حرية العقيدة للاقليات( المواطنة عدالة ومساواة ) ( 4)


هذا هو عنوان المداخلة التى قدمتها فى المؤتمر العام الذى عقده المجلس القومى لحقوق الانسان فى 25 نوفمبر 2007 واعيد نشر ملخصها كى يتسنى للقراء الاطلاع عليها.

  مضى الآن ما يزيد على نصف قرن منذ إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة بإجماع أعضائها باسم الأسرة البشرية  الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي بموجبه أضحت المساواة في الحقوق هي المرآة التي تنعكس فيها الكرامة الإنسانية التي تميز جميع أفراد الجنس البشرى على وجه الإطلاق، وعلى هدى مبدأ المساواة هذا الذي يستظل في حماه كل البشر قرر الإعلان العالمي حق كل إنسان في أن يستقل عن غيره في التفكير والاعتقاد والإيمان. وتابعت الأمم المتحدة جهودها المشكورة في هذا المجال بتفصيل المبادئ التي سبق أن تضمنتها تلك الوثيقة التاريخية، وتقنين هذه التفاصيل في إتفاقيات وعهود دولية تكوّن في مجموعها القانون الدولي الخاص بحقوق الإنسان وحرياته. فكان العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أحد هذه الاتفاقيات التي صدقت عليها معظم دول العالم، كما فعلت جمهورية مصرالعربية التي صدقت على هذه المعاهدة الدولية بموجب القرار الجمهوري رقم ٥٣٦  لسنة ١٩٨١م ونشرت نصوصها في الجريدة الرسمية بتاريخ ١٤ أبريل١٩٨٢ م ، وبذلك أدمجت نصوص هذا العهد بكاملها في القوانين السارية في مصر وفقاً لنص المادة ١٥١ من الدستور. ويعني هذا أن نظامنا القانوني قد تغير من ذلك التاريخ بحيث أصبحت نصوص العهد المذكور جزءاً مكملاً للدستور، وأصبحت لنصوصه قيمة دستورية تلغي كل القوانين السابقة المخالفة لمضمونها، ولا تسمح بسن قوانين لاحقة لا تتفق معها  

 

فالأقليات جزء لا يتجزأ من المجتمع وأفرادها من صميم أبناء وبنات الأمة، وقد شاركوا بعرقهم وبذلوا دماءهم في سبيل نهضة بلادهم واستقلالها، ولا يقلون في الولاء لأوطانهم عن غيرهم، ولهذا من العسير فهم المبرر للإقلال من شأنهم أو محاولة الانتقاص من حقوقهم  على أساس أن معتقداتهم لا تروق أو لا تتفق مع معتقدات أخرى أو فكر ديني آخر. 

    فقد عرف الشرق الأوسط من قديم الزمن التعدد في المدارس الفكرية، والتعدد في الأديان، والتعدد في المعتقدات. وعاشت فيه – ولازالت توجد به – طوائف مختلفة مثل الأشوريين والأرمن والأكراد والتركمان والطوارق والدروز والاسماعيليين والشيعة والسنة والمتصوفين والوهابيين والعلويين والكلدان والأقباط واليهود وغيرهم كثير، فليس قصدي هنا حصر الطوائف المختلفة بقدر محاولتي تقديم مثال على التعدد الطائفي الذي عرفه ومازال يعرفه الشرق الأوسط. وقد أضيف إلى هذه المجموعة الغنية بالتنوع – منذ منتصف القرن التاسع عشر – البهائيون على الرغم من أنهم ينادون بإزالة العوائق التي تُوّلد الخلافات والانقسامات.

           والمقاييس التي يُعتمد عليها لتحديد مدى وجود المساواة أو التمييز يجب أن يكون أساسها ما يحدث في الواقع، بغض النظر عن النصوص المتقنة في القوانين والتصريحات الرسمية والتي قد لا تجد طريقها إلى التطبيق في الحياة العملية. وهذا الفرق بين النص والواقع، إذا اقتصر تطبيقه على أفراد الأقليات يُمثل وضعاً ترفضه جميع المجتمعات التى تسعى الى ترسيخ الديمقراطية والمساواة فى الحقوق والواجبات  أمام القانون. فالنص على حرية الاعتقاد الوارد  في المادة ١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يهدف إلى مجرد إطلاق الشعارات وإنما  ٌيهيء المجال اللازم للتنمية، وجرى نصها معلناً:

 أن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، وله الحق في إظهار دينه أو اعتقاده سواء أكان ذلك فردياً أم جماعياً، وسواء أكان إظهار دينه أو اعتقاده خصوصياً أم عمومياً، وهذا الحق يشمل حرية الشخص في تغيير دينه أو اعتقاده.” وعلى ضوء ما سبق قوله يكون هدف هذا النص هو تعبئة قدرات كل إنسان لتنمية مواهبه ومداركه وتهيئة نفسه لأداء دور فعال في الحياة.  ومن مضمون الحق فى حرية الفكر والوجدان والدين كما اقرتها اللجنة المعنية بحقوق الانسان بالامم المتحدة فى التعليق العام رقم 22 لسنة 1993م :      ” ان الحق فى حرية الفكر والوجدان والدين الذى يشمل حرية اعتناق العقـائد الواردة فى المادة 18هو حق واسع النطاق عميق الامتداد وهو يشمل حرية الفكر فى جميع المسائل وحرية الاقتناع الشخصى واعتناق دين او معتقد سواء جهر به الفرد بمفرده او مع جماعة. لايمكن  الخروج عنه حتى فى حالات الطوارىء العامة على النحو المذكور فى المادة 4-2 من العهد.  ولذا تنظر اللجنة بقلق الى اى ميل الى التمييز ضد اى اديان او عقائد لاى سبب من الاسباب بما فى ذلك كونها حديثة النشاة او كونها تمثل اقليات دينية قد تتعرض للعداء من جانب طائفة دينية مهيمنة. 

وقد عرّفت  المحكمة الدستورية العليا  حرية العقيدة   على النحو التالي:

             “حرية  العقيدة  في  أصلها  تعنى  ألا  يُحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يُؤمن بها أو التنصل من عقيدة  دخل  فيها  أو الإعلان  عنها  أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء  بإنكارها أو التهوين منهـا أو ازدرائها ، بل  تتســامح  الأديان  فيمـا  بينها  ويكـون احترامها  متبادلاً . ولا يجوز  كذلك  في المفهوم الحق لحرية العقيدة [للدولة]…أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها.” i

      وعلى ضوء ما سبق قوله يكون هدف هذا النص هو   تعبئة  قدرات  كل  إنسان  لتنمية  مواهبه  ومداركه وتهيئة  نَفسِه  لأداء دور  فعال في الحياة. فلا يجوز تأويله على نحو يُغير من مبتغاه أو يُسَهّل الاتهام  بأنه  محاولة  لهدم  الأديان  السماوية  أو  إضعاف  دين الأكثرية أو التضامن مع أعداء الوطن في الداخل والخارج. إن حقَ الإنسان في أن يُعرب للآخرين عن معتقداته    لا  ينفصل عن  حريته  في  اعتناق  ما شاء  من المعتقدات والآراء، وحِرمانَهُ من هذه الحرية يقوّض حريته في التفكير والضمير والدين ويفرغها من كل معانيها. 

          إن الحماية الحقة لحرية الأديان وحرية الاعتقاد تستلزم حماية المواطنين أيضاً من قوى التزمت،   والتطرف، والتعصب، واللجوء إلى العنف، والاعتداء على الآخرين باسم الدين. ومقاومة هذه الأعمال التي لا مكان لمثلها في المجتمعات الديمقراطية يكون بالإكثار من فرص التبادل الفكري ونشر الحقائق عن معتقدات الغير.

ويسرني أن أقتبس هنا جزءاً مما كتبه الأستاذ مصطفى الفقي في هذا الموضوع إذ قال:«إننا ممن يظنون أن مفهوم الأمة يحتوي ضمناً ديانات وثقافات بل وقوميات تتعايش في إطار الأمة الواحدة، وتتشابك مصالحها، وتتداخل أهدافها بحيث تصبح في النهاية سبيكة واحدة تتشكل منها هوية الأمة وشخصيتها الحضارية، فليس صحيحاً أن هناك شيئا اسمه النقاء العرقي أو التوحد الديني، فهذه أفكار فاشية ومتعصبة لا تعبر عن واقع الحال ولا تدل على طبيعة العصر، بل إن الدراسات الحديثة في علم الاجتماع تشير إلى أن التعددية قد تكون أحد أسباب تطور المجتمع إلى الأفضل وليس العكس وأن أحادية تكوين الدولة ليست بالضرورة ميزة لها فالأقليات تلعب دوراً إيجابياً في دفع التجمعات البشرية إلى الأمام…».ii 

 فإلى جانب المادة ١٨ من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتي تقرر حق كل شخص في حرية الفكر والاعتقاد والإيمان ، وحريته  في التعبير عن  فكرِه و   اعتقادِه وإيمانِه ، تقرر المادة ٢٧ من هذا العهد على انه:

   «لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية [أي عرقية]  أو دينية  أو لُغوية ، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى  الأقليات المذكورة  من حق  التمتـــــع بثقافتِهم  الخاصة  أو المجاهرة بدينِهم وإقامة  شعائِره أو استخدام لغـتِهم، بالاشتراك  مع  الأعضاء  الأخرين في جماعتهم

          ومع صراحة هذه النصوص وغيرِها بمنع التمييز بين أفراد الأقليات وأفراد الأغلبية في التمتع بحرية  الاعتقاد  وحرية التعبير عنه، فالواضح من حكم المحكمة الإدارية الذي صدر في ديسمبر الماضي وقضى بعدم جواز ذكر الدين البهـــائي في بطاقات الرقم القومى للبهائيين, أن هذه المحكمة رفضت تطبيق نصوص العهد. فرغم تمسك المحامين في القضيــة بأن حرية الاعتقاد والإيمان التي  قررها  العهـــــد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية قد أصبحت بعد التصديق عليها حقاً دستورياً للمصريين، تجنبت المحكمـــــة الإدارية العليا مناقشة هذه الحقوق، واكتفي حكمهــــا بإشارة عابرة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ان حكم المحكمة تبّنى هذا التفسير وبنى عليه نتائج تسمح بممارسة التمييز و هو ما يعارض حكم نفس المحكمة  فى عام1983م والتى حكمت بحق البهائيين في إثبات ديانتهم فى أوراقهم الرسمية وقررت ان:    

        “امتناع السجل المدنى عن اعطاء بطاقة شخصية لمن يَدين  بالبهائية- قرار إدارى يُخالف القانون”.iii      

           وأياً كان الأمر فإن هذا الوضع الحالي لا يخلو من خطورة لأنه يتعارض تماماً مع الدستور ويتعارض مع الموقف الذي أكدته مصر للأمم المتحدة. من ذلك على سبيلِ المثال ما  ورد في التقريرين الثالث  والرابع المقدمين إلى لجنة  الحقوق المدنية والسياسية  بالأمم المتحدة عام ٢٠٠١ م، وقد أعدهما المستشار سناء سيد خليل ، رئيس الاستئناف والمشرف على الإدارة  العامة لشئون حقوق الإنسان بمكتب السيد وزير العدل، فقد جاء فيهما ما يلى حرفيا:      

       « تناول الدستور المصري كافة مبادئ حقوق الإنسان وحرياته وضمنها أبوابه وموادَه على نحو ما سيتم الإشارة إليه. ومما تقدم يتضح أن مبادئ حقوقِ الإنسان في النظــام  القانوني المصري بشكل عام تحظى بمرتبة القاعدة  الدستورية  والتي تستمد قوتها من الدستور حيث وردت في نصوص  دستورية …»vi   

     ثم أشار التقرير إلى قضاء  المحكمة  الدستورية العليا الذى ربط بين الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور وبين حقوق  الإنسان وحرياته  الأساسية كما تفسرُها وتحددُها  ديمقراطيات  المجتمع  الدولي وتعبر عنها في المواثيق والقرارات الدولية، فذكر  بصورة خاصة:    «  إن  المحكمة  الدستــــورية  العليا  عند ممارستها  لإختصاصها في الرقابة الدستورية على القوانين اتخذت من المواثيق الدولية، ومما درج عليه العمل  في النظم الديمقراطية حيال هذه الحقوق والحريات  وحمــــايتها وصونها، مرجعاً أساسياً لبلورة رؤيتهـــا الذاتية لتلك الأمور…»v     وأضاف التقريرانِ إلى ذلك التأكيدَ التالي: 

  «ترتيباً على ما تقدم فإن الاتفاقيات  الدولية  المعنية بحقوقِ الإنسان وحرياتِه  ومن  بينها الاتفاقية  محل التقرير  الماثل  [ أي العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية  والسياسية ]  تعتبر بعد  التصديق عليها ونشرها بمثابةِ قانون من القوانين الصادرة عن السلطة  التشريعية  وبالتالي  تعتبر  نُصوصُها بمثابةِ  النصوص  القانونية  المصرية الصالحة للتطبيق والنافذة أمام جميع السلطات في الدولة سواءً التشريعية أو التنفيذية أو القضائية

vi أما عن معاناة البهائيين لعدم إستخراج الأوراق الثبوتية

     فلا يمكنهم التحرك بأمان في وطنهم العزيز مصر.     ولا يمكنهم توثيق عقود زواجِهم     ولا يمكنهم استخراج شهادات ميلاد لأبنائِهم و الحصول على التطعيم اللازم.     ولا يمكنهم استخراج شهادات الوفاة.     ولا يمكنهم الحصول علي جوازات السفر.     ولا يمكنهم التعامل مع البنوك.     ولا يمكنهم التعامل في ﺇدارات المرور.     ولا يمكنهم ﺇلحاق أبنائهم بالمدارس والجامعات.     ولا يمكن لأبنائهم ﺇثبات موقفهم من التجنيد ( وما يترتب علي ذلك من مشاكل).     ولا يمكنهم التقدم للحصول على وظائف أو الحصول على تصاريح العمل.     ولا يمكنهم العلاج بالمستشفيات.     ولا يمكن للأرامل الحصول على المعاش.     ولا يمكنهم البيع أوالشراء أوالتملك …. وغير ذلك مما يتعذر حصره.         

    لقد بلغ المجتمع الانساني مرحلة من مراحل تطوّرِه أصبحت فيه وحدة الجنس البشري  أمراً  لا مفر منه . واذا لم يتم تقدير هذه الحقيقة  حق  قدرِها لن يكون  من  الممكن ﺇدراك معني  الازمة الراهنة  في  ميـدان   الشؤون  العالمية .  فمبدأ  وحدة  العــالم الانساني هو بمثابة مفتاح  لحل القضايا المستشرية حاليا. وبما ان ظهور العدل وقيامه في العالم  يضمن وحدتَه  واتحادَه  ﺇتجه العالم الانساني الي وضع قاعدة عالمية واحدة لحقوقِ الانسان. كُلنا أمل  في  مبادرةِ  سـيادة الرئيس بتفعيل مبدأ المواطنة والديمقراطية في تعديلات الدستور المصري. ونلتمس من سيادتِه  رفـع  الظلـم  عن   البهــائيين والسماح لهم باستخراج أوراقهم الثبوتية ( شهادات ميلاد    بطاقات هُوية – عقود زواج – جوازات سفر – شهادات وفاة ) دون اللجوء الي عدم الصدق في الافصاح عن هُويتِهم الدينية.

Ø      ندعو الله ان يوفقنا جميعا لنكون عبادَه الصالحين وخداما لوطِنِنا العزيز مصر. ولكم منا وافر الاحترام والتقدير.

هوامش:    

. د. مصطفى الفقي، الأقليات الدينية في إطار الأمة العربية (جريدة الحياة،عدد ٩ مايو ٢٠٠٦)

. ii   المحكمة الدستورية العليا- الطعن رقم 8  لسنة 17ق – تاريخ الجلسة 18 / 05 / 1996 –  مكتب فني 7i 

iiiالمحكمة الادارية العليا – الطعن رقم 1109 لسنة 25 ق – تاريخ الجلسة 29 يناير 1983 مiv         Combined third and fourth periodic reports: Egypt. 15/04/2002 CCPR/C/EGY/2001/3vi    المرجع السابق

v        المرجع السابق    ص 14___________________________________________________

نشرت ابضا  فى موقع اقباط متحدون   فى 27 اكتوبر 2007

http://www.copts-united.com/news/search.php?misc=search&subaction=showfull&id=1193489220&archive=&cnshow=news&start_from=&ucat=7   http://www.tebayn.com/Tebayn%20Arabic/index.asp?pageID=1&SID=6651&Ln=En 

3 تعليقات to “حرية العقيدة للاقليات( المواطنة عدالة ومساواة ) ( 4)”

  1. nora Says:

    Your efforts won’t be in vain. God bless you, and bless all those who direct their efforts for the welfare of humanbeings, with sincere faith in God.

  2. Smile Rose Says:

    Thanks nora for ur feeling 7 support pray for us . we have 2 cases infront the court 25-11-2007

  3. مصطفى الاسيوطى Says:

    هوه ده الكتاب اللى صح اللى انا عايزه ده بصراحة كتاب جميييييييييييييييييييييييييل جدااااااااااااااااااا

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: