الدين لله ام للدولة


  تحت هذا العنوان كتب احمد زيدان فى موقعه على الانترنت  والذى حرره للدفاع عن حرية العقيدة ويصف فى صورة حية من داخل رواق المحكمة اثناء قضية البهائيين يوم 25 ديسمبر الماضى2007
في صباح يوم عادي ذهب فيه الأطفال لمدارسهم، الشباب لكلياتهم، و الآباء و الأمهات لأشغالهم و أشغالهن، بل و كانت كافة مشاهد اليوم الأخرى خارج حرم المحكمة توحي بالطبيعية، و لكن بداخل أروقة مجلس الدولة، تهدمت كل مشاهد الطبيعية في عيون أفراد لم يجرموا في حياتهم أو يذبحوا أو يقتلوا… بل كان كل جرمهم هو اختلاف عقيدتهم. و في زمن أصبح فيه الإختلاف في الدين جريمة محرمة تنفي عنك صفتك المدنية، و الإختلاف في الرأي هو أشد و أكبر حرمانية، قد تنفيك من صفتك البشرية أساساً، و تجعلك ذكرى و رماد – في هذا الزمن فقط، المختلف متخلف، و السائد غالب، و لا عزاء للآخر.  رأيت في عيون هؤلاء الخوف من مستقبل و الحسرة على ماضي، و رغم طبيعية حوارهم المهذب، قد لمحت بين جفونهم أرق ليالي و سنين، و كما قال لي أحد المناصرين المحايدين لقضيتهم –
 
مثل الكثير من المفكرين و العارفين بالإختلاف و بذوقه و بضروريته حتى نحيا و نتعايش – بالحرف الواحد: “إلتمس لهم العذر… فإنها قضيتهم العادلة و قضية أجيال من بعدهم… إنها قضية حياة…” ثم سكت هنيهة، و أطرق، فأشار بإصبعه الأبيض القصير، “هذا الذي تراه يقف أمامك… لم يتزوج، و لن… يخاف أن يجني على أطفال بجرم لم يرتكبوه، و لم يرتكبه آبائهم، يخاف من مصير مشؤوم يحياه هو اليوم… يخاف توريطهم في هذه المحاكم و هذه القضايا التي تتصل ببعضها البعض كحبات الخرز في مسبحة طويلة عتيقة؛ لا نعرف لها أول من آخر… أرأيت ما وصل إليه هؤلاء من الرعب من نفق مستقبل مظلم تماماً…” نعم رأيت…  و في قرابة أربع ساعات في ردهات المحكمة – منتظرون للحكم – مع مدونين، نشطاء بحقوق الإنسان، حزبيين، مدنيين، إعلاميين، و هؤلاء البهائيين، قضيناها في التعارف و الترقب و القلق البالغ… نظرات، تأملات، أحلام و تطلعات متفائلة و متشائمة، و كان يلف هذا الثوب ناصع البياض من الحقوقيين و المحقوقين، دوائر كثيفة و متعاقبة – سواء متخفية أو ظاهرة – من الوبر الأسود الخشن من ضباط الداخلية، و الذين يملأون المكان بالرعب و القلق أينما حلوا؛ بنظراتهم المستريبة و كأنهم متشككون، و بتوترهم المعروف و كأننا من ميليشيات “مقتضى الصدر،” بل و لا يتوانى أحدهم عن سكب تهم نظرية عينية بحتة على المسالمين و غير المسالمين من جموع المتضامنين… تنافر ثنائي شديد التعقيد هذا الكامن بين هذا البياض و ذاك السواد، و مع أن من المفترض أن الثاني يحمي الأول، و لكن شعور الأول دائم الذعر من الثاني قد يثقب الغشاء شديد الحساسية الذي يحول بينهما بمنشار حاد من الكبريت، و يحوله لخط من النار…  و كانت أغلب مناقشتنا تدور في فلك رفع خانة الديانة بأكملها من البطاقة، أو على الأقل بفتح هذه الخانة لكافة الأديان و عدم اقتصارها على أديان دون أخرى، و البهائيون لا يطالبوا بأكثر من كتابة دينهم الحقيقي، “بهائي” في الأوراق الرسمية، أو حتى ملئ الخانة بـ”شرطة” أو “أخرى.” و الحق يقال، أني في تدعيمي لموقفهم، كنت – و ما أزال – أدعم حرية الإعتقاد و حرية الأقليات بشكل عام، فأي مواطن مصري من حقه التعايش بغض النظر عن عرقه، دينه أو جنسه، و هذا ما أدعمه على وجه التحديد، و يدعمه أي مؤمن بالإنسان و بحقوقه الكاملة جراء مواطنته المصرية الكاملة في المقابل، فقضية التوأم المصري عماد و نانسي رؤوف هندي و إن بدت في ظاهرها المجرد أنها قضية تمس البهائيين فقط، فإنها و بتكامل معالمها الحالية المستقبلية قضية حرية لنا جميعاً، قضية كل مؤمن و مؤمنة بالفكر و الفكر الآخر، قضية كل حر و حرة، قضية وطن بأكمله، و ليست قضية فئة أقلية، و من لابد أن نؤكد أن وطن لا يحترم أقلياته هو وطن لا يحترم شعبه، وطن مهمش فيه مواطنون بسبب عرقهم، دينهم أو جنسهم هو وطن لا حاضر و لا مستقبل له، و لعل من مبادئ التحرر المجتمعي – أو الليبرالية – الأولى هو حكم الأغلبية مع الإحترام الكامل للأقليات، و هذه الليبرالية هي شاكلة كل أمة متحضرة و راقية في عالمنا الفسيح… و لهذا كان صوتي معهم، و كان هكذا كل المتحررين، بل و حتى المتحفظين؛ لأن نطاق حرية الإعتقاد هو من بديهيات تكوين الإنسان و ليس حقاً ثانوياً أو هامشياً بأي حال من الأحوال، و ليس من حق الحكومة أن تقوض حرية الإعتقاد بفرضها إختيار من ثلاث أديان السماوية ثلاثة دون بقية الأديان، مع أن هذه الأديان الأخرى موجودة فعلياً و هناك من يؤمن بها فعلاً. و هذه القضية قد تكون – بصورة أو بأخرى – درجة على سلم رفع خانة الديانة تماماً، و هذا ما أطمح به و أطمع فيه بشدة، و أنشط بصدده بهذه الحماسة المتفائلة…
                                                                                      هل سيأتي هذا اليوم؟!  و على هذه الحالة، و هذا الحال، و تجت ظل هذا الترقب و الإنتظار – بلا ميعاد محدد و هذه سمة قضائية مصرية أصيلة – حتى ظهيرة الخامس و العشرين من ديسمبر 2007، حيث نظق القاضي بتأجيل الحكم بالقضية المرفوعة من جانب المواطن المصري رؤوف هندي ضد وزير الداخلية المصري – و المعروفة بقضية البهائيين – للمرة الخامسة حتى 22-1-2008… و عسى الصبح أن يكون قريباً…                                                                                    

8 تعليقات to “الدين لله ام للدولة”

  1. fosho Says:

    ونحن نضم صوتنا الى صوتك أستاذنا الفاضل المنصف أحمد زيدان في رفع خانة الديانة ورفع المعاناة معها .نشكر لك أنصافك ورأيك المستنير .

  2. thelightway Says:

    نشكرك جزيل الشكر على مطالبتك ان نشعر بادميتنا وحقنا في الحياة
    والشكر كل الشكر لكل منصف مثلك يا استاذنا الفاضل احمد زيدان

    http://thelightway.wordpress.com/

  3. nagamat Says:

    لقد أثلج صدورنا وجود شخص مثل الأستاذ / أحمد زيدان صاحب قلم منصف لا يخشى فى الحق لومة لائم . فلقد أنصف فى رأيه بحق كل مصرى فى أن يحمل ما يثبت هويته دون النظر لأى شئ آخر غير أنه مصرى فقط لا غير فبارك الله فيه وفى أمثاله وعشمنا أن يحق الله الحق طالما فى مصر بلدنا الحبيب أمثاله من رجال القلم المحبين للحق والنور والسلام .
    مع الشكر لمدونة Smile Rose على ما تقوم به من إطلاعنا على كل جديد وشيق ومفيد .

  4. Smile Rose Says:

    السيد فوشو
    وانا معك باشكر صاحب المقال

  5. Smile Rose Says:

    الى نغمات
    فعلا مازال المجتمع المصرى به شباب واعى يحب بلده ويعامل الانسان على انه انسان

  6. nora Says:

    The people who handle the case do not want to focus or pretend otherwise perhaps for pressures put on their shoulders by the fanatics….those who surrender to the fanatics’ wishes will be harmed by them without fail…when they listen to the voice of reason in their hearts, they will immediately vote for the Baha’is rights.

  7. أحمد زيدان Says:

    شكراً للدكتورة بسمة، و الذي يسع موقعها الكريم جميع الأقلام…
    و لا تشكروني من فضلكم، فأنا لم أقل إلا الحق بلا مجاملة، و لا انحياز، و لا غش، و لا عجز… و لم أقم إلا بما توجب عليه فعله، و هو أقل شئ أقدمه، ليس للإنسانية العالمية فقط، و لكن لناس من أبناء نفس الوطن…

    إلى صباح فجر جديد… و لا عزاء لنا فيمن باعوا القضايا و الوطن!

  8. Smile Rose Says:

    سعيدة بدخولك مدونتى ياحمد
    وكل عام وانت بخير بمناسة الهجرة النبوية الشريفة

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: