القلم فى الاثار البهائية

المقال الاصلى على هذا الرابط بالانجليزية :http://bahai-library.com/milani_fananapazir_pen_motif

دراسة الفكرة الرئيسية للقلم في الكتابات البهائية   A Study of the Pen Motif in the Bahá’í Writings

بقلم كافيان ميلاني و نافه فنانابازير  by Kavian Milani and Nafeh Fananapazir

الخلاصة   Abstract

هذا المقال هو دراسة تمهيدية لموضوع القلم الذى كثيرا ما نصادفه في الكتابات البهائية المقدسة. حيث أن الإستخدام اللاهوتى للقلم يتم إستكشافه جنبا إلى جنب مع الخلفية اللاهوتية و الثيوصوفية الإسلامية لهذا المصطلح. و “القلم ” هو كناية عن القوة الموجود مسبقا والإبداعية التي قدمها مظهر الله. و أيضاً يتم فحص علاقة القلم باللوح مع إتخاذ “القلم” كرمز إبداعي. ثم يتم إستخدام فكرة القلم (الفاعل active) و اللوح (المنفعل recipient) لاستكشاف العلاقة الممكنة بين موضوعين ثيوصوفيين، و هى “الحضرات الإلهية الخمسة five divine presences” و المراحل ل “مراتب التكوين السبعة coming into being”. فالقوى الخلاقة للقلم تخضع للفيض [الإلهى] وتخلق خمسة عوالم متميزة للوجود. و يتم إنشاء هذه العوالم الخمسة بحسب ما يخلقها القلم في فيض تنازلي. فالقلم يمرّ بالنظام الطبيعي للتوليد، و هى المراحل السبعة للتكوين “مراتب التكوين السبعة”، حيث أن كل من الوجود/الحضور الإلهي يتم إنشاؤه.

تجدون ترجمة كاملة لهذه الورقة تلى هذه الخلاصة.

نشرت هذه الورقة في مجلة الدراسات البهائية ، 09:01

أوتاوا : جمعية الدراسات البهائية أمريكا الشمالية، 1999

و توجد على موقع المكتبة البهائية على الانترنت   Bahá’í Library Online

http://bahai-library.com/milani_fananapazir_pen_motif

وضعت على الفيس الجمعة – 2014/05/02

دراسة الفكرة الرئيسية للقلم في الكتابات البهائية   A Study of the Pen Motif in the Bahá’í Writings

بقلم كافيان ميلاني و نافه فنانابازير  by Kavian Milani and Nafeh Fananapazir

مقدمة   Introduction

مصطلح القلم (pen) كثيراً ما نصادفه في الكتابات البهائية المقدسة. و هذا المصطلح يتكرر و أكثر شيوعا في صيغة تعبير مركب مثل “القلم الأعلى Supreme Pen” أو ” القلم الأعلي Pen of the Most High” باعتباره تسمية و لقب لحضرة بهاءالله. مثل هذا الإستخدام له آثار لاهوتية كبيرة. و يتناول هذا المقال الفكرة الرئيسية للقلم في الكتابات البهائية المقدسة في المقام الأول من خلال إستعراض لمواضيع مختارة مستقاة من أحد ألواح حضرة بهاءالله التى حظيت بأقل دراسة، و هى سورة القلم (the Chapter of the Pen)، حيث أن هذه الفكرة الرئيسية قد أستخدمت بكثافة. سورة القلم هى وثيقة هامة لأنها تقدم اللاهوت البهائي و دعاوى حضرة بهاء الله، و تؤسس للحوار بين الظهور البهائي و التقاليد الثيوصوفية و العرفانية في الإسلام. فالقلم هو كناية عن القوى الخلاقة للمظهر الإلهى [الرسول]. و هذه المقالة سوف تركّز على الجوانب الإبداعية للقلم بقدر كبير من التفصيل. فإنها تبرز أن القلم يمرّ و يتجلى عليه الفيض و يولّد كل ما هو موجود. و أنها سوف تولى إهتماماً خاصاً لنشأة “الوجود/الحضرات الإلهية الخمسة five divine presences”. كما سيتم الإشارة الى أن القلم يخضع للدورة الطبيعية لتوليد/إنشاء كل الأشياء، والتى تعرف باسم المراحل السبعة للتكوين “مراتب التكوين السبعة”، كما أنه يولد الوجود الإلهى/الحضرات الإلهية الخمسة. و على الرغم من أهمية فكرة القلم في المشروع الإبداعي [للخلق]، إلا أنه لم تكن هناك أي دراسة منهجية لهذا الموضوع حتى الآن.

سورة القلم   The Chapter of the Pen

من خلال هذه المقالة فإن المؤلفين سوف يشيران إلى سورة القلم. و أن تاريخ سورة القلم مهم لأغراض هذه المقالة. و أن هناك أدلة قليلة في داخل النص المنشور من هذا اللوح يفْرِد مرجعاً لتاريخها الدقيق. و هناك إجماع عام على أن حضرة بهاءالله قد أنزل سورة القلم في إحياء ذكرى إعلان الدعوة البهائية في حديقة الرضوان. ويؤيد ذلك الإشارة إلى العيد الأكبر (the Great Festival) في نص لوح سورة القلم ( سورة القلم، 128 ). وهذا يتفق مع حقيقة أن القلم مصطلح يستخدم بكثرة في فترات أدرنة و عكا من ولاية حضرة بهاءالله. و أن قاموس قانجى شيقان (موسوعة المفردات)، و هو النص المرجعي الفارسي القياسي عن كتابات حضرة بهاءالله، يضع  نزول سورة القلم في فترة عكا (Ishráq-Khávarí, Ganj-i-Shaygán, 192). و لكن أن معظم المصادر الرسمية قد أشارت الى أدرنة كمكان للنزول. و على هذا النحو، فإن تاريخ هذا اللوح لا يزال غير مؤكد. و بشأن هذه المسألة، فقد وفرت دائرة الأبحاث في المركز البهائي العالمي التكرم بالتوجيه التالي، والذي هو الأكثر رسمية حتى الآن:

“لم يتم العثور على المكان الدقيق وتاريخ النزول لهذا اللوح في سجلات الدين البهائى. ومع ذلك، فإن لهجة ومضمون السورة نفسها تظهر أنها من المحتمل جدا أن تكون واحدة من أعمال حضرة بهاءالله التى نزلت فى أدرنة، كما هو مقترح من قِبل أديب طاهرزاده في كتاب “ظهور حضرة بهاء الله” ( أكسفورد : جورج رونالد ، 1977 ) ، المجلد . 2، p.397.

القلم الأعلى  The Supreme Pen

مصطلح “القلم” يظهر كثيرا في الكتب البهائية المقدسة. و في بعض الأحيان، فإن المصطلح يدل على مجرد أنه جهاز للكتابة. ويمكن اعتبار ما يلي مثال على مثل هذا الاستخدام:

“وفي ليلة من اللّيالي، في عالم الرّؤيا، سُمِعَت هذه الكلمة العليا من جميع الجهات: [إنّا ننصرك بك وبقلمك، لا تحزن عمّا ورد عليك ولا تخف إنّك من الآمنين. …. ” (بهاءالله،  لوح ابن الذئب، 16 )

مثال آخر حيث يتم استخدام “القلم” للإشارة إلى أنه أداة من أدوات الكتابة يظهر في كتاب بديع الذى فيه قلم معين يتحسر محنته في أيدي أحد أعداء حضرة بهاءالله (239- 50). لكن، في معظم الأحيان فإن القلم هو إشارة مباشرة إلى حضرة بهاءالله. و يظهر مثال على ذلك في لوح الإحتراق. و في الأجزاء الإستهلالية لهذا اللوح تُروى المعاناة و المظالم التي تعرّض لها حضرة بهاءالله في سبيل الله. ثم تحولاً في اللهجة يحدث و يتم مخاطبة حضرة بهاء الله، المظهر إلهى، من عالم أعلى:

“أَنْ يا قلمَ الأَعْلَی قَدْ سَمِعْنا نِدائَكَ الأَحْلَی مِنْ جَبَرُوْتِ البَقاءِ أَنِ اسْتَمِعْ ما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الكِبْرِياءِ يا مَظْلُوْمَ العالَمِيْنَ” (بهاءالله، لوح الإحتراق)

القلم الكلاسيكي هو كيان أجوف ومجرد أداة في يد من يستخدمه. و أنه يخدم أيضا وظيفة إبداعية، كما أن الكتابة مستحيلة بدونه. و اللاهوت البهائي يدعم على حد سواء التجويف والإبداع و ذلك فيما يتعلق بالمظاهر الإلهية. على سبيل المثال، حضرة بهاءالله يتحدث عن تجوف القلم مشيرا إلى أنه هو القدرة الإلهية التي قد مَنَحت القلم (أي حضرة بهاءالله) لئالئ الحكمة و الأسرار (لئالئ الحكمة 2: 206).

سورة القلم تعلن مؤكدة أيضا أن القلم معزّز بقوة وجبروت الله (سورة القلم 124-25). و بإستطلاع طيف الكتابات المتاحة من كتابات حضرة بهاءالله فإنها تشير إلى أن القلم (كفكرة رئيسية) أستخدم في المقام الأول فى فترات أدرنة وعكا للظهور البهائى بالمقارنة مع الكتابات التى سبقت إعلان الدعوة في بغداد. و بما أن اللاهوت الإسلامي يعطى القلم وظيفة هامة جدا. فالنظر في الخلفية اللاهوتية و المضامين لهذا المصطلح، فإن هذا يمكن أن يقال بأنه يمثل تصعيداً تدريجياً في التكشف للعيان للدعوى التي تقدم بها حضرة بهاءالله.

و لكن هناك إشارات فى بعض الأحيان إلى القلم في كتابات فترة بغداد، مثل جواهر الأسرار (the Essences of Mysteries). و هذه الإشارات تلمّح الى هذا التكشف للكيريجما البهائية (kerygma: إعلان حقائق دينية، بشارة) وتؤذن/تتنبأ بتوظيف مستقبلى لفكرة القلم. و يستخدم حضرة بهاءالله هذه الفكرة الرئيسية بطرق مختلفة. و الإستخدام البديل للقلم يظهر في لوح (رسالة) ناصر الدين شاه (لوح سلطان إيران)، حيث قُدم تفسيراً جديداً و فيه تحدى للآية القرآنية: “الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ” (96: 4):

“والّذی علّم القلم اسرار القِدم الاّ من كان مؤيّداً من لدن مقتدر قدير يخاطبنی القلم الأعلی و يقول لا تخف اقصص علی حضرة السّلطان ما ورد عليك انّ قلبه بين اصبعی ربّك الرّحمن لعلّ تشرق من افق قلبه شمس العدل و الاحسان كذلك كان الحكم من لدی الحكيم محتوماً” (بهاءالله : نداء رب الجنود، 27)

و هنا فإن حضرة بهاءالله يدلى بعبارة قريبة جدا من الآية القرآنية المعروفة. وهذا يعني ضمنياً أن حضرة بهاء الله هو المتلقى (المنفعل) للاتصالات (نقل المعلومات) من القلم. و كما سيتم توضيخه قريبا، فإن مثل هذا التفسير للآية القرآنية (96: 4) هو تجِديد و حداثة، على الأقل في سياق التفسيرات الأرثوذكسية الكلاسيكية. و لاحقاً في نفس اللوح، يلمّح حضرة بهاءالله إلى أن “صرير القلم الأعلى shrill of the Pen of Glory”، [يا سلطان لو تسمع <صرير القلم الأعلی> و هدير ورقآء البقآء علی افنان سدرة المنتهی فی ذكر اللّه موجد الأسمآء و خالق الأرض و السّمآء…” (م.س، 28)]  و يقصد بها هنا كاتب (مؤلف) اللوح [بهاءالله].

و هنا يمكن طرح سؤال في هذه المرحلة: كيف يمكن أن يكون حضرة بهاءالله هو المقصود بالقلم [هو القلم] في أحد الأوقات وفي أماكن أخرى مخاطب من القلم؟ سيتم تيسير/تبسيط الإرتباك عندما يفهم أن القلم يوجد في مراحل تنازلية متعاقبة. فالقلم ينشئ/يولد اللوح (المتلقي/المنفعل)، واللوح نفسه يُظهر قوى توليدية و يعمل بمثابة القلم على لوح آخر (متلقى/منفعل).

وهكذا تستمر الدورة. و على هذا النحو، فإن حضرة بهاءالله قد يتم الإشارة إليه على حد سواء بأنه القلم و أنه المخاطب من القلم، دون تناقض.

القلم: أول شئ خُلق   The Pen: The First Created Thing

فى مرحلة مبكرة  من (لوح) سورة القلم  (ص، 125)، يقرر حضرة بهاءالله أسبقية القلم على الحروف والكلمات  والممكنات (contingent beings). و أن خلق القلم أيضا ذُكر بأنه سبق تأسيس ملكوت الأسماء والصفات  و نزول ألواح العز المحفوظة ( ألواح عزٍ محفوظين). و ربما أن أسبقية القلم على الحروف والكلمات قد تبدو إشكالية. و مع ذلك، فالفرد يلاحظ في الكتابة [عموماً]، أن القلم يسبق النقطة، و النقطة تسبق الحرف، و الحرف يسبق الكلمة، و أن الكلمات تشكل ما هو مكتوب. أى أن القلم هو الوسيط بين المصدر و ما هو الذي صاغه. بل هو أيضا أول كيان خارج الجسم في السلسلة التي تؤدي إلى أداء العمل. و تلك السلسلة يمكن تصورها كما أنها العقل – اليد – القلم – اللوح أو العقل – اليد – القلم – نقطة – حرف – كلمة – كتاب. و أن الكلمة تلعب دوراً بارزاً في تقاليد أخرى. ففى العهد الجديد (الانجيل)، على سبيل المثال، فإنها تدعم مؤكدة الوجود المسبق للكلمة (لاغوس logos): “في البدء كان الكلمة” (يوحنا 1:1). وقد قرر حضرة بهاءالله أسبقية القلم على الكلمات والحروف في سورة القلم. و لكن في لوح الحكمة فإن كلمة الله وردت بأنها تسبق و هى سبب إحداث جميع الخلق، بما في ذلك تفاعلات “الفاعل – المنفعل active-recipient” (القلم – اللوح). و قد تمت معالجة المشكلة التي تطرحها هذه البيانات، التي تبدو متناقضة، من قِبل الكاتب موجان مؤمن من خلال اقتراحه أن القلم و اللوغوس هما مترادفان (Momen, Relativism 191). إذن فهو يميّز بين الكلمة كما هى مستخدمة في (لوح) سورة القلم و إستخدامها فى عبارة كلمة الله. و بدلا من ذلك فإن المؤلفين [لهذه الورقة] يؤكدان أن القلم نفسه يسبق الكلمة (اللوغوس) و يولّد الكلمة. فسورة القلم توفر المبرر النصي لهذه الأطروحة.

الخلفية الإسلامية للقلم   The Islamic Background of the Pen

الآيات القرآنية المبكرة فى ترتيبها الزمني تحتوي على المصدر لموضوع هذه الدراسة. يسجل التاريخ الإسلامي أن نبي الإسلام كان يعتزل بانتظام إلى الجبال بالقرب من مكة المكرمة، حيث كان محمد (ص) يقوم بقضاء فترات طويلة في الصلاة والتأمل. و فى أحد الأيام في حين أن محمداً كان نائماً، إقترب الملاك جبرائيل من النبي و معه صحيفة [لوح] في يده. وقال الملاك لمحمد، “إقرأ”. ورد محمد في إندهاش، ولكننى لا أستطيع القراءة “و ما أنا بقارئ” وكرر الملاك الأمر ثلاث مرات، وأصبح أمره الثالث له هى الآيات التى نزلت لأول مرة في القرآن: (سورة العلق: 96)

“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؛ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ؛ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ؛ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ؛ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (96: 1 – 5)

و علاوة على ذلك فالقرآن الكريم يذكر القلم فى مناسبة أخرى، وبالتحديد في السورة القرآنية القلم ( سورة القلم: 68)، والمعروفة أيضا باسم سورة نون (the Chapter of the letter N). و السورة تبدأ كما يلي: “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” (68: 1). و تشير الباحثة موراتا إلى أن “هذه الآيات القصيرة و الغامضة نوعا ما وفرت قدرا كبيرا من الغذاء للتأمل، خاصة وأن النبي نفسه أضاف قدراً معيناً من التوضيحات المثيرة للإهتمام.” (The Tao of Islam 12). و المفسرون القرآنيون ينقلون معظم التوضيحات المثيرة للإهتمام في شكل تقاليد الحديث (الحديث الشريف) بشأن القلم. فمعظم المفسرين يدرسون القلم كأداة للكتابة، وخصوصا عندما كانوا يفسرون سورة العلق (القرآن، 96: 1 – 5). لكن، جميع المفسرين يفضلون التفسيرات الأكثر باطنية عندما يفصلون فى تفسير سورة القلم (القرآن، 68: 1). ففي جامع البيان للطبري (ت 310 هجرية) يقدم الحديث التالي أثناء مناقشة الآية فى سورة القلم (القرآن، 68: 1): “عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ‏:‏ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ..‏.”‏ (29: 14).

و المفسر الشيعى المعاصر الطباطبائي، فى تفصيله  لنفس الآية القرآنية فيكتب: بالقلم يقصد القلم الأعلى، الذي يرد في الحديث الشريف: إنه هو أول ما خلق الله.

تقريبا قد إعترف جميع المفسرين القرآنيين بصور متغايرة لهذا الحديث. و يكتب ابن كثير (ت 774 هجرية) ما يلي:

“بل المراد ها هنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة.”  (Tafsír 7:79)

و هذه المقتطفات تمثل محاولة لشرح أسبقية القلم. و هنا يناقش إبن كثير الأولوية الزمنية و يضع خلق القلم بخمسين ألف سنة قبل إنشاء “السماء والأرض”. و لكن معظم المفسرين يبرهنون الأولوية الأساسية /الجوهرية على غرار ما اقترحته (لوح) سورة القلم. فهذه الأحاديث الإسلامية تقرر بأن القلم هو الخلق الأول. و بشكل خاص هناك مجموعة مثيرة للاهتمام من الأحاديث الشيعية فى هذا الموضوع التى لخصت من قِبل الخميني، نقلا عن واحد من سادته (المرشدين). و هذا الإقتباس يلخص عدداً من الأحاديث، من كتب الحديث الشيعية، بما في ذلك الكافي، و رويت رسمياً بموافقة الأئمة [آل البيت]. و تم توفير الملخص التالي: إن عالم الحروف الأبجدية هو عالم عاكس لجميع العالمين، و أُنشأ وفقا للحروف الأبجدية. وبالتالي، فإن الألف ( أ) يمثل واجب الوجود، و الباء (ب) تمثل الخلق الأول وهذا هو العقل الأول، و أول نور خُلق، وهذا هو نور نبينا (صلى الله عليه وسلم و على آل بيته)، وبالتالي فإنها تُفسر كإشارة الى حضرة بهاءالله (the Glory of God). [فى تفسير بسم الله الرحمن الرحيم عند السنة و الشيعة، الباء تعنى بهاءالله، و السين سناء الله، إلخ]

المقطع لا يذكر القلم مباشرة، ولكن ورد ذكر العقل الأول و النور المحمدي. إن مساواة القلم مع العقل الأول و نور محمد مقررة بوضوح في الفكر الإسلامي. على سبيل المثال، المفسر الكبير الإمام فخر الرازي في كتابه التفسير الكبير، يستنتج المساواة بين العقل (intellect) و القلم (pen). ويذكر أن الإثنين يجب أن يكونا واحداً ونفس الشيء، وإلا سيؤدي الى تناقض (التفسير الكبير، 30: 78).

في ملخص الحديث أعلاه، فإن الصور الملتقطة من الحروف العربية الأبجدية تعرّف الفيض الأول من الله بنور محمد (النور المحمدي). فالرمزية لافتة للنظر، بحيث أن حرف الألف (أ)، يماثل واجب الوجود (الله)، لأنه يعتمد على لا شيء آخر (و المرجع هو شكل الألف، وذلك بأنه خط مستقيم عمودي). و ما يتبع الألف (أ) هو حرف الباء (ب) الذي يمثل العقل (intellect)، و النور (light) والقلم (pen). و يوفر المقطع أعلاه دراسة للعلاقة بين أساس الوجود (واجب الوجود/الله) و القلم كما هو ممثل في الفكر الإسلامي. و يجوز للدارس فى الدين البهائي أيضا أن يلاحظ الإشارة إلى حضرة بهاءالله في نص المقطع، والعلاقة الضمنية مع القلم.

القلم باعتباره أداة للخلق   The Pen as an Agent in Creation

قاموس المصطلحات في مجلدات نالت إستحسانا كبيرا بعنوان الروحانيات الإسلامية يعرّف القلم بوصفه “رمز للعقل الإلهي و آلية عمل الله الخلاق” (Islamic Spirituality: Foundations 422). و هذا التعريف يجد الدعم في الكتابات البهائية المقدسة. ففي (لوح) سورة القلم، يتم تعريف القلم على أنه خالق كل ما هو موجود. و يبين حضرة بهاءالله أن جميع الممكنات [الكائنات] تم خلقها من خلال كلمة تجلت من القلم (Súrat ul-Qalam 126). و يعلن القلم أيضا أن جميع ما تم خلقه كان بواسطة أمر الله و أن الكل قائم بأمر الله (Súrat ul-Qalam 124). كما يتبين من أعلاه، فإن دوراً بارزاً قد منح للقلم في عملية الخلق. و يتم التعبير عن هذه الوظيفة الإبداعية أيضا من حيث أنها فكرة إسلامية مألوفة في الكتابات البهائية، و ذلك بأنها الأمر الإلهي: كن (BE). و أن صيغة الأمر الإلهي هذه متجذرة فى القرآن نفسه: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ <كُنْ> فَيَكُونُ” (القرآن الكريم، 36: 82). و أن صيغة الأمر الإلهى “كن” هو موضوع كثيراً ما نصادفه في الكتابات البهائية المقدسة. ففي (لوح) سورة القلم يذكر حضرة بهاءالله أن الأمر الإلهي “كن” قد نَطق به القلم (Súrat ul-Qalam 135). و الأحاديث الإسلامية تعترف أيضا بدور القلم في عملية الخلق. و هناك مجموعة كبيرة من الأحاديث في هذا الموضوع. فالحديث التالي روى عن طريق الطبري من خلال سلسلة من الناقلين تنتهى عند ابن عباس:

” حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىَّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى ظَبْيانَ، عن ابن عباسِ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللهُ من شئِ القلمُ، فجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفع بخارُ الماءِ، فخُلقَت منه السماواتُ، ثم خُلق النُّونُ، فبُسطت الأرضُ، على ظهْرِ النُونِ، فتحرَّك النونُ، فمادت الأرضُ، فأُثْبتَت بالجبالِ، فإنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرضِ. قال: و قرَأ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ).” (الطبرى، جامع البيان عن تأويل آى القرآن، ص: 140).

الحديث أعلاه يتضمن القلم و النون من سورة القلم (القرآن، 68: 1). و في هذا السياق، نون (الحرف ن) يمثل الحرف الثاني في الصيغة الأمرية الإلهية من الخلق، و تلك هى، كن (التي تتألف من حروف الكاف والنون). فالأحاديث الإسلامية تضع خلق نون بعد خلق القلم. فالحديث التالي إستشهد به ابن كثير (Tafsír 7:77)، عن رواية أبي هريرة: “عن  أبي هريرة: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ” إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق “النون” وهي : الدواة. ثم قال له: اكتب. قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون – أو: ما هو كائن – من عمل، أو رزق، أو أثر، أو أجل. فكتب ذلك إلى يوم القيامة ، فذلك قوله: ( ن والقلم وما يسطرون  ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت”.

فالمرجع الأساسي هنا هو التعريف الحرفي لنون وهى الدواة. و هنا قد تكون إشارة خفية أيضا الى شكل الحرف نون الذي يشبه الدواة. يجب أن يغمس القلم في الحبر، والحبر يسمح لإمكانية الكتابة من القلم لتصبح أمراً محققاً. فتلاصق الحروف ك (B) و نون(E) يتبع نمطا مماثلا للتفاعل و الوصال بين القلم و الدواة و هو شرط مسبق ضروري سببي قبل أن يمكن كتابة أي شيء على اللوح. و إنه هو القلم الذي ينقش/يطبع على اللوح. فالتفاعل الخلاق بين القوة الفاعلة (القلم) والمتلقي/المنفعل (اللوح) يذكرنا بالمقطع التالي من لوح الحكمة:

“قَدْ كَانَ مَا كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَا تَرَاهُ الْيَوْمَ وَمَا كَانَ تَكَوَّنَ مِنَ الْحَرَارَةِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ امْتِزَاجِ الْفَاعِلِ وَالْمُنْفَعِلِ الَّذِي هُوَ عَيْنُهُ وَغَيْرُهُ.” (بهاءالله، لوح الحكمة).

اللاهوت البهائي يفهم الخلق كما و أنه يحدث من خلال الفيض الصدورى(مفاوضات: 49). و في مثل هذا المشروع الفيضى، فالقلم، وهو الخلق الأول، يصبح عِلة (سبب) سابقة لوجود الممكنات. وبالتالي، يمكن للمرء أن يقول أن القلم يحتوي في حد ذاته على ذات كل شيء خُلق، وهذا في شكل مادة أساسية/أصلية وغير متمايزة. فالإمام فخر الرازي يصرح على أن القلم هو “الجوهر الأساسى لجميع الخلق”. و يشير أيضا إلى القلم بأنه “الجوهر الذي هو الجوهر الأساسى لجميع الأشياء التى خُلقت.” (التفسير الكبير، 30: 78). و هذا الفهم للقلم متسق مع اللاهوت البهائي.

القلم و الألوهية   The Pen and the Godhead

إن (لوح) سورة القلم تمثل مشكلة مؤكدة للقارئ الغريب عن اللاهوت البهائي. ففي أول إفتتاحية سورة القلم، فقد أُمر القلم ليشهد بأنه لا يوجد إله إلا أنا. (Súrat ul-Qalam 124). و هيكل هذه العبارة يوازي عن كثب الكيريجما الإسلامية، “لا إله إلا الله” (There is no God, but Alláh). فالمشكلة هي أنه في ضوء المواد المذكورة أعلاه، لماذا يتم تعريف القلم فى تماثل مع الألوهية؟ سيتم دراسة العلاقة بين القلم و الألوهية بصورة أكبر تحت عنوان “الحضرات الإلهية الخمسة “. و لكن الإجابة البهائية على هذا الإستفهام يجب أن تبدأ بإستعراض اللاهوت البهائي. فقد صرح حضرة بهاءالله مرارا بالإدعاء المزدوج للألوهية من جهة، والعبودية و الفناء المطلق من جهة أخرى. وفيما يلي التوضيح:

“يا إلهي إذا أنظر إلى نسبتي إليك أحبّ بأن أقول في كلّ شيء بأنّي أنا الله وإذا أنظر إلى نفسي أشاهدها أحقر من الطّين.” (بهاء الله، شرح الكتاب الأقدس، رقم: 160)

و هذا الفهم ثابت المبدأ فى الإطار اللاهوتي البهائي، و الذي يؤكد أن الله هو المتعال بلا حدود:

“ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة، أنَّ غيب الهويَّة وذات الأحديَّة كان مقدَّسًا عن البروز والظّهور، والصّعود والنّزول والدّخول والخروج، ومتعاليًا عن وصف كلّ واصف وإدراك كلِّ مدرك، لم يزل كان غنيًّا في ذاته، ولا يزال يكون مستورًا عن الأبصار والأنظار بكينونته ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 103) لأنَّه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأيِّ وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة.  لأنَّ جميع من في السّموات والأرض قد وُجِدوا بكلمة أمره، وبُعِثوا من العدم البحت والفناء الصّرف إلى عرصة الشّهود والحياة بإرادته الّتي هي نفس المشيئة” (بهاء الله، كتاب الإيقان، 39)

وبالتالي فإن الوصول المباشر للبشرية بأي وسيلة إلى الله، وفقا لحضرة بهاءالله، مسدود تماما. فالسؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك، كيف يمكن لشخص بوصفه كائنا روحياً أن تتسنى له معرفة الله؟ و يجيب اللاهوت البهائي، كما نتعلم من المقطع التالي، بأن الله يظهر/يُعرف من خلال المظاهر الإلهية:

“ولما أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودةً على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله “سبقتْ رحْمَتُه كلَّ شيءٍ ووسعَتْ رحمتي كلَّ شيءٍ” قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانيّة، من عوالم الرّوح  الرّوحانيّ على هياكل العزِّ الإنسانيّ، كي تحكي عن ذات الأزليَّة وساذج القدميّة – وهذه المرايا القدسيّة ومطالع الهويّة تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود.” (م.س. 40)

و يدعم اللاهوت البهائي مؤكداً على أن الله هو المتعال على جميع الصفات. ففي لوح الكنز، يؤكد حضرة عبد البهاء على هذا التجاوز و التعالى و هو يشرح أحد الأحاديث للإمام علي (ع) (رحيق مختوم، 1: 51). وبالتالي، فإن جميع الصفات [الإلهية] قاصرة من أن تصف جلال وعظمة الله، كما يعترف البهائيون من خلال الصلاة اليومية المفروضة (الصلاة الكبرى) بذلك:

“سُبْحانَکَ مِنْ أَنْ تَصْعَدَ إِلی سَماءِ قُرْبِکَ أَذْکارُ الْمُقَرَّبِيْنَ أَوْ أَنْ تَصِلَ إِلی فِناءِ بابِکَ طُيُوْرُ أَفْئِدَةِ الْمُخْلِصِيْنَ ، أَشْهَدُ أَنَّکَ کُنْتَ مُقَدَّساً عَنِ الْصِّفاتِ وَ مُنَزَّهاً عَنِ الْأَسْماءِ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الْعَلِيُّ الْأَبْهی.” (بهاءالله، مناجاة: 183).

‘مراتب التكوين السبعة’ والقلم   The Seven Stages of ‘Coming into Being’ and the Pen

كتابات حضرة الباب و حضرة بهاءالله تتضمن إشارات إلى المراحل السبعة  لتكوين الوجود (مراتب التكوين السبعة)، و إقتضاء تشكيل كل الأشياء. فكل شيء خُلق قد مضى من خلال هذه المراحل. و في لوح فى (مائدة أسمائى، 8: 191 – 192) يشير حضرة بهاءالله إلى أن لا شيء على الإطلاق، قد يكون موجوداً، سواء كان في السماء أو على الأرض إلا من خلال المراحل السبعة من: المشيئة (will)، و الإرادة (purpose)، القدر (predestination)، و القضاء (fate)، الإمضاء/الإذن (permission)، و الأجل (fixed-time)، والكتاب (book). فالمراتب السبعة للتكوين (seven stages of ‘coming into being’) هي جزء من الإرث الشيعى للدين البهائي. وقد إستخدمت الكتابات البهائية المقدسة هذه المصطلحات بمنهجية و بكل دقة و إحكام. وردا على إستفسار خطي بشأن القضاء (fate)، و القدر (predestination) و الإرادة (purpose)، يقدم حضرة عبد البهاء إستجابة منهجية وتقنية:

“لقد سألت عن القضاء و القدر و الإرادة. إن القضاء و القدر تتمثل في العلاقات الضرورية التي لا غنى عنها والتي توجد في حقائق الأشياء. وقد تم وضع هذه العلاقات في حقائق الكائنات الموجودة من خلال قوة الخلق وكل حادث هو ​​نتيجة للعلاقة الضرورية. على سبيل المثال، فقد خلق الله علاقة بين الشمس و العالم الأرضى و ذلك بأن أشعة الشمس يجب أن تشرق وينبغي للتربة أن تنتج. فهذه العلاقات تشكل القدر، و ظهورها من بعد ذلك  في مستوى الوجود هو قضاء. و أن الإرادة هى القوة الفعالة التي تسيطر/تحكم هذه العلاقات وهذه الحوادث” {ترجمة تقريبية} (حضرة عبد البهاء،  Selections 198).

(لوح) سورة القلم تربط القلم مع المراحل السبعة لتكوين الوجود ‘مراتب التكوين السبعة’، حيث أن الإرادة (purpose) للقلم الأعلى قد صُرّح بأنها تشارك فى عملية الخلق (Súrat ul-Qalam 126). فهناك وجود علاقة مثيرة للإهتمام بين القلم و “مراتب التكوين السبعة “. و في التدرج من المشيئة (will) الى الكتاب (book) يوجد إنخفاض [تدريجى] في صفات القلم (الفعال) و زيادة في صفات اللوح (المنفعل). فالمشيئة (will) هى كلها فعّالة (active)، في حين أن الكتاب (book) هو كله منفعل (recipient). و يتم التلميح الى هذا التدرج أيضا بالإشارة إلى المشيئة باسم الآب للعالم (إن مشيئته أب العالم) والإشارة إلى الإرادة باسم الأم لبني آدم (إرادته أم بني آدم) من قِبل حضرة بهاءالله (لئالئ الحكمة، 2: 275 ). ووجودياً، فإن المشيئة الأولى the primal will هى ما تعادل القلم. و الإرادة، حددها حضرة عبد البهاء بأنها “قوة فعالة” في المقطع أعلاه، و هى القلم فيما يتعلق بالمراحل التنازلية. و القدر (Predestination) نفسه يمارس السيطرة الفعالة فيما يتعلق بالقضاء (fate)، كما هو مبيّن من اللوح أعلاه لحضرة عبد البهاء، وبالتالي فهو قلم. و يتم تحديد القدر (Predestination) أيضا بواسطة القلم، وبالتالي يعمل بمثابة المتلقي المنفعل أيضا. مثال لذلك يظهر في لوح الإحتراق: “اين تسخير قلم تقديرك يا مسخر العالمين” (بهاءالله). فالمصادر الإسلامية و البهائية هي على إتفاق، حيث أن عددا كبيرا من المصادر الإسلامية تؤكد هذه العلاقة بين القدر و القلم. فالحديث التالي من الطبري يمثل ذلك:

” حدَّثنا ابنُ بشارِ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى سليمانُ، عن أبى ظَبْيان، عن ابنِ عباسِ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللهُ القلمُ، قال: اكْتُبْ. قال: ما أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما يكونُ من ذلك اليومِ إلى قيامِ الساعةِ، ثم خُلِق النُّونُ، و رُفِع بخارُ الماءِ، ففُتقَتْ منه السماءُ، و بُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النونِ، فاضطَربَ النُّونُ،  فمادَت الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ.” (الطبرى، جامع البيان، 141)

إستنادا إلى الأدلة أعلاه، يمكن للمرء أن يستنتج أنه وجوديا، فإن التدرج من المشيئة الى الكتاب، يمثل التفاعلات المتعاقبة بين القلم و اللوح (فاعل – منفعل). و أن الآثار المترتبة على مثل هذه التفاعلات في مشروع الخلق الإبداعي هو واضح، و ذلك بأن الله يتجلى في العالم من خلال التفاعلات المتتالية للقلم و اللوح. لنكررها بصورة أخرى، فإن الفكرة الرئيسية لعلاقة القلم-اللوح تحدث في مراحل متتالية. فكما يخضع القلم لتفاعلات القلم-اللوح المتعاقبة فإن المشروع الإبداعي يتقدم من المشيئة الى الكتاب، وتوليد كل شيء خلق.

القلم و الحضرات الإلهية الخمسة The Pen and the Five Divine Presences

واحدة من الملامح المركزية للعرفانية و الثيوصوفية الإسلامية، وخاصة لمدرسة ابن عربي، هو مذهب الحضرات الإلهية الخمسة (the five divine presences). و هذه هى “المجالات/النطاقات الخمسة التى ’يوجد‘ فيها الله، أو حيث الحضور  الإلهى يمكن أن يدرك” (Sufi Path of Knowledge 5). و يصف إبن عربي “فعل إظهار ذات المطلق” في شكل أربع فئات من ‘التجلى’ (emanation) مما أدى إلى خمس مستويات من الوجود. وقد وضع المعلقون/المفسرون و الشُرّاح لابن عربي صيغ مختلفة إلى حد ما لهذه الوجودات/الحضرات. و لكن يعتبر التصنيف الذى وضعه أبو طالب المكي (ت 386ه / 996 م، و الذى أخذ منه الغزالى فى التصوف) بأنه الأكثر منهجية. فإنه يصف الهاهوتHáhút ، اللاهوت Láhút ، الجبروت Jabarút ، الملكوت Malakút و الناسوت Násút في ترتيب تنازلي (Concise Encyclopedia of Islam 128). و هذا التصنيف هو الذى يُتبع بشكل وثيق في الكتابات البهائية. ويرتبط موضوع هذه الدراسة بهذا المذهب. ففي (لوح) سورة القلم، يُذكر أن القلم هو النور الذي أنشأ/خلق الساحة السماوية (اللاهوت) و هياكل سكان السلطنة الأعلى (الجبروت) ، وجواهرها (سورة القلم ، 129). و هناك إشارات عديدة إلى هذه العوالم قد تكون موجودة في الكتابات البهائية. و يظهر الشرح المنهجي المتاح أكثر على نطاق واسع في لوح كل الطعام (Tablet of All Food). و لا تسمح هذه المقالة لإجراء إستعراض مفصل لهذه العوالم. و قد كان هناك عدد من الدراسات الإستقصائية بشأن هذه العوالم. و يهدف هذا الجزء من هذه الدراسة إلى دراسة هذه العلاقة. و علاوة على ذلك، فإن حضرة بهاءالله يصف تدرجاً بالألوان بينما هو يفصّل فى هذه الوجودات /الحضرات الإلهية، والتي سيتم إستكشافها لاحقا في ضوء المفهوم البابي – البهائي لمراحل “التكوين السبعة”.

أ- الناسوت (العالم الجسدى)   Násút (The Corporeal World)

الناسوت هو العالم المادي. و الناسوت نفسه يمكن تقسيمه إلى مزيد من الأقسام: ممالك الجماد، و النبات والحيوان، ويشمل أيضا الجانب الجسدى للحياة البشرية. و هنا فالقلم معنى بكل من التجلى الإلهى العام والخاص. ويتجلى الله في الناسوت، من خلال الظهور العام (universal revelation) أو التجلى العام (كتاب الإيقان، 55). و المقطع التالي من منتخبات من آثار حضرة بهاءالله  يكرر نفس الشئ:

“وتجلىّ في كينونة الاشياء جميعها باسم من أسمائه، وصفة من صفاته، ولكنه جعل الانسان مظهر كل اسمائه وصفاته ليكون مرآة لذاته مختصاً اياه بعظيم فضله وقديم رحمته.” (منتخبات: 27)

ووفقا لهذه الفقرة فكل شيء خلق يمكن إعتباره بأن يكون محلاً ومظهراً لتجلى الله، بحيث أن كل الأشياء تأتي الى الوجود من خلال هذا التجلى العام. وفي هذا السياق يصرح حضرة بهاءالله بأنه إذا كان أحد استمع إلى الكائنات بسمع الفطرة (innate hearing)، يمكن للمرء أن يسمع من كل ذرة ذلك الذي سمعته أذن الكليم Interlocuter (موسى). (لئالئ الحكمة، 1: 46). و  أن الله يظهر للجنس البشري كذلك في التجلى الثانى (الفيض المقدس) من خلال مظاهر الله (الرسل). و هذا التجلى الخاص في الظهور البهائي يحدث أيضا من خلال القلم الأعلى (the Supreme Pen)، و الذي يتفاعل مع الوجود/العوالم/الحضرات الإلهية الخمسة. ففي الناسوت يعرف هذا المظهر الإلهى بأنه “الإنسان الكامل” (Islamic Mysticism: Manifestations 79). و أن الجسد المادي للقلم الأعلى  موجود فى الناسوت كذلك. و هذه قد يمكن أن نستقيها من الكتابات البهائية، بما في ذلك ما يلي، مقطع حيث معالجة مختلف نواحي الناسوت على النحو التالي:

“هذا يوم فيه يقول اللاهوت (عالم الغيب) طوبى لك يا ناسوت (عالم الأرض) بما جَعلتِ موطىء قدم الله و مقرّ عرشه العظيم ويقول الجبروت (عالم البهاء) نفسي لك الفداء بما استقر عليك محبوب الرحمن الذي به وعد ما كان وما يكون.” (منتخبات من آثار حضرة بهاء الله: 14)

و يُوصف هذا العالم باسم “الأرض القرمزية”. و يشير حضرة عبد البهاء إلى أن قرمزي هى إشارة إلى الشهادة (martyrdom)، والتي تحدث في الناسوت (مائدة أسمائى، انجليوى، 2: 21، 48).

ب- الملكوت (الملك)   Malakút (The Kingdom)

الملكوت هو العالم الأول في التسلسل الهرمي التصاعدي للعوالم غير المادية. وكثيرا ما يترجم الملكوت و يشار إلى أنه “عالم ملائكي” أو “العالم النفسي” في العرفانية الإسلامية. و في لوح الى ورقاء (لوح ورقاء)، يعطى حضرة بهاءالله تعريفين للملكوت. فالتعريف الأول هو “المنظر الأكبر” (Most Great Beauty)، في إشارة إلى حضرة بهاءالله. و ينص التعريف الثاني أن الملكوت يحتوي على المثال (similitude) لكل ما هو في السماء و على الأرض (عالم المثال). وبالتالي يقع الملكوت متوسطاً الجبروت والناسوت. و في نفس اللوح، يؤكد حضرة بهاءالله أن الإمكانات الكامنة فى الجبروت تتجلى فى الملكوت. و في لوح كل الطعام  فإن حضرة بهاءالله يستخدم الآية القرآنية المعروفة ( 24: 37) لوصف سكان/أهل الملكوت: [رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ]. ويذكر أن الملكوت هو العالم الذى تقيم فيه النفوس التى لا تجارة ولا بيع قد تلهيها عن ذكر الله. و يبدو أن هذا هو أبعد عالم يمكن للبشر الوصول إليه في سعيهم الروحي. وقد تم تقسيم هذا المجال الى أعلى (higher) و أسفل (lower) في بعض المدارس ( شرح منظومة الحكمت 442 ). و لكن لم يتم التأكيد على هذا التمييز بهذه السهولة في الكتابات المقدسة البهائية. و يتم تعيين هذا المجال باعتباره أرض خضراء (أرضُ الخضراء) في لوح كل الطعام. و أن القلم يوجد فى و يتفاعل مع الملكوت. و هذا التفاعل يأخذ أشكالا مختلفة. في شرح لوح الفردوس الخامس [الكلمات المكنونة الفرسية: 20]، فإن حضرة عبد البهاء يبين على أن القلم الأعلى منقوش على اللوح المحفوظ (the preserved tablet) في الملكوت (مائدة أسمائى، انجليزى، 2: 58). و على هذا النحو  فإن القلم هو مصدر التوجيه/الإرشاد للملكوت. ويشير إليه حضرة بهاءالله باسم اللوح المحفوظ و الكتاب الأعظم (the most great book) في الكتابات البهائية المقدسة. قد يتساءل المرء كيف يمكن للقلم و اللوح أن يتعايشا في نفس العالم. أحد الحلول الممكنة لهذه المسألة، يستند إلى مبدأ التفاعل بين القوة الفاعلة و المنفعلة المتلقية لها و الكامن وراءها الخلق، على النحو المقرر في لوح الحكمة كما تقدم في وقت سابق. باختصار، فإن العلاقة بين القلم و اللوح تحدث في مراحل متتالية، و أن اللوح المولود [المنفعل من القلم الفعّال] يُظهر قوى توليدية و يعمل بمثابة القلم [كفعّال] على لوح آخر. و لذلك، فإن القلم و اللوح  قد يتعايشا في أي من أشكال الوجود /الحضرات.

ج – الجبروت (السلطنة/طمطام الجبروت)   Jabarút (The Dominion)

في هذا الحضرة الإلهية، فإن الله، حيث يتم ظهوره من خلال المظاهر الإلهية يقيم في “جنة الواحدية” (Heaven of Oneness ). و اللاهوت البهائي يضع تمييزاً حاداً بين الواحدية (Oneness) و الأحدية (Absolute Oneness). فالوحدانية التي نجدها في الجبروت هى الواحدية. و حضرة عبد البهاء يوضح بأنه عندما يتجلى نور الحوريات (Ipseity) في مشكاة الواحدية (oneness)، فإن الأسماء والصفات تظهر فى حيز الوجود. أما الأحدية (Absolute Oneness) هي الحالة حيث الصفات (attributes) هي جزء من الذات (essence). و أن الجبروت هو عالم حيث “أنت هو و هو أنت” (Thou art He and He is Thee). كما تم وصف هذا الوجود/الحضور باعتباره عالم رؤساء الملائكة archangelic في علم الكونيات العرفانى الإسلامي (Islamic Mysticism: Foundations 416). و هناك أربعة رؤساء للملائكة ذكوروا في الفكر الإسلامي، وهم إسرافيل و مكائيل و جبرائيل و عزرائيل. و إسرافيل، على سبيل المثال، سوف ينفخ في الصور في اليوم الآخِر من أجل الإعلام عن القيامة. و الكتابات البهائية تعزو هذه الوظيفة إلى القلم:

“يا قلم …. قم بشّر الإمكان بما توجّه الرحمن إلى الرضوان ثم اهدّ الناس إلى الجنة التي جعلها الله عرش الجنان إنا جعلناك الصور الأعظم لحيوة العالمين.” (بهاء الله، منتخبات، رقم: 14)

و الوظيفة الأخرى لإسرافيل هى منح الحياة، أي لوضع الأرواح داخل الأجساد. و هذه الوظيفة هي أيضا  يتم تنفيذها بواسطة القلم، كما درست مسبقاً. ففي (لوح) سورة القلم، فالقلم يعطي الحياة لجميع المخلوقات من خلال كلمة من فمه (سورة القلم، انجليزى، 126) . و عند ما يخاطب سكان /أهل الملكوت و الناسوت من الجبروت، فإن القلم يتحدث بالسلطان الإلهي. و يشرح حضرة بهاءالله في لوح كل الطعام بأن من عالم الجبروت، فالمظاهر الإلهية (الرسل) لا ينطقون إلا بإذن الله ولا يعملون إلا بأمره ولا ينهون إلا بحكمه. فالجبروت هو موضع/محل الظهور/الوحي الإلهي الذي يتم منه النداء و دعوة البشرية. و الجبروت نفسه مولود من القلم. ففي (لوح) سورة القلم، يذكر حضرة بهاءالله أن القلم هو النور الذي أخرج/خلق سكان الجبروت و ذواتهم (سورة القلم، انجليزى، 129). و قد تمت دراسة هذه العلاقة في وقت سابق. و القلم يوجد أيضا في هذا العالم [الجبروت]. و الإستجابة التالية رداً على القلم كما وردت في لوح الإحتراق هى إيضاحية: “ان يا قلم الاعلى قد سمعنا ندائك الاحلى من جبروت البقاء (عالم الجبروت) ان استمع ما ينطق به لسان الكبرياء يا مظلوم العالمين” (بهاءالله، لوح الإحتراق)

و قد تم تعيين عالم الجبروت من قِبل حضرة بهاءالله بالأرض الصفراء (أرضُ صفراء). و يتم إستخدام اللون الأصفر عموما في الكتابات البهائية المقدسة للإشارة إلى عالم الجبروت. و التجلى الثانى (الفيض المقدس)، والذي هو القلم، يعرّف و يميّز بأسماء مختلفة، و هو يتجلى في جميع أنحاء الوجودات/الحضرات الإلهية المختلفة. و أيضا تختلف هذه الأسماء في الملكوت من نظيراتها في الجبروت. ففي تفسير سورة و الشمس (القرآنية)، يصرح حضرة بهاءالله على أن نبي الإسلام يُعرف بمحمد في ملكوت الأسماء (عالم الملكوت Kingdom) وأحمد (most praised) في جبروت البقاء (السلطنة Dominion).

د – اللاهوت ( الساحة السماوية/ساحة القدس)   Láhút (Heavenly Court)

هذا العالم هو الوجود /الحضور الإلهي الأخير والذي يوجد فيه القلم. و هذا هو العالم الذى فيه “هو هو و ليس أحد إلا هو” (He is He and there is none other but He). و في هذه الحضرة لا يوجد تمييز بين المظاهر الإلهية، وليس هناك فردانية. ويشير إلى ذلك أديب طاهرزاده: “وهم في محضره ما ارتأوا لأنفسهم مقاما لأنهم عدم صرف تلقاء وجهه …” (ظهور حضرة بهاءالله، ج1، 60) . و معظم المدارس الثيوصوفية [الحكمة الإلهية] تقبل بأن البشر يحتمل أن يصعدوا إلى هذا المستوى أو الحضرة، ولكن هذا لا يجد السند في الكتابات البهائية. كما يتميز اللاهوت بأنه السماء المخصصة لأولئك العباد الجالسون على مقر البهاء، و الذين يشربون من ينبوع/عين الكافور (رحيق مختوم، فارسى، 2: 982 – 983). و في سياق الشيخية و البابية بالنسبة للوح كل الطعام، فهذا [الوجود] هو اشارة واضحة الى المظاهر الإلهية، وليس البشر (أسرار الأطهار، تحت العنوان الكافور، فارسى). و هنا فإن الإمكانات الكامنة في المشيئة  الأولى (المشيئة) الإلهية تتحقق أولا. و اللاهوت البهائي يذهب الى ان الفيض الأول من الله هو هذه المشيئة الأولية “… وأوّل ما صدر عن الحقّ هو تلك الحقيقة الكلّيّة الّتي تسمّى في اصطلاح الفلاسفة الأقدمين بالعقل الأوّل، وباصطلاح أهل البهاء المشيئة الأولى، …” (عبد البهاء، المفاوضات، رقم: 49 ). و أنها هى هذه المشيئة الأولى التى منها  بعد ذلك تولّد كل شيء (مجموعى2، فارسى، 144). و أن المشيئة الأولي يمكن تطابقها مع القلم، كما هو موضح في وقت سابق. وقد عرّف بعض الكتاب البهائيين القلم الأعلى (the most exalted pen) ضمن نطاق عالم اللاهوت فقط. و هذا الاقتراح يطرح مشكلتين. الأولى، أن الكتابات البهائية المقدسة توفر دليلا واضحا على أن القلم يعمل كوسيط مع أربعة من خمسة من الوجود /العوالم /الحضرات الإلهية، وليس حصرا مع اللاهوت، على النحو الذى تقرر في وقت سابق. و الثانية، فمن الواضح أن القلم يسبق سببيا (كفاعل /كعلة)عالم اللاهوت، كما هو موضح في (لوح) سورة القلم ( 129 ). ووفقا للسبزوارى و مفسرينه، فاللاهوت هو موضع أحسن الأسماء the most excellent names و أعظم الصفات الإلهية the most exalted attributes of God ( شرح منظومى، 442). و هذا الرأي يجد الدعم في الكتابات البهائية المقدسة، و بما أن حضرة بهاءالله يمتنع من أن ينسب الصفات إلى العوالم الأعلى. فإن السبزوارى يرى أيضا أن الذات الإلهية  المجيدة هى محجوبة (محتجب) من سكان العوالم  الأدنى من خلال أشعة اللاهوت ( شرح منظومى، 35 ). و هذا الرأي هو أيضا يطابق اللاهوت البهائي.

ه – الهاهوت (الغيب المنيع)   Háhút (Unknowable Essence)

الإشارات إلى هذا المجال شحيحة في الكتب المقدسة البهائية. ويمكن إعتبار كلمة هاهوت مشتقة من الحرف هاء (ه) و هو (He)، وكلاهما يمثل (الحوريات)Ipseity ( موجز الموسوعة الإسلامية 128 ). و يوصف الهاهوت بأنه السماء المطلقة أى الأحدية (Absolute Oneness). و قد تم تعريف الأحدية في وقت سابق كحالة حيث الصفات و الذات هى واحدة و غير متمايزة ( رحيق المختوم، فارسى، 1: 49 – 52). و أن الله هو المطلق في هذا المجال و متعال بما لا يقاس. و يبين حضرة بهاءالله أنه لا أحد يبدو أنه يعرف عن هذا المجال/العالم، ولكن الله سوف يكشف عنه لمن أراد له الله ذلك (م.س، 2: 982). الأبيات التالية من الشعر للشيخ محمود الشابستارى، من جولشان راز، ومن المعروفة جيدا في الأدب الفارسي. و هنا الشاعر يميز الحوريات  Ipseity من المظاهر في أسلوب مبتكر:

من أحمد الى أحد ليست سوى ميم

لقد فقد كوناً فى تلك الميم.

حضرة بهاء الله لا يذكر القلم في هذا المجال، و بالأحرى يشير الى أن المظاهر لا يعرفون إلا حرفاً منه (م.س، 2: 982 – 3). ويخلص أديب طاهرزاده الى أن المظاهر الإلهية أنفسهم ضاعوا و حاروا في هذا المقام، و يستشهد بما يلى  كتأييد لذلك:

“من الأزل الذي لا يعرف، كان الله محتجبا في حقيقة ذاته العليا، وإنه لا يزال مخفيا يكون إلى الأبد في سر جوهره الذي لا يعرف… فقد انصعق عشرات الآلاف من الأنبياء كل كان موسى في سيناء البحث عن صوت الله الناهي (إنك لن تراني) بينما ربوات المرسلين كل كان كالمسيح في عظمته قاموا على عروشهم المقدسة مرتاعين لصوت المنع (إن كينونتي لن تعرفها).”  (طاهرزاده ظهور حضرة بهاءالله، 1: 60)

الحضرات الإلهية الخمسة و ’مراتب التكوين‘   The Five Presences and the Stages of ‘Coming into Being’

التشابه بين المراحل السبعة ل ’مراتب التكوين‘ و الوجود/ الحضرات الإلهية الخمسة قد تكون قد أصبحت واضحة بالفعل. فحضرة عبد البهاء يقرر الإرتباط باستخدام سلسلة من الألوان التي توازي بشكل وثيق تلك المستخدمة من قِبل حضرة بهاءالله في لوح كل الطعام. و يبين حضرة عبد البهاء أن اللون الأبيض يمثل المشيئة (will) ، و يمثل الأخضر القدر (predestination). و أنه يؤكد أن القرمزي يمثل القضاء (fate) و يمثل ذلك الأصفر الإراده (purpose). و كرر حضرة عبد البهاء هذا الإرتباط في مواضع أخرى من مائدة أسمائى (2: 25). و يوجد هناك علاقة إرتباط واحد الى واحد بين المراحل الأربعة [من مراتب التكوين] المذكورة أعلاه و الألوان المخصصة للعوالم [الحضرات] التصاعدية الأربعة في لوح كل الطعام. ويصوّر هذه العلاقة الجدول رقم: 1، فهل هذا الإرتباط يشير الى مشروع إبداعي؟ لوح الحكمة يعني ضمنياً أن ديناميات فعّال-منفعل (active-recipient) تحدث في أكثر من مرحلة [مرتبة] و احدة، ويصف عدداً من التفاعلات. أحد المشاريع الممكنة هو أن خلق الوجودات/الحضرات الإلهية بواسطة القلم، يتبع تفاعلات القلم-اللوح (الفعال-المنفعل) التى درست في وقت سابق. و أن هذه التفاعلات على مستوى [مرتبة] المشيئة أدت الى إنشاء/خلق اللاهوت. و هذا التفاعل نفسه ينطوي على الإرادة (purpose) بأنه يولّد الجبروت. فكل مراتب التكوين الأربعة التنازلية للوجود/الحضرات الإلهية يتم إنشاءها من خلال ديناميات مماثلة. و هذه العلاقات يمكن تلخيصها في الجدول رقم: 1،

جدول رقم: 1

مرحلة التكوين  اللون الحضور الإلهى القلم- اللوح العلاقة
الهاهوت يؤدى لخلق القلم  
المشيئة الأبيض اللاهوت القلم لخلق الجبروت اللوح فى علاقة مع القلم
الإرادة الأصفر الجبروت القلم لخلق الملكوت اللوح فى علاقة مع اللاهوت
القدر الأخضر الملكوت القلم لخلق الناسوت اللوح فى علاقة مع الجبروت
القضاء القرمزى الناسوت اللوح بالنسبة للناسوت العديد من قوى القلم تعمل فيه

 

يمكن الآن تطبيق ديناميات “القلم-اللوح” على المشكلتين الإثنين اللتين واجهننا في هذه المقالة. تم طرح الأولى فى لوح ناصرالدين شاه حيث يكتب حضرة بهاءالله: يخاطبنی القلم الأعلی و يقول لا تخف اقصص علی حضرة السّلطان ما ورد عليك انّ قلبه بين اصبعی ربّك الرّحمن لعلّ تشرق من افق قلبه شمس العدل و الاحسان كذلك كان الحكم من لدی الحكيم محتوماً…. ” (بهاءالله، لوح السلطان). والثانية إستخدام تسميات مثل “اللوح المحفوظ” و “الكتاب الأعظم Most Great Book” في إشارة إلى حضرة بهاءالله. فالمفتاح لكلا المشكلتين يكمن في ديناميات “القلم-اللوح” التى قدمت في لوح الحكمة. ويمكن القول من أن القلم (القوة الفعّالة) يولد اللوح (المنفعل) و يسجل/ينقش عليه. لنكررها بصورة أخرى، يتم بدء عملية الخلق بتوليد القلم. و بعد ذلك يقوم القلم بتوليد اللوح. و اللوح نفسه لديه قوة إبداعية و يعمل مثل القلم (قوة فعّالة) على لوح آخر. و من ثم تتكرر الدورة. وبالتالي، فإن المظاهر الإلهية قد يدّعون أنهم القلم أو اللوح (أو الكتاب) في أي عالم تنازلي. وبالمثل، فإن اللاهوت البهائي يمكنه دعم و تأييد أن المظهر الإلهى هو كل من القلم و هو من يخاطبه القلم دون تناقض.

إستنتاج   Conclusion

درست هذه المقالة بعض الملامح البارزة لفكرة رئيسية لاهوتية هامة و التي يكثر إستخدامها من قِبل حضرة بهاءالله، من خلال تحليل وثيقة بهائية هى الأقل شهرة، و هى (لوح) سورة القلم (the Chapter of the Pen) . و أن علاقة “القلم-اللوح” هى حاسمة و فكرة أساسية في دراسة الكتابات البهائية المقدسة. فالإستخدام المتأنى لفكرة “القلم-اللوح” مثلت تصعيدا في التكشّف/الظهور التدريجي لدعاوى حضرة بهاءالله. و أن التاريخ التقريبي لنزول سورة القلم قد تَوَفَر، والذي يدعم ذلك التدرج أعلاه. و تم فحص الخلفية الإسلامية عن القلم على نطاق واسع من خلال دراسة المصادر الإسلامية الأولية. و أن التقدير/التثمين لهذه الخلفية الإسلامية أمر لا غنى عنه لفهم أعمق للفكرة الرئيسية للقلم و الكتابات البهائية المقدسة. فالقلم هو كناية عن الوظيفة الإبداعية لمظهر الله. و قد تم تدارس القلم في سياق الدراسة القليلة لمراحل التكوين السبعة ’مراتب التكوين‘ و الوجود/الحضرات الإلهية الخمسة. فالإرتباط بين الفكرة الرئيسية لتفاعل “القلم-اللوح”، و الوجود /الحضرات الإلهية الخمسة، و ’مراتب التكوين‘ السبعة، قد تم إقتراحه على أساس ديناميات “فعّال-منفعل” التى قدمت في لوح الحكمة كما وردت في الجدول رقم: 1. ويترتب على ذلك إنشاء أربعة حضرات وجودية إلهية تنازلية تحدث من خلال التواصل/التفاعلات المتتالية بين “القلم-اللوح” كما أن القلم يمر بتدرج تنازلي من ’مراتب التكوين‘.  و قد لوحظ أن لوح كل الطعام يؤكد على وجود علاقة لون أنشئت بالفعل بين الحضرات الوجودية الإلهية و ’مراتب التكوين‘. و أن أهمية هذا الإكتشاف لم تقدر تقديراً تاماً و هناك حاجة إلى مزيد من البحث و التحقيق.

إنتهى.

تجدون هذه الورقة و المراجع باللغة الانجليزية على الرابط التالى:

المكتبة البهائية على النت   Baha’i Library Online

http://bahai-library.com/milani_fananapazir_pen_motif

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: