حسين بيكار: الفنون كلها شيء واحد نعبر عنه بوسائل مختلفة


 نشرت جريدة القاهرة التى تصدر عن وزارة الثقافة اليوم الثلاثاء 15-1-2008 هذا المقال عن الفنان الكبير حسين بيكار والذى مازال فنه يعلن بقوة عن موهبته التى لا تنسى

رسام وشاعر وموسيقي وكاتب قصص أطفالحسين بيكار: الفنون كلها شيء واحد نعبر عنه بوسائل مختلفة! كنت اشجع طلبتي علي المغامرة الفنية ولكنني كنت غير مستعد لها بحكم تربيتي علي السلوك المحافظ ظللت مترددا لسنوات بين احتراف الموسيقي أو الرسم حتي حسمت المسألة صدفة مثل صدف أخري حسمت أشياء كثيرة في حياتي ورثت رسم البورتريه عن أستاذي أحمد صبري ولكنني لم أنتمي لأي مذهب فني التصوير نغم بالشكل واللون والموسيقي هي صور بالصوت والنغم فالفنون كلها شيء واحد الفنان الكبير حسين بيكار عندما تقترب منه تري فيه إنسانا متعدد الجوانب، فهو أديب وفنان وشاعر ورسام وكاتب قصة للأطفال.وقد اقتربت من هذا الفنان الكبير بحكم انني أعمل معه في مؤسسة واحدة وهي مؤسسة أخبار اليوم.بل كثيرا ما كنت أرافقه عند عودته إلي منزله بالزمالك، لأنه كان يحب العودة ماشيا علي قدميه كنوع من الرياضة.وأذكر أنني سألته يوما عن ينابيع الطفولة أو بمعني أدق عما تركته الطفولة في حياته؟

ويومها قال لي: حيرني سؤالك!- كيف؟- فهو سؤال عام من الصعب علي إنسان أن يعطي صورة كاملة عما تركته الطفولة من آثار في حياته.ملكات الطفولةفالطفولة هي الينابيع الأولي بلا شك التي يستخدمها الفنان الكبير من ملامح شخصيته، ولكن ما أكثر الصور التي يمكن أن تتداعي إلي الذهن لما تركته الطفولة من آثار.فالمسيرات الأولي في حياة الطفل هي التي تحدد مساره لا إراديا. فالإنسان الذي تصادفه في حياته أشياء عشوائية قد تكون سببا في تغيير نمط حياته. من حيث هواية الرسم؟- كانت هناك مجموعة عوامل هي التي أثرت موهبتي إن كان يمكن أن تسمي موهبة!مثلا .. تفتحت عيني في حارة الأنفوشي حيث ولدت علي صور متعددة .. رأيت خواجة يرسم الحي الذي نعيش فيه .. ظللت الازمه وأنا أتفرج علي رسوماته .. وارتسمت في ذهني علامة استفهام كبيرة .. كيف يتحول الحي إلي لوحة؟ كيف ينقل الواقع إلي صورة؟! ، وكان ذلك شيئا مثيرا بالنسبة لعين الطفل .. كنت في مرحلة انبهار.ومرة أخري أتذكر فنانا تركيا .. زائر لمصر – أحضر طبقا وشمعة، وأضاء الشمعة .. وجعل هباب دخانها يملأ الطبق الذي تحول إلي اللون الأسود وعلي الهباب رسم صورة لخيول!أي أنه من هذه الأدوات : الطبق، الشمعة، علبة الكبريت، كون لوحة رائعة اشبه بالسحر، أشياء صغيرة خلق منها عملاً فنياً .. بجانب هذه المشاهدات واللوحات التي رأيتها فنري الصور الزيتية الموجودة التي تري فيها مستنسخات الصور القديمة .. كانت كل هذه الأشياء تبهر عين الطفل.. بدأت تنبه في داخله ضحكات الطفل!وأنا أقول: إن كل طفل فيه كل الملكات وليست مقصورة علي طفل دون طفل ولم أكن طفلا موهوبا، ولكنني أخذت أحاول .. وأخذت أهتم بالرسم في المدرسة أكثر من اهتمامي بالعلوم الأخري .. ورأيت تشجيعا من المدرسة.و هناك جملة ظواهر ، كان لنا جيران من الأتراك .. وكانوا في وقت فراغهم يطبعون وجوه «الألحفة» ويلونونها بألوان جميلة . وكان ذلك ينبه الملكات الكامنة في الطفل.. هذا هو الوسط الذي بدأ يحرك لدي حب الرسم .. ومن يومها ظللت مستمراً في هذه العملية .. وهي التي حددت مصيري.العزف علي العودوحول هواية العزف علي العود أذكر أنه قال لي: وأنا في الثامنة من عمري تفتحت عيناي علي آلة العود في المنزل.. وكان هناك مدرس يعلم اختي لأنه كان من العادات في هذا الوقت أن تعتني الأسرة بالفتاة من ناحية تثقيفها، تعلمها بعض الأشياء التي تعطيها قيمة كزوجة .. وشدني العود وأخذت أعزف عليه .. وبرعت في عزفه وأنا في سن صغيرة ..كل هذه كانت البدايات..من أجل هذا كان الرسم والموسيقي هوايتين بدأتا معا واستمرتا معا ولكن القرار الأخير هو هذا التساؤل الذي برز في ذهني هل أكون موسيقيا؟ أو فنانا تشكيليا؟ إن الصدفة هنا كان لها دور كبير في هذه العملية!الصدفة التي غيرت حياتهوأذكر أني سألته عن هذه الصدفة التي غيرت مجري حياتي؟- قال: هذه الصدفة لها قصة .. فقد انتقلت مع عائلتي إلي أسيوط تصادف وجود صديق زائر لإحدي العائلات التي تعرفها .. شاهدني وأنا ارسم وسر برسمي وسألني: لماذا لا تدخل مدرسة الفنون الجميلة؟وكانت هذه هي المرة الأولي التي اسمع فيها عن هذا المعهد – وكان قد فتح حديثا- وشجعني بالفعل هذا الصديق الزائر أن أدخل الفنون الجميلة، وكنت من أوائل الذين دخلوا هذا المعهد الذي خضع لوزارة المعارف بعد ذلك .. ولولا زيارة هذا الصديق .. ما كنت دخلت هذا المعهد .. لكنها الصدف التي تفرض نفسها وتحدد مصير الإنسان.وحدة الفنونوالفنان الكبير كان يري أن هناك خيطا يربط بين كل الفنون! ويري أنه ليست هناك فنون، ولكن هناك فن واحد، ولكن له نوافذ مختلفة، فالتصوير هو نغم بالشكل واللون والموسيقي هي صور بالصوت والأنغام والكتابة والشعر كذلك.فكل الفنون شيء واحد يعبر عنه بوسائط مختلفة، لذلك نري أن الاصطلاحات الفنية واحدة .. فكلمة إيقاع موجودة في الشعر والموسيقي والهرموني.والبناء موجود في الأدب والموسيقي فكل المصطلحات الفنية واحدة، ولكن «المديام» مختلف. يعني كما يوجد سلم موسيقي من سبعة مركبات يوجد سلم في الألوان والموسيقي .. هذا صوت وهذا لون.فنان محافظوهو يري أيضا أن الشخصية والتربية المنزلية والوسط المحيط بالإنسان، يكون له تأثير في الفكر الفني والإنتاج.ويقول لي: وأنا أقولها بصراحة .. طول عمري وأنا طفل، لم أكن طفلا مغامرا كما نشأت علي الأدب والسلوك المحافظ .. من أجل هذا لم تكن في حياتي الفنية عنصر المغامرة .. حياتي فيها التمسك بالتقاليد والقيم التي نشأت عليها، وهذا جعلني لست مغامرا في الفن ، ولكن لم أكن ضد المغامرة ، فقد كنت اشجع عليها الطلبة عندما كنت مدرسا، ولكني شخصيا لم يكن عندي الاستعداد للمغامرة الفنية .. وهذا ما وضعني في جانب الفنانين المحافظين، ولكن قدري كان ينزعني من هذا ويجعلني اضطر للمغامرة في مجالات مختلفة. مثلا؟- غامرت عندما عملت في الصحافة .. فقد جلعتني الظروف أدخل في مجال الصحافة وأنا مازلت طالبا .. وكنت أرسم في مجلة «الصرخة» ثم بدأت العمل بعد ذلك في «أخبار اليوم».وغامرت عندما دخلت في مجال الكتابة عندما عدت من المغرب.وطلبت مني وزارة المعارف أن أرسم صورا لكتاب الأيام للدكتور طه حسين .. كما رسمت غلافه ورسوماته الداخلية.وغامرت عندما كتبت في أدب الأطفال ورسمت للطفل.. وكل هذا كان يفرض علي، ولكن والحمد لله كنت أحاول أن أتقن هذه الأعمال وأن أفتح مجالا للآخرين في هذه الميادين.وقد غامرت أيضا عندما طلب مني مصطفي أمين العمل معه ، ثم طلب مني علي أمين الاستقالة من رئاسة القسم في الكلية للتفرغ للأخبار وقبلت المغامرة.. وقدمنا أشياء جديدة في الريبورتاجات المصورة..إنها مغامرة غير مقصودةوهناك مغامرة جديدة تماما قمت بها وهي عمل فيلم تسجيلي كامل عن «أبي سنبل» وهي المرة الأولي التي قمت بها في مثل هذا العمل.. وكانت تجربة ناجحة جدا.وهو يري أن هذا التشتت والتنويع عملية جميلة جدا، إنها تشبه عملية تذوق الطعام .. تذوق اطعمة مختلفة وإن كانت كل واحدة تحتاج إلي تفرغ كامل.ويري أن هذه الاهتمامات المختلفة كانت فتحا لطرق جديدة تسلكها من بعدنا أجيال جديدة.وهو يري أيضا: أنه من حيث الأسلوب الفني كان ينمو ويتحرك، ولم يكن التطور طفرة كما يحدث عند بعض الزملاء.. أسلوبه ليس فيه طفرات المغامرين.وهو يقول: ولذلك احتفظت ومازالت أرسم «البورتريه» الذي تأثرت به من أستاذي أحمد صبري وأحببته حتي أنهم يقولون عني: أنني ورثته في هذا المجال .. وليس معني هذا أنني لم أطرق ميادين جديدة ولكن عن طريق التجربة وهذا لم يحولني من مذهب إلي مذهب.الرسم والمذاهبوأذكر أني ذهبت إلي منزله بالزمالك وكان الغرض أن يرسم لي حلقات كنت أكتبها في «آخر ساعة» بمناسبة حلول شهر رمضان، عن حياة الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز ووافق أن يرسم لي هذه اللوحات بعد أن يقرأ هذه الحلقات .. وقد رسم هذه الحلقات بالفعل وكانت تحفة معبرة عن مواقف هذا الخليفة الزاهد العظيم.يومها أذكر أني سألته عن المذهب الذي ينتمي إليه في الرسم؟يومها أجابني علي الفور بما ملخصه:- تسألني إن كنت أرسم من خلال مذهب فن معين وقطعا بتعدد الفنانين تتعدد كل وسائل التعبير.وكان هناك بعض الفنانين «يتقولبون» أي يضعون أنفسهم في قالب .. ويصبح المذهب قيدا!ولكن لو ترك نفسه علي طبيعته بلا أدعاء لأصبح هو نفسه مذهبا .. أو اتجاها خاصا.لأن الإنسان لا يمكن أن ينعزل فكل الترسبات ستجعل منه فنانا له نوعية خاصة ولكن في النهاية سوف يتقولب إلا إذا كان هو نفسه قاصدا أن يحدد نفسه كنوع من الإيمان بهذا المذهب إذا سميناه مذهبا وهذا موضوع آخر فالمسألة نسبية.فالشخصية نسيج .. اطرافه لها أصول مختلفة ، ولكن في النهاية تكون لنفسها شخصية متفردة إلا العباقرة فهم يكسرون كل القوانين .. فهم عالم جديد تماما.ضرورة الشعروسألته عن رأي قاله «جان كوكتو» بأن الشعر ضرورة ولكن لا يعرف لماذا فهل تعرف أنت لماذا الشعر ضرورة؟أبتسم يومها الفنان الكبير وقال:- طبعا أنا مع جان كوكتو.الشعر ضرورة نعم ولكن لا أعرف لماذا علي حد تعبيره أيضا .. يمكن أن يكون محقا.. إننا عند مانجوع نأكل وهناك جوع تعبيري وعن طريق الفن الرفيع نحقق الاشباع الفني.عصر الرومانسيةوأردت مداعبته فقلت له: لو تحقق حلم أو خيال هـ.جـ ويلز باختراع «آلة الزمن» الذي يستطيع الإنسان من خلالها اختراق حاجز الزمن والعودة إلي أي عصر من العصور، فما هو العصر الذي كنت تتمني أن تعيش فيه؟قال علي الفور: لو ركبت سفينة هـ.جـ ويلز الخيالية التي تطوف بالإنسان عبر الماضي والمستقبل، لاخترت زماناً أعيش فيه غير زماني هذا فسوف اختار أن أعيش عصر الرومانسية.فأنا مازلت انبهر بالتاريخ أكثر من الحاضر، فوسائل الراحة والرفاهية في عصرنا هي وسائل القلق والتوتر والحيرة.العصور القديمة كانت مستقرة في فكرها وفلسفاتها حتي الولادة الفنية في عصرنا هذه ولادة عسرة.بينما في الماضي كانت الولادة الفنية طبيعية والذي لا يضيف جديدا الآن يسمي متخلفا.. وهذه العقدة .. عقدة البحث عن الجديد متعلقه جدا بالفنان….وعندما سألته ذات يوم.. من أنت؟ضحك طويلا وقال: إنسان يحب أنواعا مختلفة من الفن .. وهذا يجعل الإنسان أكثر انتشارا، ولو كان علي حساب الفن.وأنا لا أريد أن أكون عبقريا في فن واحد ولكن أريد أن أتذوق كل الفنون.لقد كان حسين بيكار فنانا عظيما وكان شديد التواضع .. محبا لفنه.. محبا للآخرين وعندما أتذكره اتساءل : هل يستطيع الإنسان أن يعرف أغوار الفنان؟أم أن ذلك صعبا للغاية .. ومن هنا يمكن أن تشير إليه من بعيد .. مجرد إشارة اصبع!!مأمون غريب

2 تعليقان to “حسين بيكار: الفنون كلها شيء واحد نعبر عنه بوسائل مختلفة”

  1. سارة Says:

    اولا اريد ان اشكركم على الجهد العظيم القائم على الموقع و اريد ان اطلب لوحات للفنان حسين بيكار وارجو نشرها ولكن ارجو ان تحققوا طلبى سريعا . وشكرا

  2. Smile Rose Says:

    عزيزتى سارة ممكن تقولى لى ماذاتريدى بالضبط علشان لو بحثتى على جوجل حتلاقى لوحات كثيرة

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: