لماذا التفكير بروح التشنج والتعصب؟


لماذا التفكير بروح التشنج والتعصب؟

مقالة بقلم الدكتور على الدين هلال وعضو الحزب الوطنى فى جريدة الاهرام التى صدرت صباح اليوم 5 يناير 2008 فى عددها رقم 44224 لسنة 132 يقول فيها ” من الطبيعي أن يسعي البشر إلي التمايز وتأكيد ثقافاتهم وهوياتهم التي تميزهم عن الآخرين‏.‏ واستندت الجماعات الانسانية عبر التاريخ في سعيها إلي إبراز هذا التمايز إلي أسس ومعايير موروثة كاللغة والدين والتقاليد أوإلي أسس ومعايير مكتسبة تتعلق بالكفاءة المجتمعية والنجاح في إقامة نظم اقتصادية وسياسية توفر الحياة الكريمة لأبنائها‏.ولكن هذه الجماعات أختلفت في طريقة أو كيفية إبراز تمايزها عن الآخرين‏.‏ ففي لحظات النهضة والصعود‏,‏ تنفتح الجماعة علي الغيرتتعلم منهم وتستفيد من خبراتهم‏.‏ تقتبس وتختار وتتبني من نظمهم وأفكارهم بما يساعدها علي التقدم‏.‏ أما في لحظات التخلف والتردي‏,‏ فإنه تسود ثقافة الإنغلاق والإنكفاء علي الذات ورفض الآخر‏.‏

بل ويتطور ذلك إلي غرس مشاعر التعصب في الفكر وفي أسلوب التعبير الذي يأخذ أشكال حدة القول وغلظة اللغة وعلو الصوت‏.‏والتعصب هو سلوك عقلي وأخلاقي مذموم وهو ليس دليلا علي عمق الإيمان بما يعتقد فيه الإنسان‏,‏ ولكنه تعبير عن شعور بالضعف وعدم الثقة بالذات‏.‏ فالإنسان المؤمن حقيقة بما يعتقد فيه والواثق من قدرته علي الدفاع عن معتقداته لا يحتاج إلي ممارسة أساليب التشنج اللفظي أو الإثارة الفكرية بل يعرض لها ويدافع عنها بالمنطق والحجة والبرهان‏.‏ والعدوانية الظاهرة التي يتسم بها سلوك المتعصبين تكشف في حقيقة الأمر عن ضعف داخلي وشعوربعدم القدرة علي الدفاع عن الأفكار التي يعتقدون فيها‏.‏ ويترتب علي ذلك أن يحمي المتعصب ضعفه وهزال فكره بالصراخ والتشنج‏.والأمر المؤكد أنه لا توجد عقيدة دينية أو دعوة نبيلة تحض مبادئها علي التعصب وكراهية الغير أو إزدراء عقائدهم والتحقير منها‏.‏ فمثل هذه السلوكيات تفصح عن الحالة النفسية لبعض المناصرين لتلك العقيدة أو الدعوة وسماتهم النفسية والأخلاقية في مراحل الإنغلاق والإنكفاء علي الذات‏.‏ومع أن أساس الخلق وسنة الحياة هي التعددية والتنوع‏,‏ فإن أحد مظاهر التعصب والإنحراف الفكري هو نفي الآخر المختلف دينيا أو عقيديا أو سياسيا ورفض الأعتراف به‏.‏

والحقيقة أن تأمل أي جانب من جوانب الحياة الطبيعية او الانسانية يوضح لنا أن سنة الله في الكون هي التعدد والتنوع والأختلاف‏.‏ فنجد ذلك في عالم الحيوان والنبات والإنسان ويختلف البشر في اشكالهم وألوانهم وطول قاماتهم إلي غير ذلك من سمات جسدية‏,‏ كما يختلفون في الأديان التي يعتنقونها واللغات التي يتحدثون بها والثقافات ونظم القيم التي تحكم سلوكهم‏.‏ففي مجال الأديان‏,‏ قد يندهش البعض منا عندما يعلم أن عدد البشر الذين يدينون بديانات سماوية يبلغ عددهم‏3614‏ مليون نسمة أي أكثر من نصف سكان العالم بقليل‏(‏ المسيحية‏2100‏ مليون و الإسلام‏1500‏ مليون واليهودية‏14‏ مليونا‏)‏ بينما يدين‏3160‏ مليونا من البشر بديانات أخري أو لا ينتسبون إلي دين محدد‏.‏ ووفقا لترتيب المجموعات البشرية وفقا لمعتقداتهم الدينية‏,‏ فإن أكبر عدد بعد المسيحية والإسلام هو لمجموعة اللا دينيين أو الملحدين الذين لا يعلنون ديانة لأنفسهم ويصل عددهم إلي‏1100‏ مليون‏,‏ يليهم الهندوسية‏900‏ مليون‏,‏ فالأديان الصينية التقليدية‏394‏ مليونا‏,‏ والبوذية‏376‏ مليونا‏.‏ يلي ذلك أنصار الأديان والمعتقدات الدينية التقليدية في قارتي أسيا وإفريقيا‏,‏ فأديان أخري كالشنتوية والتاوية والبهائية والزرادشتية والكونفوشيوسية وغير ذلك‏.‏نفس هذه التعددية والتنوع نجدها في مجال اللغة‏,‏ فيصل عدد اللغات الحية التي يتحدث بها البشر اليوم إلي‏912‏ لغة منها عدد‏516‏ تقريبا علي وشك الانقراض لقلة عدد المتحدثين بها‏.‏ وتعتبر لغة الماندارين الصينية هي اكثر لغات العالم انتشارا حيث يتحدث بها‏1000‏ مليون إنسان باعتبارها لغتهم الأم يليها كل من الإنجليزية والأسبانية في المرتبتين الثانية والثالثة‏,‏ فالهندية والعربية في المرتبتين الرابعة والخامسة‏.‏ وإذا أضفنا أعداد الذين يتحدثون تلك اللغات كلغة ثانية فإن الترتيب يختلف‏.‏ فتحتفظ اللغات المناندارين والإنجليزية والأسبانية بترتيبها ثم تأتي الروسية في المرتبة الرابعة تليها الفرنسية‏.‏ أما اللغة العربية فتكون في المرتبة السابعة‏.

ومؤدي ما تقدم‏,‏ أن التعدد والتنوع هو سنة الحياة التي نعيشها‏,‏ وهي سنة الخلق والخالق‏.‏ وأن الأمم الناهضة تكشف عن تمايزها عن الآخرين بما حققته من إنجاز وتقدم وقوة ومنعة وليس بالتعصب والتشنج وخلق أوهام عن الذات وعن الآخرين‏.‏ لا يكون التمايز بأن يعيش البشر في عالم غير حقيقي يهربون إليه ويلوذون به وكلما أتضح ضعف الأساس الفكري لهذا العالم أتجه أنصاره إلي مزيد من التشنج والتعصب خوفا من مواجهة الذات أو الأعتراف بأن العالم الذي صنعوه لأنفسهم ليس له أساس في الواقع أو الحقيقة‏.إن خبرة كل الأمم عبر التاريخ توضح أن طريق النهضة والتقدم يكمن في الشعور بالثقة بالذات وتأكيد قيم التسامح وغرسها في العقول والقلوب‏.‏ ذلك أن القبول بالتسامح هو الذي يحقق العلاقة الصحيحة بين البشر المختلفين دينا أو ثقافة‏,‏ وهو الذي يقيم التفاعل الإيجابي بين المجتمعات والشعوب ويسمح بإقامة علاقات تقوم علي الندية والتكافؤ مع الغير والتأثير والتأثر المتبادل‏.‏
وكل عام ومصر سالمة غانمة وكل المصريين بخير‏

7 تعليقات to “لماذا التفكير بروح التشنج والتعصب؟”

  1. bfshour Says:

    بهاء الصعيدى:
    مقال فى غاية الجمال والروعه فعلاً واتمنى ان يذداد لدى الشعوب المنغلقه على نفسها ثقافة التعلم ومحاولة قبول الاخر على علاته مهما كان وعدم نفى الاخر بسبب دين او معتقد او جنس او لون وان تكون لدينا فكرة الوحدة فى التنوع كما لو كان العالم عباره عن حوض من الورد الجميل الذى لا يظهر جماله ورونقه الا من خلال وجود جميع الاشكال والالوان للورود كذلك لا يكون العالم جميل وله شكل فى غاية التناغم الا بقبول الاخر ( الاسود والابيض والدينى والادينى المصرى وغيره …. حتى يكتمل الجمال للعالم.

  2. Smile Rose Says:

    يتفضل حضرة بهاء الله
    ” كلكم اثمار شجرة واحدة واوراق غصن واحد”

  3. nagamat Says:

    إن مقالة د / على الدين هلال جاءت شاملة لمعانى الوحدة والإتحاد بين جميع البشر ودعت فى مجملها إلى نبذ التعصبات بجميع أنواعها ونشر ثقافة المشاورة وتقبل الفكر الآخر وهذه هى مبادئ سامية أمرتنا جميع الأديان إلى الإيمان بها والعمل على نشرها بين جميع أهل العالم ذلك لأن حرية الرأى لا تتأتى إلا بوجود هذه الثقافة بين الجميع وأهمية حرية الرأى فى المشاورة هى أن شرارة الحقيقة تأتى من إختلاف الآراء فيا حبذا هذه الأخلاقيات لو إنتشرت فينا حتى نرى العالم عالم آخر تسودة مبادئ الحرية والتعددية والمشورة لإختيار ما هو أفضل بالمشورة الصادقة ونتذكر فى هذا المجال قول رسول الله (صلعم) مخاطباً قومه فى مجال إختيار الأفضل ما معناه [ آتونى بما هو أهدى منه فأتبعه ] فهذه منتهى السماحه وعدم التعصب وأن الإختيار دائماً يكون لما هو أفضل للجميع . مع خالص الشكر لمدونة Smile Rose لما تطلعنا عليه دائماً من كل جديد ومفيد .

  4. fosho Says:

    تحية قلبية لكل فكر مستنير يسعى فى أزاله الجهل عن الناس حتى يتحقق التقدم لمستقبل هذه البلد الطيبة ، تحية للدكتور على هلال على مقاله المفيد وأؤيده على عبارته ( أن القبول بالتسامح هو الذي يحقق العلاقة الصحيحة بين البشر المختلفين دينا أو ثقافة‏,‏ وهو الذي يقيم التفاعل الإيجابي بين المجتمعات والشعوب ويسمح بإقامة علاقات تقوم علي الندية والتكافؤ مع الغير والتأثير والتأثر المتبادل‏.‏
    وكل عام ومصر سالمة غانمة وكل المصريين بخير‏
    يتفضل حضرة بهاء الله ( ليس الفضل لحبكم أنفسكم بل لحب أبناء جنسكم ) ( فضل الأنسان في الخدمة والكمال لا في الزينة والثروة والمال ) ( لا تصرفوا نقود أعماركم في المشتهيات النفسية ولا تقتصروا الأمور على منافعكم الشخصية )

  5. علي عبدالله سالم مطبق Says:

    تحياتي ان من المحبين للتنوع وفد حدتني احد اصدقائي حديثا جميلا عن بعض الاخوه البهئين المصريين تعرف عليهم في الامارات ولا زال يتوصل معهم وانا اتقد ان تصرفات الشخص تدل على معتقده فهل يمكن اخواني ان تخبروني باهم اسس وقواعد المذهي البهائي مشكورين

  6. Smile Rose Says:

    الاخ الفاضل على عبد الله سالم
    البهائية دين جديد قائم بذاته له اصول واحكام خاصة به والرسول هو حضرة بهاء الله واهم مبادىء هذا الدين هو السعى الى وحدة العالم الانسانى ولكى يتحقق هذا لابد من تنفيذ بعض المبادىء البهائية وهى :
    تحري الحقيقة
    ايجاد لغة عالمية و احدة
    اقامة محكمة عدل دولية
    محو جميع انواع التعصبات
    المساواه بين الرجل و المرأه
    التعليم الاجباري للجميع
    السعى الى ترسيخ السلام العالمي
    حل المشاكل الاقتصادية وايجاد اقتصاد عالمى
    اتفاق الدين والعلم
    ازالة الهوة بين الفقر المدقع والغنى الفاحش
    للمزيد يمكنك الدخول الى الغرفة البهائية لحوار الاديان لتسال وستجد من يجيبك على كل اسئلتك وارحب ايضا على مدونتى بالاجابة عليك:
    http://www.bahaichatroom.org/room1.htm

  7. fosho Says:

    الأخ الفاضل على عبد الله أن البهائية دين مستقل مكمل لما سبقه من الأديان للفيض الآلهى وللرحمة الآلهية التى لا تنقطع عن البشر ولا أنقطعت دوما عنهم . فالتعاليم السماوية رحمة للعالمين عن طريقها نعرف ماقدره الله لنا وعن طريقها تحدث البركات الغيبية وتنزل الرحمة والطمأنية على بنى البشر . وهذا يحدث بين الحين والآخر عندما يكون البشر فى أشد الأحتياج لتعاليم سماويه مواكبة للعصر الذين يعيشون فيه وتنقذهم من المحن والشدائد التى يمرون بها . والمتأمل فى حياة العالم هذه الأيام يتيقن أن البشر في حاجة الى يد الله المنقذه والى
    يم سماويه جديدة ودين واحد يضمهم جميعا .
    البهائية أستمرار للوحى الآلهي المقدس وأستمرار لنزول الرسل الكرام روحنا لهم الفداء
    http://aboualfadel.wordpress.com/
    http://fosho.wordpress.com/

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: