهم بادرة اعتراف بالإسلام.

هذا السجل الطويل المتصل للتعصب، والعداوة والحروب التي أثارتها المؤسسات الدينية ما بين بعضها بعضًا، وما بينها وبين الإسلام، كانت وراء تنديد القرآن برجالها، وقد اعتبرهم القرآن -وليس المسيحية أو اليهودية، أو حتي المسيحيين واليهود- المسؤولين عن هذا الصراع واتهمهم بأمرين:

الأول: أنهم «إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ» وهو أمر يؤكد ثروة الكنيسة، وما لجأت إليه في بيع «صكوك الغفران»، وما احتازته من أوقاف أو هبات.

والثاني: أنهم «يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ»، وقد أوضحنا أن طبيعة العمل العام تجعل للمؤسسة مصلحة خاصة بها غير مصلحة الدين، بل مخالفة له في بعض الحالات، فليس من الغريب أن يحدث هذا التحريف سواء في عرض صورة الله أو في استحواذهم علي سلطات، وهذا في الحقيقة لا يمس المسيحية، بل هو يبرئها، ويوقع المسؤولية علي المؤسسة الدينية،

ومما يؤكد ذلك أن الكتب المقدسة كانت تكتب باليد قبل أن تظهر المطبعة بمئات السنين، وأن التوراة والإنجيل تعرضا لعملية ترجمة من العبرية التي كانت قد انطمست إلي اللغة اليونانية التي كانت لغة الثقافة في الإسكندرية في الترجمة السبعينية التي نقَّح فيها الفيلسوف اليهودي «فيلون»، ومن هذا التاريخ السحيق وقد تعددت الترجمات حتي التي وضعها «مارتن لوثر»، ويعترض المسيحيون بشدة علي هذه النقطة، مع أنها ليست إلا ذكرًا لوقائع تاريخية، وهذا لم يحدث بالنسبة للمسيحية واليهودية فحسب بل حدث في أديان أخري وحدث هذا في الإسلام بالنسبة للسُـنة التي لم تدون إلا بعد مائة سنة من الهجرة، وإن كان القرآن قد نجا من هذه الظاهرة لأنه دون بعد خمسة عشر عامًا من الهجرة، وكان قبلها محفوظاً في الصدور، مكتوبًا في رقاع متفرقة.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: