كتب الاستاذ كمال زاخر وهو عضو مصريين ضد التمييز الدينى ( مارد)مايلى:
لا يملك أياً من المتابعين للحراك السياسى والمجتمعى المصرى أن ينكر الإنفراجة فى فضاء التعبير ، فى السنوات الأخيرة حتى وإن بدا للبعض ممن لم يتخلصوا بعد من ضوابط وقيود وعقلية الحقبات الشمولية أنها تحمل تجاوزاً يحتاج عندهم إلى إعمال منهج تكميم الأفواه ، ومن المستغرب أن الكوادر التى تستثمر هذا المناخ ـ بالصراخ والتكميم ـ هم رواد وأبواق تلك العصور الغابرة فى مناقضة تحتاج إلى تحليل وبحث !! ، ولعل ما حدث فى نقابة الصحفيين قبل اسبوع ( الجمعة 11 / 4 / 2008 ) يكشف وبجلاء هذه المناقضة ،
فبإعتبارها نقابة لحملة الأقلام الذين حملوا على عاتقهم مهمة إعلام الناس بما يجرى حولهم داخل الوطن وخارجه بحيادية وموضوعية بغير تهويل أو تهوين أو إسفاف والدفع باتجاه قراءة الإحداث والوقائع وتحليلها لخلق مشاركة فاعلة فى هموم الوطن وتقديم الرؤى الوطنية المختلفة لتنقية الواقع من الشوائب سعياً لغد أفضل لذا تعد بجوار توصيفها المهنى نقابة رأى ، ربما هذ ما دفع مجموعة ” مصريون ضد التمييز الدينى ” ـ وهى تضم أطيافاً مختلفة من المستنيرين المهمومين بالشأن الوطنى على رأسها الاستاذ الدكتور المهندس محمد منير مجاهد العلم فى مجال الطاقة النووية ـ لإختيارها لعقد مؤتمرهم الأول الذى حمل عنوان ” مصريون في وطن واحد: التمييز الديني وكيف نقاومه ” ، ولما كان هذا يتفق مع رسالة النقابة فقد تمت الموافقة رسمياً على عقد المؤتمر بالقاعة الرئيسية فيها يومى 11 و 12 بريل 2008 ، وتتسارع الأحداث بشكل مباغت إذ يقوم إثنان من أعضاء مجلس النقابة وفى صحبة خمسة من ” الفتوات ” من غير أعضاء النقابة ـ الله يرحمك يانجيب محفوظ ـ باقتحام النقابة فى الليلة السابقة على المؤتمر ويغلقون أبوابها ويبيتون فيها ، وفى الصباح يمنعون الدخول اليها ، حتى الاستاذ النقيب الذى كاد يكسر الباب لإلحاحه فى الدخول فلم يجدوا بداً من السماح له لكنهم يوصدون الباب خلفه ويحاصرونه فى هياج رصده المتابعون من خارج الأبواب ؛ ووسط صراخهم الهيستيرى تتبين بالكاد رؤيتهم ، التى تكشف أننا نجنى ثمار المد الطائفى الذى تأسس مع إطلالة السبعينيات من ! القرن ال ماضى فهم نتاجه وقد رضعوا اطروحاته الطائفية قبل أن يفكوا أسرار الحروف فجاءت محملة بالتمييز والإستعلاء والأحادية وهنا نفهم لماذا يقاومون انعقاد مؤتمر يقاوم التمييز ، ويعلنون بوضوح أنهم غير بعيدين عن أجندة ورؤية الجماعة المحظورة التى سبق لها واختطفت مؤتمر القاهرة السادس كما بينت فى مقال سابق ، ولعله من اللافت أن عنوان الندوة المختطفة من قبلها ” نحو تشريع لمقاومة التمييز “.
كانت حججهم تنطق بأنهم ضد الشرعية وضد المواطنة بل ومع ترسيخ دعائم الدولة الدينية ، فماذا قالوا ؟ :
ـ قالوا أن المؤتمر يضم رموزاً من البهائيين مما يشكل خطراً داهماً على الإسلام ، وكأن تلك الرموز جاءت فى مهمة دعوية تبشيرية ، بينما واقع الحال ـ كما كشفت عنه فعاليات المؤتمر بعد انتقاله إلى مقر حزب التجمع ـ هو سعيهم لطرح حقهم الدستورى فى اثبات هويتهم الدينية فى الأوراق الرسمية بعد أن توقفت حياتهم فى المعاملات الرسمية الوظيفية والإجتماعية ، وهو أمر يتعلق بمبدأ المواطنة ويحتاج لمزيد من الطرح والحوار حوله ، ولا يقر عاقل أن الإسلام بكل ثقله وتاريخه وتجذره يمكن أن يتهدده بضع آلاف من معتنقى البهائية وإلا لكانت الدعوة واجبة لتنظيم محاكم تفتيش تتعقب الملحدين واللادينيين !! .
ـ قالوا أن المؤتمر تنظمه جماعة غير رسمية وسبق لوزارة التضامن أن رفضت التصريح لها كجمعية أهلية ، فكيف تقبل النقابة التعامل مع جماعة غير شرعية ، وهو حق يراد به باطل ، فالمعروف فى أروقة العمل الأهلى أن هناك العديد من الجمعيات فى طور التأسيس ، فمازالت أمام الجمعية ـ تحت التأسيس ـ جولات أخرى لتقنين وضعها بعد الأخذ بملاحظات الوزارة ، ولعل الموقف الذى يكشف زيف هذ الإدعاء ما حدث قبل أيام قلائل (27 ـ 30 مارس 2008 ) إذ شهدت روقة النقابة وقاعاتها إحتلالاً وهيمنة من جماعة الإخوان المسلمين على فعاليات مؤتمر القاهرة السادس وغطت جدرانها ملصقاتهم وشعاراتهم بل كان مرشدها العام متحدثاً رئيسياً فى قاعتها الكبرى وسط حشد من أعضائها ، ولم يقل الغيورين على الشرعية أنها جماعة محظورة بحكم القانون ، ياحمرة الخجل أين أنت ؟! .
ـ قالوا أن القناة الثانية للتليفزيون الإسرائيلى حضرت لتغطية اعمال وجلسات المؤتمر ، والنقابة لا يمكن أن تقبل هذا لأنه يدفع باتجاه التطبيع ، وفات هؤلاء أن احتلال النقابة تم قبلها بليلة كاملة ـ إلا إذا كانوا من أهل الخطوة أو كما يقول العامة ” مكشوف عنهم الحجاب ” فضلاً عن أن تحقيقات النقابة كشفت زيف هذا الإدعاء وأصدرت بياناً عاجلاً يكذب هذا الزعم على الفور وتلى هذا البيان فى ختام المؤتمر ، وحتى إن صح هذا فكان من الطبيعى وفقاً لقرار النقابة بعدم التطبيع منع دخول ممثلى القناة للنقابة ولا يسأل فى هذا منظمى المؤتمر.
ـ قالوا أن المؤتمر يستضيف رموزاً من أقباط المهجر ، مما يعد إختراقاً يحمل أجندة أميريكية ، وكأنى بهم قد أصدروا حكماً باتاً بإسقاط الجنسية المصرية عن مصريين أقحاح فى تعد على الشرعية وبغير سند من القانون وفى تأكيد على العنصرية الطائفية ، وكان الأولى بهم مواجهة ما يظنونه اخترقاً بالحوار والجدل الفكرى ودحض ما يطرح إذا كان يستوجب ذلك ، بل لعل المفاجأة أن المصريين المهاجرون الذين اشتركوا فى المؤتمر كانوا أقباطاً ومسلمين ، وكانت مداخلاتهم وأورقهم إضافة عميقة للمواطنة وتأكيداً على مصرية كل المصريين ، بل وكان القبطيان المشاركان منهم من الشخصيات التى لا يملك أحد المزايدة عليهما فى إنتمائهما الوطنى أولهما الاستاذ الدكتور وليم ويصا ( دكتوراه في الإعلام من جامعة السوربون ) ، ومراسل جريدة الأخبار لأكثر من عشرين عاماً وعضو نقابة الصحفيين المصرية ، وثانيهما الكاتب والباحث الدكتور عادل جندي المقيم في باريس، صدر له كتاب “الحرية في الأسر ـ مأزق الإصلاح السياسي والمواطنة”( أكتوبر 2006 عن دار ميريت بالقاهرة ) .
ماحدث فى نقابة الصحفيين يتطلب تحقيقاً قانونياً بل ويتطلب انعقاد مجلس النقابة فى جلسة عاجلة تعيد للعمل النقابى ضوابطه وللنقابة كرامتها المهدرة ، وتضع الأمور فى نصابها الصحيح ، ويبقى السؤال كيف تتحولأحد معاقل لدفاع عن حرية الرأى إلى أداة لمصادرة الرأى بغير القنوات القانونية والمنطقية والشرعية ، فالبديل تكريس العنف فى مواجهة الفكر والبلطجة فى مواجهة الشرعية ..
ويبقى السؤال هل ما حدث بالنقابةإنفلات أم نقلاب أم تقرير واقع ؟؟ كم للإرهاب والطائفية من جنود فى الإعلام !! .
Kamal_zakher@ hotmail.com
الأوسمة: مصريين ضد التمييز, نقابة الصحفيين, البهائية