الأديان لا ينسخ بعضها بعضاً..ولكن يكمل بعضها بعضاً (٢-٣)


هذا هو المقال الثانى للاستاذ جمال البنا المفكر الاسلامى المعروق ونشر بالمصرى اليوم 5-3-2008 :

أحد عشر دليلاً علي إقرار الإسلام التعددية الدينية

رأينا في القسم الأول من هذا البحث أن إثارة التعصب أو غرس فكرة أن الدين الذي يؤمن به فرد لابد أنه أفضل الأديان، وأن هذا يعني الإيمان به ورفض غيره، لايعود في الحقيقة إلي الفرد نفسه، ولا إلي الدين نفسه، وإنما يعود إلي المؤسسة الدينية التي قامت بدور المحامي عن الدين، وطبيعي أن تري أن دينها هو وحده الحق، وأن غيره هو الباطل، وأنها وحدها التي تمثله وغيرها لا حق له، وضربنا بعض الأمثلة لما قامت به المؤسسة الدينية في اليهودية والمسيحية في هذا الصدد.

فما موقف الإسلام؟

إن الإسلام يختلف عن اليهودية والمسيحية في أنه جاء – بعدهما- وتعين عليه أن يحدد موقف الإسلام منهما تحديداً في القرآن والسنة، أي في أصول الإسلام ولم يكن هذا متيسراً لليهودية أو المسيحية، لأن الإسلام لم يكن قد ظهر بعد، أما موقف العداوة، فهذا ما وقفته المؤسسة الدينية، أما اليهودية والمسيحية نفسها -أي الكتب المقدسة- فليس فيها نص يعترض علي الإسلام الذي لم يكن قد ظهر بعد.

والأمر الثاني الذي يختلف فيه الإسلام عن اليهودية والمسيحية هو أن الإسلام لا يعترف بمؤسسة دينية تقف بين الإنسان وربه ويكون لها سلطة التحليل والتحريم، وتقوم بدور المحامي عن الإسلام، بل إن القرآن -كما ذكرنا- حمل حملة شعواء علي رجال الدين -اليهود والمسيحيين- وندد بهم واتهمهم بتحريف الكلم عن مواضعه.

وبانتفاء المؤسسة الدينية انتفت الهيئة التي كانت تغرس التفاضل الديني، وأن ديناً معيناً هو وحده المنزل من السماء، وأن غيره أديان مزيفة؟

علي أن هذا لم يكن كافياً، فلم يكن الإسلام يستبعد المؤسسة الدينية إلا لأنه يري التعددية الدينية، ويقرر التعايش السلمي بينها ويستبعد فكرة نسخ الإسلام للأديان الأخري.

ولدينا أحد عشر دليلاً علي ذلك، وهي كالآتي:

(١) أن الله تعالي استبعد إيمان الناس جميعاً بالإسلام، واستنكر إكراه الناس علي أن يكونوا مؤمنين:

* «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين. وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس علي الذين لا يعقلون» (يونس: ٩٩-١٠٠).

* «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين» (هود: ١١٨-١١٩).

(٢) نصت سورة «الكافرون» علي أن الكافرين لن يؤمنوا بالإسلام، وأن المؤمنين لن يؤمنوا بالكفر، أي أن الآية أبدت بقاء الكفر والإيمان وأكدت علي ذلك بنهاية الآية الأخيرة فيها «لكم دينكم ولي دين».

وتعبير «الكافرون» الذي يثير غير المسلمين، إنما أريد به الذين لا يعترفون بالإسلام، ولم يكن القرآن ليعدد هؤلاء من مسيحيين أو يهود أو صهاينة أو بوذيين…إلخ، فالمسيحيون بالنسبة للمسلمين كفار لأنهم لا يؤمنون بالإسلام، والمسلمون كفار بالنسبة للمسيحيين لأنهم لا يؤمنون بالمسيحية.

إن سورة الكافرون قننت وأبدت التعددية الدينية.

وقد يؤكد هذا دعوة القرآن المسيحيين واليهود ليحكموا بكتبهم:

* «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» (المائدة: ٤٧).

* «وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين» (المائدة: ٤٣).

(٣) إن الإسلام يؤمن بالرسالات السابقة، وبأنبيائهم، ويصل هذا الإيمان درجة، «لا نفرق بين أحد منهم» أي من الأنبياء، وهنا لفتة مهمة أن الإسلام يؤمن بالأنبياء لأنه يري أنهم بلغوا رسالة الدين الحقة، ولكن هذه الرسالة تعرضت للتحريف علي أيدي المؤسسة الدينية وخلال الترجمات:

* «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل علي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» (آل عمران: ٨٤).

* «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم» (البقرة: ١٣٦ – ١٣٧).

(٤) النص علي تعدد الشرائع:

* «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (المائدة: ٤٨).

* «ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله علي كل شيء قدير» (البقرة: ١٤٨).

(٥) النهي عن التفاضل ما بين الأديان:

* «وقالت اليهود ليست النصاري علي شيء وقالت النصاري ليست اليهود علي شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» (البقرة: ١١٣).

* «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلي الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون» (المائدة: ١٠٥).

* «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» (العنكبوت: ٤٦).

(٦) حرية الفكر والاعتقاد:

* «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم» (البقرة: ٢٥٦).

* «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً» (الكهف: ٢٩).

ويتبع حرية الاعتقاد أن القرآن ذكر الردة مراراً ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية، كما أن الرسول (صلي الله عليه وسلم) ارتد في حياته كثيرون فما عاقبهم، إلا إذا اقترنت الردة بقتل وانضمام إلي الأعداء، وما يرتبه الفقهاء، فهو أمر من «المؤسسة الدينية» التي حاول الفقهاء غرسها في الإسلام، وسيأتي الحديث عنها.

كما تجدر الإشارة إلي أن القرآن حرم الرسل من أي سلطة باستثناء مهمة التبليغ، وهي علي كل حال ليست سلطة، ولكن رسالة «وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون» (يونس: ٤١).

6 تعليقات to “الأديان لا ينسخ بعضها بعضاً..ولكن يكمل بعضها بعضاً (٢-٣)”

  1. أم صلاح Says:

    أشكر كثيراَ المفكر الإنساني الإسلامي المنصف الأستاذ جمال البناء حفظه الله

    أنني أتابع دائماً جميع مقالاته عن كثب وأرى سعة فكره وتفتح عقله وهو من الأولى الألباب ، ولاحظت في مقالته هذه أمران : أولهما تحري الحقيقة في متون الآيات القرآنية العظام . وثانيهما محاولته لتفتح أذهان الآخرين وهذا ما نحن بحاجة إليه في هذا العصر . وقد ذكرته في البداية بالمفكر الإنساني ، بدليل من لا إنصاف له ، لا إنسانية له ، لأن العدل والإنصاف هما حارسان لحفظ العباد اللذان يؤديان لإصلاح العالم وحفظ الأمم .
    بارك الله فيه كي نستفيد منه أكثر وأكثر .

  2. assad Says:

    هذا كلام جميل ولكن لايعنى ان الذى لايؤ من بالاسلام على حق فقد قال رب العزه فى سوره البقره 0ان الذين كفروا سواءعليهم انذرتهم ام لم تنذرهم لايؤمونون حتم الله على قلوبهم و على سمعم وعلى ابصارهم غشاوه ولهم عذاب عظيم

  3. عزية على هاشم ابو ندا Says:

    اتقي الله يا سيد جمال في كلامك هذا والقران صريح في هيمنة الدين الاسلامي ونسخه للاديان كلها لانها حرفت ولم تبقى على ما هي عليه ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة دون استثناء اي لليهود والنصارى وغيرهم من الاديان مهما كانت ولن يقبل من احد سمع بمحمد ودعي الى الاسلام ولم يسلم اي عمل مهما كان عمله ويصبح هباء منثورا واليك الايات البينات في هذا الولا:ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلين يقبل منه وهذا موجود في ال عمران اية 85
    وان القران مهيمن على الكتب السماوية الاخرى في المائدة اية 48
    وان الاسلام دين الحق وانه ظاهر على الدين كله في الصف اية 22
    والحديث الصحيح في مسلم 153 عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي احد من هذه الامة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي ارسلت به الا كان من اصحاب النار ”
    ولو كان كلامك صحيح فنيال الفلسطنين في هذه الفتوى يضعوا يدهم بيد اليهود ويصبحوا يهودا ويكتسحوا العالم كله ولا حرب ولا ما يحزنون الله اكبر على هذه الفتاوى ذات البلاوى والله المستعان على ما تصفون والحمد لله رب العالمين

  4. عزية على هاشم ابو ندا Says:

    الصف اية 9 ” هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون”
    الفتح 28 ” هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا”
    المائده 48 ” وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدفا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ” ومن هو المهيمن هو الله وجعل صفته لكتابه القران الكريم
    ال عمران 85″ ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ”
    الزمر 41″انا انزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه وم ضل فإنما يضل عليها وما انت عليهم بوكيل”
    والحديث ذكرته من قبل وكان حيي بن اخطب يعلم علم اليقين ان محمدا رسول ولكنه لم يتبعه فهو اين الان يا سيد جمال ولن وكل اليهود والنصارى يعرفون محمدا عليه السلام اكثر مما يعرفون ابناءهم فهل هذا ينفعهم ان لم يسلموا ويتبعواه عليه السلام والحمد لله على نعمة الاسلام ونسال الله لك ولنا الهداية وان نرى الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه

  5. البشير البكاري Says:

    اخي ابو ندا…يبدو انك لم تقرأ جيدا موضوع الاستاد جمال البنا و بذلت قصارى جهدك في الدفاع عن أفضلية الاسلام و عاقبة المومنين به…بيد ان الموضوع لم يكن يناقش الافضلية و إنما مبدأ النسخ و اعتراف الاسلام بباقي الاديان جنبا إلى جنب ربما ليكتمل الايمان الصحيح لدى المسلم و هو يجاور و يحاول النصراني و اليهودي….مبدأ الاعتراف أفره الله سبحانه و تعالى حين قال ( لكم دينكم و لي دين )..اما مبدأ التفاضل فقد حكى القرأن عنه ببالغة متناهية عندما قال تعالى( «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَي وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد )…بارك الله فيك و في مفكرنا و دام الحوار سبيل الثراء في الايمان….اخوكم البشير من المغرب الاقصى.

  6. Smile Rose Says:

    شكرا جزيلا لمداخلتك استاذ البشير واهلا بك فى مدونتى المتواضعة

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: